

بشرى بن فاطمة
عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر لبنان صدرت رواية «الصعود إلى النهار» للكاتب الصحفي اللبناني علي السقا والتي تعتبر روايته الثالثة، تحتوي على 300 صفحة، استطاع فيها النفاذ إلى رؤى مختلفة من العوالم السردية الواقعية التي تنعكس فيها الشخصيات على المكان والانتماء بين الاغتراب الداخلي والتجذر الحسي في خراب التفاصيل ودمار الأمنيات كل تلك التناحرات الداخلية والخارجية، رافقت التصعيد الحبكي للرواية، وأخذت القارئ معها إلى زوايا موحشة أو أسئلة قلقة نفسية اجتماعية ثقافية سياسية واقعية سريالية، انعكست فيها أهوال بيروت وهوية البحث عن الذات فيها تلك التي حوّلت جراحات المدينة النازفة إلى صور بشعة مشوّهة لمتساكنين مثقلين بها وبهم.
وكما تشرح الرواية نفسها « بيروت، مدينة لم تعد تتسع إلا لفصيلين: الكلاب، والذئاب»، هي رؤية لما بعد الدمار أو لتفاصيل الحروب الدائمة التي أنهكت المدينة كمكان وفضاء كمساحة انتماء تداعت في زواياها عتمات الفساد وصفقات العواصف التي دمّرت الجمال في مدينة من ذاكرة ذلك الانتماء، تمادت فيها لتصبح نبذا قاسيا متوحّشا.
هو بوح خمسة هاربين من السجن أكل الخراب مدينتهم وتمكّنوا من الخروج إلى النهار خروجهم أو صعودهم لذلك النهار لم يعدهم كما كانوا بل أعادهم متوحشين آخرين.
حسن الذي كبر ولم يُشبع جوعه لكل شيء، يلاحق الوظيفة ويجمّد حواسه في تفاصيل عبوديته لها من أجل العيش فجأة ومع تصعيد الظرف وقسوة الواقع ثار على بيروقراطية الهوية التي نخرته والتي تحتوي وتنفر تلفظ أبناءها للبحر لأمكنة بعيدة.
سليمان الذي يبحث عن هوية في خضم معاناته من تشوّهٍ خلقي، فارس المصاب بمرض في القلب والمحتاج إلى من يرعاه، رشدي الذي يتخبط في معركة النقاء ويخسرها، ورياض، الوحش الذي يقوده الجوع فيقود بقية رفاقه إلى الجريمة إلى القتل.
تبدو الرواية اعتيادية في حبكة التظلمات الاجتماعية والسياسية والثقافية ومخاض الحروب والصدامات وواقع الزحمة والضجة وصراخ المدن الكبرى والعواصم المنهكة ولكنها في تفاصيلها تعبير عن الوجود عن الذات عن المكان عن السأم من كل ذلك الخراب بتهديمها هكذا اختار السقا شقّ منافذ السرد للتعبير عن قلق الوجود بتفكيكه أبوكاليبتية تحطّم تفاصيلها، لأنها ضجرت تمجيد البطولات باستفزاز القلق وتحفيز المعاناة في بتر المصائر ومنازلة المجهول، لهاث حول المدينة وركض على خرابها، عندما قرّر السقا أن يصعد بشخصياته إلى النهار ويقدّم صورة أخرى عن الضوء ذلك الفضاء الواضح المكشوف والمعلن لمدينة حوّلت ملامح أبنائها إلى وحوش.
بتلك الصورة يحطّم السقا فكرة الأمان ويكشف بداية المعركة بين الكلاب والذئاب وربما الهدنة أيضا في ولاءات المصالح الفردية والجماعية وينأى بتفاصيله عن تلك المنطقة الروتينية لراحة القلق الخفي واللامعلن والمنظر لثورة الوقع في إيقاع الوجود المشوه المبتور بتفاصيله المظلمة.
تحمل الرواية تفاصيلها بأسلوب حسيّ واقعي بأساليب تصاعدية انفعالية وباردة حقيقيّة وحالمة كابوسية نفسية وصفية للشخصيات وحركتها وحواراتها المسموعة أو الباطنية سواء على مستوى المكان والحركات والسلوك ودرجات التفاعل فيما بينها وبين محيطها العام ولحظاتها الخاصة وتجلياتها الذهنية التي تقع بينها وبين الكاتب مثل خيط رفيع يحاول فيه أن يتماسك حتى لا تنهار منه الرؤى ولا يقع في ذاتية التفكيك أو يحبط القارئ الباحث معه عن نوافذ الأمل وذلك الصمود أمام هشاشة أضافت سمة الحضور الذهني بينها وبينه وبين المتلقي.
إن قراءة الرواية بتمعن تعطي إحاطة نفسية واجتماعية وحسيّة للشخصيات تلك الرؤية عمّمها الكاتب لتحتوي الرواية كفضاء كامل يحمي به أبطاله من التهميش لا يُكسب القارئ تعاطفا بقدر ما يعطيه عناصر لتوظيف تساؤلاته وتتبع أثر المراحل المعاصر بتفاصيلها وتأثيرها على الحياة.
فقد حاول السقا أن يحمي أبطاله من سوء التقدير وظن القارئ وحاصر دوافع التحوّل البشري تلك التي تفقده الأمان وتفاصيل الانتماء ليتحول الأفراد من عناصر هامشية في مجتمعات ظالمة إلى أشباح تغرس مخالبها في المجهول لتروّضه بفكرة البقاء والانتقال إلى السجن الذي حمل أنواع التعذيب والمظالم الأخرى تقع بين دناءة الخارج وانعكاسها في الداخل «حزام البؤس»، ذلك الذي انتقل بالقارئ معه إلى عتمات لأعين عمياء ليمضي بين التعاطف والتحامل والغضب بملاحقة الأبطال نحو مصيرهم الصاعد بهم إلى النهار إلى التوحّش إلى التصادم مع الضوء والنور إلى نهوض الوحش الساكن إلى حركته اللعينة في مجتمعات التمرّد اللامجدي الصعود إلى النهار هو تحوّل الهدوء إلى نور ظالم فوق الظلم السحيق لظلام باق لتصادم جديد في العلن بين التوحّش والوحوش في نهار تتواجه فيه كل أنواع الوحوش.
تبدو بيروت مدينة حديثة تهمّش الفقراء وتفتح حضنها للأغنياء كما يقول «بيروت باتت جهنّم، لن يثور فيها فقير لأنّه مشغول بتقليد الأغنياء…. أصبحت بيروت غابة واسعة صرنا ذئابًا نحن والكلاب…أكل الأحياء أمواتهم..مدينة تعجّ بالكذب وتتغذّى منه.»
بيروت الكابوس بيروت الحلم..مرايا الاغتراب والتوحش
«بيروت.. مدينة لم تعد تتّسع للفقراء، فيها أحزمة بؤس تعيش على الهامش، وتواجه مصيرها واحتياجاتها بلا أدنى اهتمام من أيّ مسؤول، و‘دريمز أند بيوند‘هي المدينة الخياليّة التي تستجدّ في قلب بيروت لينعم بها فقط من يملكون ثروات ماليّة، ولكنّها فعليًّا ليست خياليّة كثيرًا! بل هي موجودة في معظم دول العالم، من أميركا، حتّى أوروبا، حتّى بلادنا العربيّة، بحيث يختلف فيها نمط الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والماليّة والصحّيّة، ويُصبح ما هو قديم عبارة عن أحزمة، وهذه المدن الحديثة هي مدن مسيّجة ومحميّة، والناس خارجها متروكون لمصيرهم الأسود. أناس متروكون كي يأكل بعضهم البعض.»
بين تفاصيل السرد التي نسجها السقا وبين الشخصيات والطوارئ التصعيدية التي حبكها تعيش الشخصيات صراعها مع المؤلف وتتمرّد عليه حتى تثبّته لدرجة الصمت أو الفراغ في عتمة الواقع واستبداده فلا يجب تبريرا ولا ينظر أملا، لا هربا ولا استسلام ولكن تفاصيل توقع الواقع في سريالية من تبصرات جديدة بين الكابوس والحلم، هواجس وتوجسات وحيرة وقلق لا تكتفي بالشخصيات والمؤلف بل تقفز فزعا نحو القارئ الل ضحية والقلق استنفار الزوايا في مدن التيه تلك الهواجس التي تعلي صوت الخوف والفزع والبحث عن التستّر بليل العتمات بعيدا عن نهار موحش بالتوحّش.
إن ما حاول علي السقا تفصيله في روايته الصعود الى النهار نابع من وجوده في المدينة وانعكاس رؤيوي لما بعد الصورة في تفاصيلها، كانت الصورة تبدو ناعمة عند استذكار «بيروت» حتى طرح سؤاله ضمنيا ماذا بعد بيروت الجمال والفن ماذا بعد وقع الاسم على الذاكرة وهذا الطرح بشكل غير مباشر جمعه بتجارب عربية وعالمية، قدّمت المدن كرمز للصراع، صراع الانسان مع ذاته، وجوده، لأن الكاتب المعاصر لم يعد يسرد الشوارع والبنايات والتقدّم بل يرصد الآثار النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية النابعة من صخب المدن على الكائن الهشّ الذي حاول أن ينتشل ذاته من هوامشها في ظل رمالها المتحرّكة التي تبتلع الحواس وتستدرج المادة إلى سطوح الحياة.
هنا نستذكر رواية «بيروت 75» لغادة السمان عندما رصدت فيها مصائد الأحلام التي أذابت شخصياتها الخمس في زحام الاستهلاك والركض خلف الاثبات لعمق الوجود في سطحية خانقة، ترصد الثبات في مدينة عكست التفاوت الطبقي الاستغلال وانهيار القيم والأقنعة، أو رواية «طشاري لانعام كجه جي» التي انتقدت المدن «بغداد» بين الذاكرة والمنفى من مدينة الى أطلال رمزية لإنسان يتصارع ويصارع بين خيارات البقاء والتوحش والرحيل الشتات والاغتراب والاقتلاع، كذلك رواية مترو 2033 لديمتري غلوكوفسكي التي قدمت موسكو ما بعد الانهيار وانعكست كذلك على انهيار الانسان وصراع الحياة بين الظلمة والضوء والتهميش، وثلاثية نيويورك لبول أوستر التي قدمت نيويورك كمتاهة تنعكس فيها مرايا الضياع الإنساني والوجودي بشكل متصاعد لا نهائي بلا منافذ.




