
الهوية الهجينة وصراعات الانتماء في رواية ثلاثية أنجمينا للكاتب التشادي روزي جدّي
عادل ضرغام
في روايته (ثلاثية أنجمينا) يواصل الكاتب التشادي روزي جدّي مشروعه الروائي شديد الخصوصية، حول المكان والهوية، فمنجزه الروائي يرتبط بمكان محدد، يفتّش فيه عن التفتت الغالب على التكوين، وعن التناحر السياسي والمذهبي، وعن بقايا الوجود الاستعماري الذي لا يزال يطلّ في فكرة الوصاية والمسئولية عن المكان من خلال الوجود الفرنسي أو الوجود السويسري الذي يتجلّى واضحا في آمال الناس وإحباطاتهم وتعالقاتهم الذاتية في أمان واضحة بالرحيل، والبحث عن مأوى خروجا من هذا المأزق الوجودي.
يمكن أن نعدّ هذه الرواية باطمئنان رواية مدينة أو مكان في محاولة الوقوف على تاريخها، وهويتها الهجينة بفعل الاستعمار، فحركة الأبطال أو الشخصيات تجاه فرنسا حركة يشوبها الكثير من الغموض والتناقض، فنراها شخصيات تحبّ المستعمر وتكرهه وتقلّده، وتسير على خطاه، وهي تشتمة وتنال منه. هي رواية عن جرح الصراعات المنفتحة كأنها قدر لا فكاك منه، لا تهدأ حتى تشتعل من جديد، فتاريخ المدينة يكشف عن تجدد الصراع كل فترة زمنية.
تكشف الرواية عن فصائل جاهزة للتنافر والصراع، فهناك الصراع القبلي بين الشمال والجنوب، ويتحوّل في طيّاته إلى صراع ديني بين المسلمين والمسيحيين، وهناك الصراع السياسي بين الرئيس ومعارضيه، أو بين الرئيس وأبناء عائلته وأشقائه. تقف الرواية في سردها المتحرّك بين الآني والسابق إلى تواريخ دالة كاشفة عن هذا الصراع، فالخطط واحدة، ليشتعل وتتشكّل ملامحه، ليجعل البشر في هذا المكان لهم طبيعة خاصة في حياتهم تجاه مدينتهم، فهم موزعون بين الحب والنفور، بين الرغبة في الرحيل ومرض الحنين.
يحيلنا النص إلى هوية تتشكّل من الصراع والاختلاف متعدد المناحي، فليس هناك شخصية من الشخصيات لم تتأثر بهذه الحروب، فالمكان يساهم في تشكيل البشر، يحدث القتل فيه لأتفه الأسباب. لا تقف الرواية عند حادثة الحرب الأخيرة بين الحاكم وأخيه، أو عند الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، لكنها معنية باستقصاء التاريخ الممتد إلى سنوات وعقود سابقة، وكأنها تحاول الإشارة إلى التكرار الدوري للأحداث، وفي كل ذلك تأتي الرواية كاشفة عن محاولة جادة لتفسير المآلات الأخيرة، من خلال بناء النماذج الدالة مع كل توجّه أو فصيل دون أن يشعر القارئ بالقصدية أو التعمد، بل تتكوّن الرموز والنماذج بهدوء دون جلبة، ولا تكفّ أثناء البناء عن تأمّل هذه النماذج ومساءلتها.
تلفت الرواية أنظارنا إلى صور الاستعمار الجديده وأثره، حتى بعد زواله، فالاستعمار- بعيدا عن وجوده الآني المغاير- يخلق شخصيات موزّعة في الهوية والتكوين بين الداخل والخارج، فهي شخصيات لا ترتكن إلى إطار حام وحيد تأنس إليه، وهذا جعل شخصيات كثيرة في النص الروائي تتعاقب وتتناسل فكريا، وهي محمّلة بقلق وجودي وخوف غير مبرر دائمين، هي أقرب إلى شهادة جيل خرج من المكان ولا يزال يصرّ بالرغم من الصعوبات على الانتماء والحنين إليه. الرواية بناء فني لقراءة التاريخ ومعاينة النتائج.
الرواية بها- فوق كل الجزئيات المرتبطة بالمكان والاستعمار والصراع والتناحر- جانب آخر يرتبط بتسجيل حركة الوعي بالمكان والزمن، خاصة حين نجيد الإصغاء إلى الأصوات التي يخلقها، ويقدمها السارد المشارك في النص. يوجهنا النص إلى طفولة الجيل التي مارست تأثيرا كبيرا في حركة الشخصيات، وإلى تحوّلات الوعي المتراكم إلى اللحظة الآنية، ولا يخلو النص- فوق كل ذلك- من جمل ومقولات معرفية تصوّر معاناة الإنسان الوجودية في ظل سياق يحتفي بالموت كما يحتفي بالحياة.
ثنائية الرحيل والبقاء
تعكف الرواية على المكان، وتشكّل نماذجه، وهي نماذج متعددة. يكشف تكوين كل نموذج عن خصوصية وتماه مع فكرة أو أيديولوجيا تتعلّق بالوطن قربا أو بعدا، رحيلا أو بقاء أو توزّعا بين الرحيل والعودة. في هذه الرواية محاولة للإمساك بمآلات أفراد الجيل الذين ينتهون جميعا بالموت، بوصفه نتيجة حتمية للرحلة والسعي، وفي ظل ذلك لا تنفض يديها من التاريخ القديم المملوء بالصراع، ومن الواقع الآني الذي لا يقلّ حدّة عن السابق.
هناك شخصيات كثيرة تشكّل نماذج دالة، منها (أبكر بركاي) الذي تدور الرواية حول عودته من باريس إلى أنجمينا، وتتشكّل خيوط السرد حول هذه العودة بما لها من تأثير على الأفراد وحركة السرد. وهناك (جنكيز) الراوي الذي يعرف كل شيء عن الجميع الحكايات والصفات، ويعرف- أيضا- ما يخبئه البعض منهم حين يتسلم منصة السرد، ويتعمد عدم الإشارة إلى الحوادث المؤثرة في حركته وتكوينه. بالإضافة إلى (سلمى) التشادية وصديقها (دمان مكاري)، و(مريومة)، و(إدريس ود كرل).
في النص الروائي شخصيات أخرى لا تقل أهمية عن الشخصيات السابقة، لكن وجودها يرتبط بسياقات أخرى، مثل (محمود بركاي) الذي يندرج في أفق تمثبل الشخصية الدينية التي تجهّز نفسها للصراع المتوقّع، و(عبّاس رماد) وهو شخصية تنفتح على الماركسية بكل عللها وأوهامها، والارتباط بالاتحاد السوفيتي، والحركة في إطار ذلك التكوين، بالإضافة إلى الأب- والد الراوي- وارتباطه بالمتمردين في لحظة سابقة، وأثر ذلك على تكوينه وسلوكه وحركته، وشخصيات أخرى بالغة الدلالة على المكان.
تقوم بنية الرواية على سرد أحادي يقوم به (جنكيز)، من خلال راو مشارك في الحدث، يحمل تاريخ المكان، فلديه وعي بالصراع الطويل الممتد، وطبيعة التكوين الخاصة بالسكان القائمة على التنافر والتدابر والصراع. لكن هذا السرد يحرّك بعض الشخصيات من سياق المسرود عنهم إلى سياق السارد الفعلي للنص، ولم يعط السرد هذا الحق إلا لشخصيات تشكل اتجاهات متباينة.
وقد أتاحت هذه الآلية مساحات من التعدد في تمرير شكل الارتباط بالمكان قربا أو بعدا، رفضا له أو انغماسا فيه، خاصة إذا أدركنا- من خلال تأمّل النهايات والمآلات- أن الموت ظلّ بعيدا عن من رحلوا على امتداد النص بداية من أم (إدريس ود كرل)، ووالده (الشيخ الكرلي) الصوفي الذي أهانه النظام الحاكم وقصّ قدسية صورته لدى مريديه، بالإضافة إلى كل من (سلمى) التشادية، وصديقها (دمان مكاوي).
النمط الأول في إطار هذه الفكرة يتشكّل في إطار القادمين إلى المكان، ولم يولدوا فيه، وإن كانوا تشاديين، ولم يتأثروا بالحنين إليه. وهذا التصوّر- مقارنة بالنمطين القادمين- يعطي للمكان هوية ما، ساعدت أسباب عديدة على تفتتها وهجنتها. فالنماذج الدالة على هذا النمط- انتمت إلى هذا الجيل أو لم تنتمِ- لم تكن جزءا أساسيا، مثل (سلمى) و(دمان مكاوي).
فقد أعطى السرد منصة السرد للتعبير بصوته الخاص لشخصية (دمان) من خلال تقديم رسائله إلى أخته التي تعمل بالمملكة السعودية. في هذه الرسائل تظهر علاقته بالمكان بعيدة عن الارتباط أو الحنين، لأسباب عديدة. وخطابه في كثير من الجزئيات خطاب لا يتباين مع خطاب السرد الأساسي، فهو مؤكد له، ويتحرّك في إطاره، فقط ينقل جزءا من حالة المكان وإحساسه به انطلاقا من وجهة نظره غير المقيّدة بالحنين أو ذكريات الطفولة ومرابع اللهو التي نجدها حاضرة لدى النمطين المقابلين.
هذا الصوت السردي ينقل الحالة كما رآها، فحين يقول (حينما أرى رجلا كبيرا أتساءل: كيف قاتل وصمد في مثل هذا المكان حتى وصل إلى هذا العمر؟) ندرك أننا أمام خطاب مجاور تأكيدي يتساوق- وإن كان لا يخلو من دهشة- مع الخطاب الأساسي، وتجذيره لفكرة الصراع متعدد الأطراف، كالصراع السياسي أو المذهبي، أو القبلي الديني بين الشمال والجنوب. ففي رسالته إلى شقيقته يشير إلى أن صاحبة البيت- بعد أن طرده عمّه من المنزل بسبب سكره والعودة المتأخرة إلى البيت- رفضت أن تؤجر بيتها لمسلم من الشمال.
في الخطاب السردي الأساسي وإن كان هناك تركيز على تصوير الخراب والتفتت والتناحر والقتل، فإن الخطابات الأخرى التي تتشكل بداخله خطابات فردية موازية تأتي بوصفها بؤرا كاشفة متجاوبة معه، وكأنها عزف على اللحن ذاته. لكن هناك إضافات يتيحها هذا الخطاب، منها أن هناك أوصافا تمثل وجهة نظره في الآخرين، ويقدمها بوصفها رؤية تتساوق مع حالة الصراع الواضحة في النص، مثل (إدريس) الزرافة، أو (جنكيز) البرميل.
لهذه الأصوات وظيفة قد تكون متوارية لا تظهر على السطح بشكل مباشر، لأنها تنبع من النظرة الإجمالية للخطاب بكل تنوّعاته وتشكلاته. فهذه الأصوات بتقديم رؤيتها تلمح إلى فصائل مكوّنة للنسيج البشري للمكان. فصوته يكشف عن الوجود مع غياب الانتماء. فهو على- حد تعبير النص السردي- في توصيف الراوي لرسائله يشتم البلاد أكثر مما يتحدث عن نفسه. فقد جاء بوصفه نموذجا للإشارة إلى هذا الفصيل والتعبير عنهم وعن وجهة نظرهم.
ويؤكد هذه المنحى في تلقي شخصية (دمان مكاوي) كونه قادما من المملكة السعودية ترحيلا بسبب سوء السلوك، فانتماؤه للبلد (أنجمينا) غير موجود. وقد كان ذلك سببا في ارتباطه بشخصية مشابهة له في الظروف، وتأخذ المنحى ذاته، وهي شخصية سلمى، حيث يوجد تشابه في الميلاد بعيدا عن المكان والقدوم إليه. فمن خلال مذكراتها- (مذكرات عاهرة- سلمى التشادية)- ندرك أن أمها باكستانية وأباها من تشاد، وقد واقعها خارج إطار الزواج، فهربت الأم بها من جدة إلى الطائف، وأرسلتها إلى أهلها في أنجمينا. يمثل كلاهما عدم الانتماء، وبذلك يمكن فهم رغبتهما في الرحيل الذي نجحا في الوصول إليه.
في مقابل النمط السابق، يوجد نمط آخر يتمثل في شخصية (إدريس ود كرل)، فقد قدّمت هذه الشخصية بعناية شديدة، بوصفها نموذجا مهما في النص الروائي، حيث يمثل شخصية المثقف بكل ألاعيبه ورؤيته وتناقضاته، وتوزّعه بين الإيمان والخروج منه للوصول إلى عتبات الإلحاد. له دراية واسعة بالأدب والترجمة والسياسة، ويستطيع من خلال تحليل الآني الوصول إلى توقّع القادم، بالإضافة إلى وعيه التام بالعلاقة بين الحاكم والرعية، وبالدعم الغربي للحاكم الذي يتجلّى بوصفه صورة من صور الاستعمار الجديد.
يمثل إدريس ود كرل شخصية التشادي الذي لا يستطيع أن يعيش خارج أنجمينا، بالرغم من الظلم الشديد الواقع عليه، وعدم وجود الوظيفة التي يقوم بها من الباطن، وهي وظيفة المترجم لكثير من الوزارات، وقد أتيحت له فرص عديدة للرحيل أكثر من مرة، بعد أن عرضت عليه سكرتيرة السفارة السويسرية (إلين شيلنغر) الرحيل معها أثناء الحرب الأهلية وبعدها، وقد رفضها، لأنه لا يزال مؤمنا بحلّ بعيدا عن السلطة الغاشمة، وعن دعوات الانفصال التي يطلقها، ويقوم بها بعض الجنوبيين
إن وجوده في النص الروائي بوصفه مثقفا مشاركا في الكتابة للمجلات، والظهور في المحطات التلفزيونية، جعله يتحرّك داخل دائرة أفراد هذا الجيل بوصفه زعيما، يستطيع أن يفسّر المستجدات، ودائما ما يتوجّه إليه الآخرون بالأسئلة. لكن هذا المنظّر الذي يمارس النبوءة السياسية يصبح ضحية من ضحايا الحرب الأهلية، وكأن الرواية تلمح إلى أن النجاة الفردية غير متاحة، وأن كل إنسان في أنجمينا يجب أن يطاله شيء منها، وأن المثقف يتحمّل جزءا من آثارها، لأنه لم يقدم سوى الأفكار لإيقافها.
النمط الثالث في مساحة الاقتراب أو الابتعاد عن المكان الوطن يتمثل في شخصية (أبكر بركاي)، فقد ولد بأنجمينا، وتربّى بها، وعاش طفولته، وحفظ أغانيها التي تشكّل هوية متخيلة للمطرب (أحمد بيكوس) الذي مات منفيا من السلطة خارج البلاد. رحل بعدها إلى فرنسا من خلال والده أحد معارضي الحكم بالخارج، يعيش منعّما في قصر كبير. جاءت عودته بعد تخرجه من جامعة باريس بفعل الحنين وقلق الهوية إلى مكان الولادة والمنشأ، وتسببت هذه العودة في فقده ساقيه في الحرب الأهلية، ثمّ انتحاره في مستشفى خاص بفرنسا، وهي ينصت إلى أغاني المطرب ذاته.
تبدو إشكاليته الأساسية في التوزّع بين فرنسا وأنجمينا، بين المنشأ والمأوى، فهو نتاج هوية هجينة، يقول النص للتعبير عن تبرير عودته إلى مدينته الأم (لست متأكدا فيما أنا مقبل عليه أهو رحيل أم عودة، أعتقد أن الوقت حان، لم يعد هناك ما يجعلني أنتظر، الاكتئاب بلغ أشدّه، وهذا المنعطف من أجل الشفاء أم إرواء الحنين، حنيني أنين نحو الأصل، إنني أعود إلى هناك حيث نبتّ).
ليس بعيدا عن نموذج أبكر بركاي نمط جنكيز، فسيرته كأنها استعادة للسيرة الأولى أو السير على شيء من حوافها، ربما للتمثل العميق- مع اختلاف السياقات- لرواية موسم الهجرة للشمال، ومساحات التشابه بين مصطفى سعيد والراوي للطيب صالح. بعد رحيل جنكيز مع صديقه المصاب إلى فرنسا، بدأ يشعر بالحنين إلى مرابع طفولته، وأم بنّة ومقهى داود الأعرج والحلبة الساخنة. يقول النص على لسانه بعد أن رأى القصر الذي كان يعيش فيه أبكر بركاي، ومحاولته البحث عن سبب مقنع لعودته إلى أنجمينا (لم أجد غير الحنين، يجعلني أفكر في غرفتي وعناكبها، رغم أنني أقضي ليلتي في قصر وسط باريس).
لا يكتفي النص بإسدال هذه المشابهة بينهما، بل يعمل على تأسيس ارتباط خاص، فكلاهما شديد الازدواجية في طبيعة النظرة إلى فرنسا، فالنظرة موزّعة بين الانبهار والثقة بالذات وما تملك من خصوصية ثقافية، وبين الحب والكراهية. وفي تبرير الحنين يتحرّك النص خطوة أخرى تشير إلى تشابه الأعراض التي عاني منها الاثنان، فهناك شعور دائم وداهم بالثقل في الصدر لا يستطيع أحد تفسيره.
الهوية الهجينة وتعدد الانتماء
ثمة إشارات في النص الروائي تشير إلى أن هناك نظرة خاصة من كثير من الشخصيات تضع (فرنسا) بوصفها المتخيل النموذجي للنجاة. وهذه النظرة يمكن أن نجد لها صدى واضحا في ذهن بعض الشخصيات، منها شخصيات لم تتسلّم منصة السرد، وربما تكون غير واعية بالصراع الحادث داخل الشخصيات التي تحتل دورا كبير داخل السرد، لكنها تكشف عن ذلك دون قصدية، وفي بعض المواقف التي لا تكشف عن صراع.
الشيخ رماد- العضو بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ووالد عباس رماد الذي يعمل بالسلطة القضائية- يرى أن ابنه لم يصل إلى منصب كبير في الدولة، لأنه تعلّم العربية، ولم يتعلّم الفرنسية، وحين سافر إلى روسيا، لم تخوّل له وجودا فارقا. وقد أصبح- في منطق السارد الفعلي للنص- من وكلاء الثقافة الروسية، يقول النص على لسان السارد في طريقهما إلى القرية لحظة الحرب الأهلية (لطالما بدا لي شخصية بلا ملامح، يشبه أي شخص من هذه البلاد، رغم أنه مثقف ومتحمس لروسيا)، ويقول في ذات الصفحة كاشفا عن هذا الارتباط (الموسيقى الروسية واصلت التدفق).
ونزوع يوسف لمين- عم السارد، بعد استولى على أموال والده بعد وفاته، وإخفاء الخبر عن أخيه عثمان والد السارد أثناء دراسته في مصر- نزوع كاشف عن الصورة النموذجية المتخيلة لها في ذهن التشاديين. وهناك شخصية أخرى هامشية جاء ذكرها عرضا مرتين على لسان السارد، إحداهما من خلال الرسائل المتبادلة بينهما أثناء رعايته لصديقه (بركاي) في فرنسا، وهي رسائل قد تكون أكثر دلالة على هذا المتخيل الجميل. وهي شخصية (الشين) السكّير.
ولأن الرسالة بالغة الدلالة على هذا الهاجس داخل الشخصيات المحورية في السرد، مثل (أبكر بركاي) و(جنكيز)، أو حتى مع الشخصيات التي لم تحتل جزءا كبيرا في السرد، مثل (عزّ الطلب) خطيبة جنكيز، وابنة عمته (الروضة)، نورد نصها الذي يقول (لا تعد أبدا إلى أنجمينا، لقد حصلت على فرصة، وأنقذت نفسك، لا تعد إلى هنا أبدا، الحرب ما زالت قائمة، ولن تنتهي أبدا، ابق حيث أنت، واعمل جاهدا على ان تلحقنا بك، ونعيش في باريس). فقد تحوّلت الإقامة في فرنسا إلى أداة للتفاخر، كما يتجلّى أيضا في الرسائل المتبادلة بين (الشين) وشخص آخر يقيم في باريس اسمه (موسى سيس).
توجهنا الرواية في ظلّ هذه الصورة النموذجية المتخيلة للمهرب أو المأوى إلى حالة من حالات التعدد الهوياتي. ففي بلاد الكلّ يخاف الكل، أو يخافون من الشخص الذي لا يعرفونه، أو يرفضك البعض، لأنك من قبيلة أخرى، يتجلّى التعدد في فصائل الصراع، فمكونات السكان- في منطق النص الروائي- العرب وهم أحفاد العبّاس بن عبدالمطلب، والماسا من الجنوب، وقبائل الكاتوري والهوسا. بالإضافة إلى أن هناك تعددا دينيا بين المسيحية والإسلام وديانات أخرى. بل هناك تعدد مذهبي داخل الدين الإسلامي يظهر في بعض فقرات النص. فقد كان والد السارد يغض الطرف عن انتماء زوجته إلى جماعة أنصار السنة، ويشعرها بعدم الانتباه لهذا الأمر.
خصوصية المكان تتشكّل من البشر، ومن وسلوكهم وفق انتماءاتهم العديددة، وهذا جزء أو أحد أسباب الصراع الذي لا يهدأ. فهناك هوية تتشكل للمكان من الصراع والاختلاف، فليس هناك شخص في هذه المدينة كبيرا كان أو صغيرا لم يتأثر بالحرب، فهي المكان الذي يقتل فيه الناس لأتفه الأسباب. فالانتماءات قد تكون قبلية أو مكانية بين الشمال والجنوب، أو دينية بين الإسلام والمسيحية.
وربما تكون مقولة إدريس ود كرل المثقف كاشفة عن الفشل أمام محاولات رأب الصدع الحادث الذي يعود إلى تقسيمات بعيدة في الماضي الموغل في القدم. فحين طلب منه أستاذه: لماذا لا تكتب عن هموم الوطن. أجاب بقوله (ماذا اقول عن مكان لا ترحمه الشمس ولا الغبار؟ ما الذي جمع كل هذه الأشكال على هذه الرقعة ساميين وحاميين وأحفاد يافث؟ جميعهم اجتمعوا في رقعة بلا هوية، وبلا تاريخ موحد. كل يختلق الأساطير وينسبها إلى قبيلة دون الأخرى. عنصريون حتى يقول شقيق لشقيقه أنت أكثر سوادا مني).
في إطار مقولة المثقف السابقة يمكن أن نعاين سلوك الفصائل المكوّنة لسكّان أنجمينا، ومراقبة التهوّر الحادث في القتل على الرائحة أثناء الحرب الأهلية، سواء في قتل (إدريس ود كرل)، أو قتل (جراسيم) بعد عودته من فرنسا، حتى بعد أن أقسم لهم أنه أعلن إسلامه من فترة طويلة. ويمكن أيضا أن نراقب اعتزاز كثيرين منهم بهذا الانتماء. نجد هذا الاعتزاز بالأصل العربي المسلم المتمركز في الشمال لدى (الروضة) عمّة السارد، ولدى السارد جنكيز نفسه، ونراه- أيضا وإن كان متواريا- لدى إدريس ود كريل.
إن الاعتزاز بحد ذاته لا يمثل إشكالية طالما لا يؤثر على رؤية الآخر المغاير، أو يغمطه حقوقه، ولكن إشكالية الصراع تأتي وتتشكل وتأخذ بعدا آخر إذا كان هناك استعداد وتدريب وانتظار للحظة التي تشتعل فيها حدّة الصراع. ويمثل (محمود بركاي) الطالب بكلية الشريعة بجامعة الملك فيصل الشخصية النموذجية لهذا الاتجاه. فقد كوّن جماعة الدعوة مع زملائه، يقرؤون القرآن ويشرحون الأحاديث في اللقطة الأولى لهم في حركتهم. قد يتفرع عنها لقطات جانبية تتعلّق بدعوة شبّان مسيحيين إلى الإسلام، ويعمل بكل الطرق للدفاع عنهم.
لكنّ هناك أمورا أخرى مرّ بها، جعلت حركته لا تقف عند حدود تلك اللقطة السابقة، فقد عانى أثناء تدريبه في مدرسة القضاة من الظلم والعنت والإساءة إلى دينه ما جعله يأخذ طريقا أخرى. فقد بدأ يذهب ورفاقه إلى المزرعة للتدريب على الزجاجات والقوارير، حتى يكونوا مستعدين لحظة الدفاع عن النفس، فقد اعتبر أن سبب ما جرى له من ظلم في المعسكر مرتبط بالماسونية، وأن الجنوبيين يريدون إنهاء الديانة الإسلامية.
إذا كان الصراع قائما على الصراع القبلي أو الديني أو المذهبي، أو بسبب سطوة الحاكم الذي يعرّض الآلاف للقتل للحفاظ على سلطته، فإن الرواية لم تغفل الأثر الاستعماري في إشعال هذا الصراع، ومن ثمّ تأجيج إشكاليات الشخصيات الموزّعة بين هويتين فرنسية وتشادية. لا تغيّب الرواية الأثر الاستعماري، بل تلحّ من خلال الحكايات المصاحبة التي تأتي عرضا في السرد إلى النظرة العنصرية، وتشكيل نوع من التراتب داخل أنجمينا وخارجها.
لقد توقّف النص الروائي من خلال حكاية مصاحبة للنص- وهي حكاية أو مذبحة شاسليه 1940- ترتبط بطريقة التعامل مع قوات الأفارقة التي حاربت بجوار الفرنسيين، حيث فرّق النازيون بين الجنود والضباط الفرنسيين والأفارقة، فقد حافظوا على حياة الفرنسيين وأعدموا الأفارقة، ولم يعترض على هذا السلوك المشين، سوى (موسى بارتشيريه)، وتم تعذيبه بقسوة، وأعادوه بعدها إلى أنجمينا.
ألمحت الرواية إلى أثر المستعمِر، لأنه عمل على تقسيم وتقطيع أواصر النسيج الاجتماعي، وعمل أيضا على إشعال الصراعات القبلية. وألمحت أيضا إلى فكرة العنصرية، وتكديس التراتب، والنزوع نحو تقليد المستعمر والنفور منه في الآن ذاته. وذلك من خلال توليد إشكاليات متعلقة بشخصية (أبكر بركاي)، والتجهيز لها بشكل أو بآخر مع شخصية (جنكيز). فقد أقلق هدوء انتماء الأول إلى فرنسا النظرة المرتبطة بالأعراق والأصل والجذور والعنصرية.
لقد كان للشخصية الأساسية وجود هادئ داخل هويته وانتمائه الفرنسي، لكن بسبب طبيعة النظرة إلى الأفريقي، حدث الفراق بينه وبين فتاته الفرنسية (كارلا) التي كانت تنتمي- أو قريبة- من الحركة الوطنية بفرنسا، حيث ترى هذه الحركة أن الانتماء أو الارتباط بالزواج من عرق مغاير تلويث للأصل، ومحوّ للإرث العرقي الفرنسي.
إن الحنين أو التوزّع بين الهوية الفرنسية هوية المأوى، والهوية التشادية هوية الميلاد والأصل والوطن الأم، لم ينشأ إلا على حواف تلك النظرة، بل ونتيجة للفقد الذي أيقظ أسئلة الانتماء، وجعلها تخايل الذات مع ذكريات الطفولة والنشاة الأولى متوحّدة مع نص أغاني المطرب (أحمد بيكوس) الذي تشكّل أغانيه أفضل تجلّ للهوية التشادية بصخبها العالي وتناحر أطرافها. وهو مطرب الأغنية التي قفز(بركاي) من نافذة المستشفى منتحرا وهو ينصت إليها، بما تمثله من ذكريات قديمة، وبما تشكّله من قلق وشرخ دائمين في الهوية.
وشخصية (جنكيز) ليست بعيدة عن هذا السياق، في إحساسه بقلق الهوية والتوزّع إلى جانبين، فهناك وصية (الشين) بعدم العودة، وهناك وصية والده بالعودة، لأن ابنة عمّته في انتظاره. ولكن الأمر في النص الروائي يتجلّى في إطار أكثر تعقيدا، خاصة بعد أن حاول استعادة سيرة صديقه، والبحث عن مبررات لنزوعه، وتفسيرات لعودته السابقة إلى أنجمينا. فقد بدأ السير على خطاه، وكأنهما ذات واحدة، سبق جزء منها إلى الموت بفعل هذه الأسئلة الوجودية القلقة، وتبقّى جزء آخر، بدأت هذه الأسئلة في مناوشته ومصاحبته طويلا أثناء سيره وتجواله في فرنسا.
أولى الأسئلة التي تلح عليه هي أسئلة خاصة بالتراتب والمقارنة بين تشاد والغرب بشكل عام، أسئلة قد تحمل تقليلا من قيمة الذات، وإنقاصا من خصوصية ثقافتها، يقول النص (في أوربا ينتابك إحساس غريب، يضعف من إحساسك بذاتك. تفكّر أحيانا بأن هؤلاء ليسوا مثلنا، تقول إنهم ليسوا من الطينة نفسها التي خلقنا الله منها).
تمثل رواية (ثلاثية أنجمينا) محاولة جديدة لتأسيس بناء خاص، لا يملّ من طرح الأسئلة المعقّدة حول الذات والوطن والهوية والمأوى. وهي أسئلة لا تخلو من مواجهة حقيقية لكل الإشكاليات أو العلل التي تعانيها أية دولة فقدت اتصالها الطبيعي وتصالحها مع تاريخها، حيث يلحّ دائما في سلوك أبنائها والمنتمين إليها قلق في نسيج التكوين والهوية.




