ثقافة وفن

أنطولوجيا الوجع والوطن

قراءة نقدية وجمالية في بنية رواية (مادلين) للروائي أنس أحمد رزق

فدوى‭ ‬سعد

عتبة‭ ‬التأويل

رواية‭ (‬مادلين‭) ‬للروائي‭ ‬أنس‭ ‬أحمد‭ ‬رزق‭ ‬عمل‭ ‬سردي‭ ‬عابر‭ ‬للتصنيفات‭ ‬التقليدية‭ (‬أدب‭ ‬الرسائل‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬تعلو‭ ‬فيها‭ ‬سطوة‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬بصرامة‭ ‬حادة‭ ‬كأداة‭ ‬رصد‭ ‬توثيقي‭ ‬لمآسي‭ ‬السودان‭ ‬الراهنة‭ ‬الممتدة‭ ‬منذ‭ ‬نشوب‭ ‬الحرب‭ ‬وويلاتها‭ ‬وتأثيراتها‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬رسائل‭ ‬شجن‭ ‬لمادلين‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مدونة‭ ‬وجدانية‭ ‬لقصة‭ ‬حب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬مأساة‭ ‬وجودية‭ ‬نابضة‭ ‬بالألم‭ ‬والحيرة‭. ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬الرواية،‭ ‬يفكك‭ ‬أنس‭ ‬أحمد‭ ‬رزق‭ ‬هشاشة‭ ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الحرب،‭ ‬ويظهر‭ ‬تصدع‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الخراب‭ ‬التاريخي‭ ‬والجغرافي‭.‬

رواية‭ (‬مادلين‭) ‬هي‭ ‬العمل‭ ‬الأول‭ ‬للكاتب،‭ ‬فأجد‭ ‬أنها‭ ‬تتجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬التجريب‮»‬‭ ‬لتقتحم‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬الاشتباك‭ ‬الوجودي‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الكتابة‭ ‬إلى‭ ‬طقسٍ‭ ‬علاجي‭ ‬لترميم‭ ‬ذواتٍ‭ ‬مكسورة‭ ‬بفعل‭ ‬الغياب‭ ‬والفقد،‭ ‬وتوثيقٍ‭ ‬لانكسار‭ ‬الحلم‭ ‬الثوري‭ ‬ووقفه‭ ‬عند‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭ ‬والوجع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي،‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬الصفحات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬سرديته‭.‬

الإيقاع‭ ‬النفسي

‭(‬مادلين‭) ‬تدفق‭ ‬استباقي‭ ‬وارتجاعي‭ ‬للذاكرة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الزمن‭ ‬الداخلي‭ ‬متوتراً‭ ‬وغير‭ ‬خطي،‭ ‬يتمدد‭ ‬وينكمش‭ ‬تبعاً‭ ‬لدرجة‭ ‬الصدمة‭ ‬والشعور‭ ‬بالعزلة‭ ‬الفردية‭ ‬والجمعية‭. ‬وينعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬أبعاد‭ ‬متداخلة‭:‬

الزمن‭ ‬النفسي‭ ‬والذاكرة‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تداخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الطفولية‭ ‬بوداعتها‭ ‬وطمأنينتها‭ ‬والراهن‭ ‬المعاش‭ ‬منذ‭ ‬أبريل‭ ‬2023‭ ‬داخل‭ ‬الأرض‭ ‬السودانية،‭ ‬حدث‭ ‬انهيار‭ ‬تدريجي‭ ‬للخط‭ ‬الزمني،‭ ‬مما‭ ‬عكس‭ ‬حالة‭ ‬الاغتراب‭ ‬الداخلي‭ ‬والتشظي‭ ‬الروحي‭ ‬لإنسان‭ ‬المكان‭ ‬وسط‭ ‬الفوضى،‭ ‬وصخب‭ ‬الذاكرة‭ ‬المتداخل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬حب‭ ‬وهدوء‭ ‬وما‭ ‬تواجهه‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬منفلت‭ ‬سلوكياً‭ ‬ونبرات‭ ‬صوت‭ ‬أصبحت‭ ‬صاخبة‭ ‬شرسة‭. ‬فتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬قال‭:‬

‭(‬حينها‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬استحضار‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نضحك‭ ‬فيها‭ ‬بصدقٍ،‭ ‬لأن‭ ‬الألم‭ ‬أقوى،‭ ‬والجرح‭ ‬أعمق،‭ ‬والخيانة‭ ‬أكثر‭ ‬مرارةً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وهمٍ‭ ‬عشنا‭ ‬فيه‭)‬

‭(‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬كنتُ‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬ألفة،‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ضجيجٍ‭ ‬مؤلم‭… ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الموسيقى‭ ‬تطربني،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكتب‭ ‬تأخذني‭ ‬بعيدًا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الليل‭ ‬صديقًا‭).‬

المكان‭ (‬الخرطوم‭ / ‬الفضاء‭ ‬الضيق‭): ‬أصبحت‭ ‬الفضاءات‭ ‬المغلقة‭ ‬والمحاصرة‭ ‬سجوناً‭ ‬نفسية‭ ‬ووطنية‭ ‬كبرى،‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬ارتباط‭ ‬عميق‭ ‬بين‭ ‬انغلاق‭ ‬الأفق‭ ‬الفردي‭ ‬والمصير‭ ‬الجمعي‭ ‬المأزوم،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬تفاصيل‭ ‬المكان‭ ‬إلى‭ ‬شواهد‭ ‬على‭ ‬الاختناق‭ ‬والتشظي‭.‬

‭(‬وها‭ ‬أنا‭ ‬الآن‭ ‬أكتب‭ ‬إليكِ‭ ‬مجددًا،‭ ‬ليس‭ ‬عن‭ ‬السودان‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الخرطوم‭ ‬التي‭ ‬تحترق‭).‬

شخصية‭ ‬‮«‬مادلين‮»‬‭ (‬الأيقونة‭ ‬والمجاز‭): ‬تتجاوز‭ ‬كونها‭ ‬شخصية‭ ‬نسائية‭ ‬تقليدية‭ ‬لتغدو‭ ‬‮«‬محفزاً‭ ‬سيكولوجياً‮»‬‭ ‬للحكي‭ ‬ومرآة‭ ‬للوطن‭ ‬المستباح‭. ‬يتراوح‭ ‬حضورها‭ ‬بين‭ ‬الغياب‭ ‬الوجودي،‭ ‬شبح‭ ‬الذاكرة،‭ ‬والأيقونة،‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬فراغاً‭ ‬يملأ‭ ‬الفضاء‮»‬‭ ‬ومرثية‭ ‬أبدية‭ ‬للفقد‭ ‬والحنين؛

‭(‬أريدكِ‭ ‬أن‭ ‬تتذكري‭ ‬دائمًا‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أهرب،‭ ‬لم‭ ‬أختفِ،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬ابتعدت‭ ‬قليلًا‭ ‬لأجد‭ ‬مخرجًا‭ ‬لهذا‭ ‬الضياع،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬لأتيقن‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مخرج‭ ‬منه‭. ‬لكن‭ ‬يا‭ ‬عزيزتي‭ ‬اسمعيني‭ ‬جيدًا‮…‬‭ ‬إن‭ ‬طال‭ ‬الغياب،‭ ‬فلا‭ ‬تفقدي‭ ‬الأمل‭. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬وداعًا‭ ‬يا‭ ‬مادلين،‭ ‬بل‭ ‬هدنة‭ ‬مع‭ ‬القدر،‭ ‬استراحة‭ ‬محارب‭ ‬أضناه‭ ‬القتال،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يُلقِ‭ ‬سيفه‭ ‬بعد‭..).‬

ثانياً‭: ‬بنية‭ ‬النص‭ ‬وثيمات‭ ‬الوجع‭ ‬الكبرى

‭< ‬ثيمة‭ ‬الموت‭ ‬والفقد‭ ‬والبعث‭: ‬يتنقل‭ ‬السرد‭ ‬ببراعة‭ ‬بين‭ ‬فجائع‭ ‬الموت‭ ‬الفردي‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬الجماعي‭ ‬والتاريخي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬فتتحول‭ ‬مادلين‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬كائن‭ ‬شبحي‭ ‬إلى‭ ‬لعنة‭ ‬أبدية،‭ ‬في‭ ‬اشتغال‭ ‬فني‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬جماليات‭ ‬الواقعية‭ ‬السحرية‭.‬

‭(‬دخلتُ‭ ‬غرفتي‭ ‬وأغلقتُ‭ ‬الباب،‭ ‬شعرتُ‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭ ‬ينقبض‭ ‬في‭ ‬صدري،‭ ‬كأن‭ ‬الموت‭ ‬يسرق‭ ‬منّا‭ ‬الأشخاص‭ ‬ثم‭ ‬يترك‭ ‬خلفه‭ ‬فراغًا‭ ‬لا‭ ‬يُملأ‭).‬

‭< ‬الجنون‭ ‬والهلوسة‭ ‬كآلية‭ ‬دفاع‭: ‬يبرز‭ ‬الخطاب‭ ‬السردي‭ ‬حالة‭ ‬الانفصام‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الجنون‮»‬‭ ‬المؤقت‭ ‬باعتبارها‭ ‬استجابة‭ ‬لا‭ ‬شعورية‭ ‬لثقل‭ ‬الصدمات‭ ‬والتحولات‭ ‬العنيفة،‭ ‬وملاذاً‭ ‬أخيراً‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الواقع‭ ‬الموضوعي‭ ‬وتراءي‭ ‬الأصوات‭ ‬وسط‭ ‬صخب‭ ‬المجهول‭:‬

‭(‬ترتدي‭ ‬ثوبًا‭ ‬أسود‭ ‬فضفاضًا‭ ‬ينسدل‭ ‬على‭ ‬جسدها‭ ‬النحيل،‭ ‬كأنه‭ ‬يحتضن‭ ‬ضعفها‭. ‬نظراتها‭ ‬شاردة،‭ ‬تحدّق‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬الممتد‭ ‬أمامها‭ ‬بلا‭ ‬هدف،‭ ‬كأنها‭ ‬تنتظر‭ ‬شيئًا‭ ‬تعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يعود‭. ‬يداها‭ ‬متشابكتان‭ ‬في‭ ‬حجرها،‭ ‬تعتصرهما‭ ‬بين‭ ‬لحظة‭ ‬وأخرى،‭ ‬وكأنها‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تستجمع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬نفسها‭. ‬ألقيتُ‭ ‬السلام،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تُجب‭… ‬كان‭ ‬وجهها‭ ‬جامدًا،‭ ‬بلا‭ ‬تعابير،‭ ‬عدا‭ ‬عينيها‭ ‬اللتين‭ ‬حملتا‭ ‬حزنًا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬البحر‭).‬

‭< ‬الخلاص‭ ‬الورقي‭ ‬ورمزية‭ ‬الأشياء‭: ‬تشكل‭ ‬المقتنيات‭ ‬المادية‭ ‬دروعًا‭ ‬واقية‭ ‬للبطل؛‭ ‬فالمعطف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬ضد‭ ‬صقيع‭ ‬الوحدة،‭ ‬بينما‭ ‬تمثل‭ ‬الكتب‭ (‬شخصية‭ ‬الملاذ‭) ‬الأوطان‭ ‬البديلة‭ ‬والملاذ‭ ‬المعرفي‭ ‬والروحي‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬الانهيار‭.‬

‭(‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معطفي‭ ‬كافيًا،‭ ‬رغم‭ ‬أنكِ‭ ‬نسجتِ‭ ‬فيه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬روحك‭).‬

ثالثاً‭: ‬التناص‭ (‬المحلي‭ ‬والعالمي‭ ‬والصوفي‭)‬

نجح‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فضاء‭ ‬ثقافي‭ ‬ثري‭ ‬عبر‭ ‬توظيف‭ ‬التناص‭ ‬كجسرٍ‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬المأزومة‭ ‬والموروث‭ ‬الإنساني‭:‬

‭< ‬التناص‭ ‬العالمي‭: ‬استدعاء‭ ‬الموناليزا‭ ‬ومقاربتها‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الكنداكة‮»‬‭ ‬يمنح‭ ‬النص‭ ‬بُعداً‭ ‬رمزياً؛‭ ‬فالكنداكة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لقب‭ ‬تاريخي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‮«‬موناليزا‭ ‬السودان‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تبتسم‭ ‬للثورة،‭ ‬مما‭ ‬يرفع‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬سياقها‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرحب‭.‬

‭< ‬التناص‭ ‬التراثي‭ ‬والصوفي‭: ‬حين‭ ‬يصف‭ ‬السارد‭ ‬جثوه‭ ‬على‭ ‬القبر‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬جثو‭ ‬امرأة‭ ‬على‭ ‬ضريح‭ ‬أحد‭ ‬الأولياء‮»‬،‭ ‬يلمس‭ ‬النص‭ ‬جماليات‭ ‬العشق‭ ‬الصوفي،‭ ‬حيث‭ ‬يتماهى‭ ‬المقدس‭ (‬القبر‭/‬الولي‭) ‬مع‭ ‬المدنس‭ (‬الحرب‭/‬الخيبة‭)‬،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتقديس‭ ‬الحزن‭ ‬كسبيلٍ‭ ‬وحيد‭ ‬للخلاص‭.‬

رابعاً‭: ‬الجماليات‭ ‬السردية‭ (‬التشكل‭ ‬البصري‭ ‬وبلاغة‭ ‬المونولوج‭)‬

تستند‭ ‬البنية‭ ‬الجمالية‭ ‬لمادلين‭ ‬على‭ ‬مخيلة‭ ‬بصرية‭ ‬حادة،‭ ‬تتجاوز‭ ‬النقل‭ ‬التقريري‭ ‬للواقع‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬عبر‭ ‬لوحات‭ ‬سردية‭ ‬مشبعة‭ ‬بالرمز‭ ‬واللون‭. ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الوصف‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬تأثيث‭ ‬الفضاء‭ ‬الخارجي،‭ ‬بل‭ ‬يشتغل‭ ‬كمرآة‭ ‬عاكسة‭ ‬للداخل‭ ‬الإنساني‭ ‬المتصدع‭. ‬وتتوسل‭ ‬الرواية‭ ‬بلغة‭ ‬شعرية‭ ‬مكثفة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬تيار‭ ‬الوعي‭ ‬والمناجاة‭ ‬الداخلية‭ ‬كأداة‭ ‬جمالية‭ ‬رئيسية‭ ‬لكسر‭ ‬الخطية‭ ‬الزمنية،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الجملة‭ ‬السردية‭ ‬تبدو‭ ‬كتدفق‭ ‬شعوري‭ ‬يغوص‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬النفسي‭ ‬المأزوم،‭ ‬متناغمة‭ ‬مع‭ ‬نبرة‭ ‬الشجن‭ ‬والفقد‭ ‬لتحول‭ ‬النثر‭ ‬إلى‭ ‬قصيدة‭ ‬ممتدة‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬هلوسة‭ ‬الذاكرة‭ ‬وصدمة‭ ‬الواقع‭.‬

‭(‬لم‭ ‬أخبرك‭ ‬يومًا،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أحب‭ ‬الشتاء‭ ‬بعدك‭. ‬كان‭ ‬برده‭ ‬قاسيًا،‭ ‬لكنه‭ ‬ازداد‭ ‬وحشية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فقدتك‭.. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬معطفي‭ ‬كافيًا،‭ ‬رغم‭ ‬أنكِ‭ ‬نسجتِ‭ ‬فيه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬روحك‭. ‬كنتِ‭ ‬تظنين‭ ‬أن‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يحميني،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يردع‭ ‬ذلك‭ ‬الصقيع‭ ‬الذي‭ ‬استوطن‭ ‬داخلي‭ ‬منذ‭ ‬رحيلك‭).‬

خامساً‭: ‬البناء‭ ‬السردي،‭ ‬الشخصيات،‭ ‬والمسار‭ ‬الفني

يتخذ‭ ‬النص‭ ‬هيكلاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬يوميات‭ ‬الوجع‮»‬‭ ‬والرسائل‭ ‬المؤجلة،‭ ‬حيث‭ ‬تبرز‭ ‬ثنائية‭ ‬الحضور‭ ‬والغياب‭ ‬كعمود‭ ‬فقري‭ ‬للسرد‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬البناء،‭ ‬يجسد‭ ‬السارد‭ (‬المثقف‭ ‬المأزوم‭) ‬الإنسان‭ ‬المهزوم‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬اغتراباً‭ ‬مزدوجاً‭ ‬جعل‭ ‬النص‭ ‬ينتقل‭ ‬من‭ ‬مرثية‭ ‬شخصية‭ ‬إلى‭ ‬صرخة‭ ‬وطنية‭ ‬جماعية‭.‬

ومع‭ ‬اعتماد‭ ‬النص‭ ‬تياراً‭ ‬وجدانياً‭ ‬حاداً‭ ‬يمنح‭ ‬السرد‭ ‬أفقاً‭ ‬فلسفياً،‭ ‬فإنه‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬فنية‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬الكتابة‭ ‬المأزومة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭:‬

‭< ‬الحصار‭ ‬العاطفي‭: ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬التمركز‭ ‬حول‭ ‬الأنا‭ ‬إلى‭ ‬إجهاد‭ ‬شعوري‭ ‬يحصر‭ ‬رؤية‭ ‬القارئ‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬واحدة‭.‬

‭< ‬ثبات‭ ‬الشخصيات‭: ‬إذ‭ ‬تظل‭ ‬مادلين‭ ‬‮«‬أيقونة‭ ‬ثابتة‮»‬‭ ‬تفتقر‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬التطور‭ ‬الدرامي‭ ‬البشري‭.‬

‭< ‬المباشرة‭ ‬التوثيقية‭: ‬الميل‭ ‬أحياناً‭ ‬نحو‭ ‬التقريرية‭ ‬الخبرية‭ (‬أحداث‭ ‬القطينة‭) ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التخييل‭ ‬الأدبي،‭ ‬مما‭ ‬يتطلب‭ ‬موازنة‭ ‬درامية‭ ‬أكبر‭ ‬لكسر‭ ‬حدة‭ ‬الرثاء‭ ‬و»تذويب‮»‬‭ ‬الوقائع‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬الدراما‭.‬

عند‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الغلاف‭ ‬الأخير‭ ‬لـ‭ (‬مادلين‭)‬،‭ ‬يكون‭ ‬أنس‭ ‬أحمد‭ ‬رزق‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬شهادة‭ ‬إنسانية‭ ‬بالغة‭ ‬القسوة‭ ‬والجمال،‭ ‬برصده‭ ‬لكيف‭ ‬ينجو‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬يفشل‭ ‬حين‭ ‬تتكالب‭ ‬عليه‭ ‬خيبات‭ ‬العاطفة‭ ‬وجحيم‭ ‬التاريخ‭. (‬مادلين‭) ‬بيان‭ ‬أدبي‭ ‬لجيلٍ‭ ‬سودانيٍّ‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬يكتبُ‭ ‬قصائد‭ ‬الحب‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬المقابر‭. ‬ورغم‭ ‬التحديات‭ ‬الفنية‭ ‬الملازمة‭ ‬للعمل‭ ‬الأول،‭ ‬يضع‭ ‬الكاتب‭ ‬أنس‭ ‬رزق‭ ‬قدمه‭ ‬بثقة‭ ‬في‭ ‬مضمار‭ ‬السرد،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬صوته‭ ‬رغم‭ ‬انكساره‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬عصب‭ ‬الحقيقة‭. ‬ويظل‭ ‬النص‭ ‬مرآةً‭ ‬صادقة‭ ‬لجيلٍ‭ ‬عاش‭ ‬وعود‭ ‬الثورة‭ ‬ثم‭ ‬انكسار‭ ‬الحلم،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬يظل‭ ‬العلامة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المتبقية‭ ‬على‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتلعنا‭ ‬صمت‭ ‬العدم‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق