ثقافة وفن

الهوية الهجينة وصراعات الانتماء في رواية ثلاثية أنجمينا للكاتب التشادي روزي جدّي

عادل‭ ‬ضرغام

في‭ ‬روايته‭ (‬ثلاثية‭ ‬أنجمينا‭) ‬يواصل‭ ‬الكاتب‭ ‬التشادي‭ ‬روزي‭ ‬جدّي‭ ‬مشروعه‭ ‬الروائي‭ ‬شديد‭ ‬الخصوصية،‭ ‬حول‭ ‬المكان‭ ‬والهوية،‭ ‬فمنجزه‭ ‬الروائي‭ ‬يرتبط‭ ‬بمكان‭ ‬محدد،‭ ‬يفتّش‭ ‬فيه‭ ‬عن‭ ‬التفتت‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬التكوين،‭ ‬وعن‭ ‬التناحر‭ ‬السياسي‭ ‬والمذهبي،‭ ‬وعن‭ ‬بقايا‭ ‬الوجود‭ ‬الاستعماري‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يطلّ‭ ‬في‭ ‬فكرة‭ ‬الوصاية‭ ‬والمسئولية‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوجود‭ ‬الفرنسي‭ ‬أو‭ ‬الوجود‭ ‬السويسري‭ ‬الذي‭ ‬يتجلّى‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬آمال‭ ‬الناس‭ ‬وإحباطاتهم‭ ‬وتعالقاتهم‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬أمان‭ ‬واضحة‭ ‬بالرحيل،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬مأوى‭ ‬خروجا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المأزق‭ ‬الوجودي‭.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعدّ‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬باطمئنان‭ ‬رواية‭ ‬مدينة‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬تاريخها،‭ ‬وهويتها‭ ‬الهجينة‭ ‬بفعل‭ ‬الاستعمار،‭ ‬فحركة‭ ‬الأبطال‭ ‬أو‭ ‬الشخصيات‭ ‬تجاه‭ ‬فرنسا‭ ‬حركة‭ ‬يشوبها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬والتناقض،‭ ‬فنراها‭ ‬شخصيات‭ ‬تحبّ‭ ‬المستعمر‭ ‬وتكرهه‭ ‬وتقلّده،‭ ‬وتسير‭ ‬على‭ ‬خطاه،‭ ‬وهي‭ ‬تشتمة‭ ‬وتنال‭ ‬منه‭. ‬هي‭ ‬رواية‭ ‬عن‭ ‬جرح‭ ‬الصراعات‭ ‬المنفتحة‭ ‬كأنها‭ ‬قدر‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه،‭ ‬لا‭ ‬تهدأ‭ ‬حتى‭ ‬تشتعل‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فتاريخ‭ ‬المدينة‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تجدد‭ ‬الصراع‭ ‬كل‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭.‬

تكشف‭ ‬الرواية‭ ‬عن‭ ‬فصائل‭ ‬جاهزة‭ ‬للتنافر‭ ‬والصراع،‭ ‬فهناك‭ ‬الصراع‭ ‬القبلي‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬في‭ ‬طيّاته‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬ديني‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين،‭ ‬وهناك‭ ‬الصراع‭ ‬السياسي‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬ومعارضيه،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬وأبناء‭ ‬عائلته‭ ‬وأشقائه‭. ‬تقف‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬سردها‭ ‬المتحرّك‭ ‬بين‭ ‬الآني‭ ‬والسابق‭ ‬إلى‭ ‬تواريخ‭ ‬دالة‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬فالخطط‭ ‬واحدة،‭ ‬ليشتعل‭ ‬وتتشكّل‭ ‬ملامحه،‭ ‬ليجعل‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬لهم‭ ‬طبيعة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬تجاه‭ ‬مدينتهم،‭ ‬فهم‭ ‬موزعون‭ ‬بين‭ ‬الحب‭ ‬والنفور،‭ ‬بين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الرحيل‭ ‬ومرض‭ ‬الحنين‭.‬

يحيلنا‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬تتشكّل‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬والاختلاف‭ ‬متعدد‭ ‬المناحي،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬شخصية‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬لم‭ ‬تتأثر‭ ‬بهذه‭ ‬الحروب،‭ ‬فالمكان‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬البشر،‭ ‬يحدث‭ ‬القتل‭ ‬فيه‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب‭. ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬الرواية‭ ‬عند‭ ‬حادثة‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬الحاكم‭ ‬وأخيه،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬لكنها‭ ‬معنية‭ ‬باستقصاء‭ ‬التاريخ‭ ‬الممتد‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬وعقود‭ ‬سابقة،‭ ‬وكأنها‭ ‬تحاول‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬التكرار‭ ‬الدوري‭ ‬للأحداث،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تأتي‭ ‬الرواية‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬محاولة‭ ‬جادة‭ ‬لتفسير‭ ‬المآلات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬النماذج‭ ‬الدالة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬توجّه‭ ‬أو‭ ‬فصيل‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬القارئ‭ ‬بالقصدية‭ ‬أو‭ ‬التعمد،‭ ‬بل‭ ‬تتكوّن‭ ‬الرموز‭ ‬والنماذج‭ ‬بهدوء‭ ‬دون‭ ‬جلبة،‭ ‬ولا‭ ‬تكفّ‭ ‬أثناء‭ ‬البناء‭ ‬عن‭ ‬تأمّل‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬ومساءلتها‭.‬

تلفت‭ ‬الرواية‭ ‬أنظارنا‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديده‭ ‬وأثره،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬زواله،‭ ‬فالاستعمار‭- ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬وجوده‭ ‬الآني‭ ‬المغاير‭- ‬يخلق‭ ‬شخصيات‭ ‬موزّعة‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬والتكوين‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج،‭ ‬فهي‭ ‬شخصيات‭ ‬لا‭ ‬ترتكن‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬حام‭ ‬وحيد‭ ‬تأنس‭ ‬إليه،‭ ‬وهذا‭ ‬جعل‭ ‬شخصيات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬تتعاقب‭ ‬وتتناسل‭ ‬فكريا،‭ ‬وهي‭ ‬محمّلة‭ ‬بقلق‭ ‬وجودي‭ ‬وخوف‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬دائمين،‭ ‬هي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬جيل‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يصرّ‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬والحنين‭ ‬إليه‭. ‬الرواية‭ ‬بناء‭ ‬فني‭ ‬لقراءة‭ ‬التاريخ‭ ‬ومعاينة‭ ‬النتائج‭.‬

الرواية‭ ‬بها‭- ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬الجزئيات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمكان‭ ‬والاستعمار‭ ‬والصراع‭ ‬والتناحر‭- ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬يرتبط‭ ‬بتسجيل‭ ‬حركة‭ ‬الوعي‭ ‬بالمكان‭ ‬والزمن،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬نجيد‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬يخلقها،‭ ‬ويقدمها‭ ‬السارد‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬النص‭. ‬يوجهنا‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬طفولة‭ ‬الجيل‭ ‬التي‭ ‬مارست‭ ‬تأثيرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الشخصيات،‭ ‬وإلى‭ ‬تحوّلات‭ ‬الوعي‭ ‬المتراكم‭ ‬إلى‭ ‬اللحظة‭ ‬الآنية،‭ ‬ولا‭ ‬يخلو‭ ‬النص‭- ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭- ‬من‭ ‬جمل‭ ‬ومقولات‭ ‬معرفية‭ ‬تصوّر‭ ‬معاناة‭ ‬الإنسان‭ ‬الوجودية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياق‭ ‬يحتفي‭ ‬بالموت‭ ‬كما‭ ‬يحتفي‭ ‬بالحياة‭.‬

ثنائية‭ ‬الرحيل‭ ‬والبقاء

تعكف‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬المكان،‭ ‬وتشكّل‭ ‬نماذجه،‭ ‬وهي‭ ‬نماذج‭ ‬متعددة‭. ‬يكشف‭ ‬تكوين‭ ‬كل‭ ‬نموذج‭ ‬عن‭ ‬خصوصية‭ ‬وتماه‭ ‬مع‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالوطن‭ ‬قربا‭ ‬أو‭ ‬بعدا،‭ ‬رحيلا‭ ‬أو‭ ‬بقاء‭ ‬أو‭ ‬توزّعا‭ ‬بين‭ ‬الرحيل‭ ‬والعودة‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬محاولة‭ ‬للإمساك‭ ‬بمآلات‭ ‬أفراد‭ ‬الجيل‭ ‬الذين‭ ‬ينتهون‭ ‬جميعا‭ ‬بالموت،‭ ‬بوصفه‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬للرحلة‭ ‬والسعي،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تنفض‭ ‬يديها‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم‭ ‬المملوء‭ ‬بالصراع،‭ ‬ومن‭ ‬الواقع‭ ‬الآني‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقلّ‭ ‬حدّة‭ ‬عن‭ ‬السابق‭.‬

هناك‭ ‬شخصيات‭ ‬كثيرة‭ ‬تشكّل‭ ‬نماذج‭ ‬دالة،‭ ‬منها‭ (‬أبكر‭ ‬بركاي‭) ‬الذي‭ ‬تدور‭ ‬الرواية‭ ‬حول‭ ‬عودته‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬إلى‭ ‬أنجمينا،‭ ‬وتتشكّل‭ ‬خيوط‭ ‬السرد‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬بما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬وحركة‭ ‬السرد‭. ‬وهناك‭ (‬جنكيز‭) ‬الراوي‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬الجميع‭ ‬الحكايات‭ ‬والصفات،‭ ‬ويعرف‭- ‬أيضا‭- ‬ما‭ ‬يخبئه‭ ‬البعض‭ ‬منهم‭ ‬حين‭ ‬يتسلم‭ ‬منصة‭ ‬السرد،‭ ‬ويتعمد‭ ‬عدم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الحوادث‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬حركته‭ ‬وتكوينه‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ (‬سلمى‭) ‬التشادية‭ ‬وصديقها‭ (‬دمان‭ ‬مكاري‭)‬،‭ ‬و‭(‬مريومة‭)‬،‭ ‬و‭(‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭).‬

في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬شخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الشخصيات‭ ‬السابقة،‭ ‬لكن‭ ‬وجودها‭ ‬يرتبط‭ ‬بسياقات‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ (‬محمود‭ ‬بركاي‭) ‬الذي‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬تمثبل‭ ‬الشخصية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تجهّز‭ ‬نفسها‭ ‬للصراع‭ ‬المتوقّع،‭ ‬و‭(‬عبّاس‭ ‬رماد‭) ‬وهو‭ ‬شخصية‭ ‬تنفتح‭ ‬على‭ ‬الماركسية‭ ‬بكل‭ ‬عللها‭ ‬وأوهامها،‭ ‬والارتباط‭ ‬بالاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬والحركة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ذلك‭ ‬التكوين،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأب‭- ‬والد‭ ‬الراوي‭- ‬وارتباطه‭ ‬بالمتمردين‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬سابقة،‭ ‬وأثر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬تكوينه‭ ‬وسلوكه‭ ‬وحركته،‭ ‬وشخصيات‭ ‬أخرى‭ ‬بالغة‭ ‬الدلالة‭ ‬على‭ ‬المكان‭.‬

تقوم‭ ‬بنية‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬سرد‭ ‬أحادي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ (‬جنكيز‭)‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬راو‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬الحدث،‭ ‬يحمل‭ ‬تاريخ‭ ‬المكان،‭ ‬فلديه‭ ‬وعي‭ ‬بالصراع‭ ‬الطويل‭ ‬الممتد،‭ ‬وطبيعة‭ ‬التكوين‭ ‬الخاصة‭ ‬بالسكان‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التنافر‭ ‬والتدابر‭ ‬والصراع‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬يحرّك‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬من‭ ‬سياق‭ ‬المسرود‭ ‬عنهم‭ ‬إلى‭ ‬سياق‭ ‬السارد‭ ‬الفعلي‭ ‬للنص،‭ ‬ولم‭ ‬يعط‭ ‬السرد‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬إلا‭ ‬لشخصيات‭ ‬تشكل‭ ‬اتجاهات‭ ‬متباينة‭.‬

وقد‭ ‬أتاحت‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬مساحات‭ ‬من‭ ‬التعدد‭ ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬شكل‭ ‬الارتباط‭ ‬بالمكان‭ ‬قربا‭ ‬أو‭ ‬بعدا،‭ ‬رفضا‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬انغماسا‭ ‬فيه،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬أدركنا‭- ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تأمّل‭ ‬النهايات‭ ‬والمآلات‭- ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬ظلّ‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬رحلوا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬النص‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬أم‭ (‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭)‬،‭ ‬ووالده‭ (‬الشيخ‭ ‬الكرلي‭) ‬الصوفي‭ ‬الذي‭ ‬أهانه‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭ ‬وقصّ‭ ‬قدسية‭ ‬صورته‭ ‬لدى‭ ‬مريديه،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ (‬سلمى‭) ‬التشادية،‭ ‬وصديقها‭ (‬دمان‭ ‬مكاوي‭).‬

النمط‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬يتشكّل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القادمين‭ ‬إلى‭ ‬المكان،‭ ‬ولم‭ ‬يولدوا‭ ‬فيه،‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬تشاديين،‭ ‬ولم‭ ‬يتأثروا‭ ‬بالحنين‭ ‬إليه‭. ‬وهذا‭ ‬التصوّر‭- ‬مقارنة‭ ‬بالنمطين‭ ‬القادمين‭- ‬يعطي‭ ‬للمكان‭ ‬هوية‭ ‬ما،‭ ‬ساعدت‭ ‬أسباب‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬تفتتها‭ ‬وهجنتها‭. ‬فالنماذج‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭- ‬انتمت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬تنتمِ‭- ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جزءا‭ ‬أساسيا،‭ ‬مثل‭ (‬سلمى‭) ‬و‭(‬دمان‭ ‬مكاوي‭).‬

فقد‭ ‬أعطى‭ ‬السرد‭ ‬منصة‭ ‬السرد‭ ‬للتعبير‭ ‬بصوته‭ ‬الخاص‭ ‬لشخصية‭ (‬دمان‭) ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬رسائله‭ ‬إلى‭ ‬أخته‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالمملكة‭ ‬السعودية‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرسائل‭ ‬تظهر‭ ‬علاقته‭ ‬بالمكان‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬أو‭ ‬الحنين،‭ ‬لأسباب‭ ‬عديدة‭. ‬وخطابه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجزئيات‭ ‬خطاب‭ ‬لا‭ ‬يتباين‭ ‬مع‭ ‬خطاب‭ ‬السرد‭ ‬الأساسي،‭ ‬فهو‭ ‬مؤكد‭ ‬له،‭ ‬ويتحرّك‭ ‬في‭ ‬إطاره،‭ ‬فقط‭ ‬ينقل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬المكان‭ ‬وإحساسه‭ ‬به‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬غير‭ ‬المقيّدة‭ ‬بالحنين‭ ‬أو‭ ‬ذكريات‭ ‬الطفولة‭ ‬ومرابع‭ ‬اللهو‭ ‬التي‭ ‬نجدها‭ ‬حاضرة‭ ‬لدى‭ ‬النمطين‭ ‬المقابلين‭.‬

هذا‭ ‬الصوت‭ ‬السردي‭ ‬ينقل‭ ‬الحالة‭ ‬كما‭ ‬رآها،‭ ‬فحين‭ ‬يقول‭ (‬حينما‭ ‬أرى‭ ‬رجلا‭ ‬كبيرا‭ ‬أتساءل‭: ‬كيف‭ ‬قاتل‭ ‬وصمد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬العمر؟‭) ‬ندرك‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬خطاب‭ ‬مجاور‭ ‬تأكيدي‭ ‬يتساوق‭- ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬دهشة‭- ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬الأساسي،‭ ‬وتجذيره‭ ‬لفكرة‭ ‬الصراع‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬كالصراع‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬المذهبي،‭ ‬أو‭ ‬القبلي‭ ‬الديني‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب‭. ‬ففي‭ ‬رسالته‭ ‬إلى‭ ‬شقيقته‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صاحبة‭ ‬البيت‭- ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬طرده‭ ‬عمّه‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬بسبب‭ ‬سكره‭ ‬والعودة‭ ‬المتأخرة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭- ‬رفضت‭ ‬أن‭ ‬تؤجر‭ ‬بيتها‭ ‬لمسلم‭ ‬من‭ ‬الشمال‭.‬

في‭ ‬الخطاب‭ ‬السردي‭ ‬الأساسي‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تركيز‭ ‬على‭ ‬تصوير‭ ‬الخراب‭ ‬والتفتت‭ ‬والتناحر‭ ‬والقتل،‭ ‬فإن‭ ‬الخطابات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬بداخله‭ ‬خطابات‭ ‬فردية‭ ‬موازية‭ ‬تأتي‭ ‬بوصفها‭ ‬بؤرا‭ ‬كاشفة‭ ‬متجاوبة‭ ‬معه،‭ ‬وكأنها‭ ‬عزف‭ ‬على‭ ‬اللحن‭ ‬ذاته‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬إضافات‭ ‬يتيحها‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أوصافا‭ ‬تمثل‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬في‭ ‬الآخرين،‭ ‬ويقدمها‭ ‬بوصفها‭ ‬رؤية‭ ‬تتساوق‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬الصراع‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬النص،‭ ‬مثل‭ (‬إدريس‭) ‬الزرافة،‭ ‬أو‭ (‬جنكيز‭) ‬البرميل‭.‬

لهذه‭ ‬الأصوات‭ ‬وظيفة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬متوارية‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬السطح‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬لأنها‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬النظرة‭ ‬الإجمالية‭ ‬للخطاب‭ ‬بكل‭ ‬تنوّعاته‭ ‬وتشكلاته‭. ‬فهذه‭ ‬الأصوات‭ ‬بتقديم‭ ‬رؤيتها‭ ‬تلمح‭ ‬إلى‭ ‬فصائل‭ ‬مكوّنة‭ ‬للنسيج‭ ‬البشري‭ ‬للمكان‭. ‬فصوته‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬الانتماء‭. ‬فهو‭ ‬على‭- ‬حد‭ ‬تعبير‭ ‬النص‭ ‬السردي‭- ‬في‭ ‬توصيف‭ ‬الراوي‭ ‬لرسائله‭ ‬يشتم‭ ‬البلاد‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭. ‬فقد‭ ‬جاء‭ ‬بوصفه‭ ‬نموذجا‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الفصيل‭ ‬والتعبير‭ ‬عنهم‭ ‬وعن‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭.‬

ويؤكد‭ ‬هذه‭ ‬المنحى‭ ‬في‭ ‬تلقي‭ ‬شخصية‭ (‬دمان‭ ‬مكاوي‭) ‬كونه‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬السعودية‭ ‬ترحيلا‭ ‬بسبب‭ ‬سوء‭ ‬السلوك،‭ ‬فانتماؤه‭ ‬للبلد‭ (‬أنجمينا‭) ‬غير‭ ‬موجود‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬ارتباطه‭ ‬بشخصية‭ ‬مشابهة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الظروف،‭ ‬وتأخذ‭ ‬المنحى‭ ‬ذاته،‭ ‬وهي‭ ‬شخصية‭ ‬سلمى،‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬تشابه‭ ‬في‭ ‬الميلاد‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬والقدوم‭ ‬إليه‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬مذكراتها‭- (‬مذكرات‭ ‬عاهرة‭- ‬سلمى‭ ‬التشادية‭)- ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬أمها‭ ‬باكستانية‭ ‬وأباها‭ ‬من‭ ‬تشاد،‭ ‬وقد‭ ‬واقعها‭ ‬خارج‭ ‬إطار‭ ‬الزواج،‭ ‬فهربت‭ ‬الأم‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬جدة‭ ‬إلى‭ ‬الطائف،‭ ‬وأرسلتها‭ ‬إلى‭ ‬أهلها‭ ‬في‭ ‬أنجمينا‭. ‬يمثل‭ ‬كلاهما‭ ‬عدم‭ ‬الانتماء،‭ ‬وبذلك‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬رغبتهما‭ ‬في‭ ‬الرحيل‭ ‬الذي‭ ‬نجحا‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭.‬

في‭ ‬مقابل‭ ‬النمط‭ ‬السابق،‭ ‬يوجد‭ ‬نمط‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ (‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬قدّمت‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬بعناية‭ ‬شديدة،‭ ‬بوصفها‭ ‬نموذجا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي،‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬شخصية‭ ‬المثقف‭ ‬بكل‭ ‬ألاعيبه‭ ‬ورؤيته‭ ‬وتناقضاته،‭ ‬وتوزّعه‭ ‬بين‭ ‬الإيمان‭ ‬والخروج‭ ‬منه‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬عتبات‭ ‬الإلحاد‭. ‬له‭ ‬دراية‭ ‬واسعة‭ ‬بالأدب‭ ‬والترجمة‭ ‬والسياسة،‭ ‬ويستطيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحليل‭ ‬الآني‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬توقّع‭ ‬القادم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وعيه‭ ‬التام‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحاكم‭ ‬والرعية،‭ ‬وبالدعم‭ ‬الغربي‭ ‬للحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يتجلّى‭ ‬بوصفه‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الاستعمار‭ ‬الجديد‭.‬

‭        ‬يمثل‭ ‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭ ‬شخصية‭ ‬التشادي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬خارج‭ ‬أنجمينا،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬الشديد‭ ‬الواقع‭ ‬عليه،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الباطن،‭ ‬وهي‭ ‬وظيفة‭ ‬المترجم‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الوزارات،‭ ‬وقد‭ ‬أتيحت‭ ‬له‭ ‬فرص‭ ‬عديدة‭ ‬للرحيل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عرضت‭ ‬عليه‭ ‬سكرتيرة‭ ‬السفارة‭ ‬السويسرية‭ (‬إلين‭ ‬شيلنغر‭) ‬الرحيل‭ ‬معها‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬وبعدها،‭ ‬وقد‭ ‬رفضها،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مؤمنا‭ ‬بحلّ‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬الغاشمة،‭ ‬وعن‭ ‬دعوات‭ ‬الانفصال‭ ‬التي‭ ‬يطلقها،‭ ‬ويقوم‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬الجنوبيين

إن‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬بوصفه‭ ‬مثقفا‭ ‬مشاركا‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬للمجلات،‭ ‬والظهور‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬التلفزيونية،‭ ‬جعله‭ ‬يتحرّك‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬أفراد‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬بوصفه‭ ‬زعيما،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفسّر‭ ‬المستجدات،‭ ‬ودائما‭ ‬ما‭ ‬يتوجّه‭ ‬إليه‭ ‬الآخرون‭ ‬بالأسئلة‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬المنظّر‭ ‬الذي‭ ‬يمارس‭ ‬النبوءة‭ ‬السياسية‭ ‬يصبح‭ ‬ضحية‭ ‬من‭ ‬ضحايا‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬وكأن‭ ‬الرواية‭ ‬تلمح‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النجاة‭ ‬الفردية‭ ‬غير‭ ‬متاحة،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬أنجمينا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطاله‭ ‬شيء‭ ‬منها،‭ ‬وأن‭ ‬المثقف‭ ‬يتحمّل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬آثارها،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يقدم‭ ‬سوى‭ ‬الأفكار‭ ‬لإيقافها‭.‬

النمط‭ ‬الثالث‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬الاقتراب‭ ‬أو‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الوطن‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬شخصية‭ (‬أبكر‭ ‬بركاي‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬ولد‭ ‬بأنجمينا،‭ ‬وتربّى‭ ‬بها،‭ ‬وعاش‭ ‬طفولته،‭ ‬وحفظ‭ ‬أغانيها‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬هوية‭ ‬متخيلة‭ ‬للمطرب‭ (‬أحمد‭ ‬بيكوس‭) ‬الذي‭ ‬مات‭ ‬منفيا‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭. ‬رحل‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬والده‭ ‬أحد‭ ‬معارضي‭ ‬الحكم‭ ‬بالخارج،‭ ‬يعيش‭ ‬منعّما‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬كبير‭. ‬جاءت‭ ‬عودته‭ ‬بعد‭ ‬تخرجه‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬باريس‭ ‬بفعل‭ ‬الحنين‭ ‬وقلق‭ ‬الهوية‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الولادة‭ ‬والمنشأ،‭ ‬وتسببت‭ ‬هذه‭ ‬العودة‭ ‬في‭ ‬فقده‭ ‬ساقيه‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬ثمّ‭ ‬انتحاره‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬خاص‭ ‬بفرنسا،‭ ‬وهي‭ ‬ينصت‭ ‬إلى‭ ‬أغاني‭ ‬المطرب‭ ‬ذاته‭.‬

تبدو‭ ‬إشكاليته‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التوزّع‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وأنجمينا،‭ ‬بين‭ ‬المنشأ‭ ‬والمأوى،‭ ‬فهو‭ ‬نتاج‭ ‬هوية‭ ‬هجينة،‭ ‬يقول‭ ‬النص‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬تبرير‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬مدينته‭ ‬الأم‭ (‬لست‭ ‬متأكدا‭ ‬فيما‭ ‬أنا‭ ‬مقبل‭ ‬عليه‭ ‬أهو‭ ‬رحيل‭ ‬أم‭ ‬عودة،‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬حان،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يجعلني‭ ‬أنتظر،‭ ‬الاكتئاب‭ ‬بلغ‭ ‬أشدّه،‭ ‬وهذا‭ ‬المنعطف‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الشفاء‭ ‬أم‭ ‬إرواء‭ ‬الحنين،‭ ‬حنيني‭ ‬أنين‭ ‬نحو‭ ‬الأصل،‭ ‬إنني‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬حيث‭ ‬نبتّ‭).‬

ليس‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬أبكر‭ ‬بركاي‭ ‬نمط‭ ‬جنكيز،‭ ‬فسيرته‭ ‬كأنها‭ ‬استعادة‭ ‬للسيرة‭ ‬الأولى‭ ‬أو‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬حوافها،‭ ‬ربما‭ ‬للتمثل‭ ‬العميق‭- ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬السياقات‭- ‬لرواية‭ ‬موسم‭ ‬الهجرة‭ ‬للشمال،‭ ‬ومساحات‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬مصطفى‭ ‬سعيد‭ ‬والراوي‭ ‬للطيب‭ ‬صالح‭. ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬جنكيز‭ ‬مع‭ ‬صديقه‭ ‬المصاب‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا،‭ ‬بدأ‭ ‬يشعر‭ ‬بالحنين‭ ‬إلى‭ ‬مرابع‭ ‬طفولته،‭ ‬وأم‭ ‬بنّة‭ ‬ومقهى‭ ‬داود‭ ‬الأعرج‭ ‬والحلبة‭ ‬الساخنة‭. ‬يقول‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬لسانه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬القصر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬فيه‭ ‬أبكر‭ ‬بركاي،‭ ‬ومحاولته‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬مقنع‭ ‬لعودته‭ ‬إلى‭ ‬أنجمينا‭ (‬لم‭ ‬أجد‭ ‬غير‭ ‬الحنين،‭ ‬يجعلني‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬غرفتي‭ ‬وعناكبها،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬أقضي‭ ‬ليلتي‭ ‬في‭ ‬قصر‭ ‬وسط‭ ‬باريس‭).‬

لا‭ ‬يكتفي‭ ‬النص‭ ‬بإسدال‭ ‬هذه‭ ‬المشابهة‭ ‬بينهما،‭ ‬بل‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تأسيس‭ ‬ارتباط‭ ‬خاص،‭ ‬فكلاهما‭ ‬شديد‭ ‬الازدواجية‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا،‭ ‬فالنظرة‭ ‬موزّعة‭ ‬بين‭ ‬الانبهار‭ ‬والثقة‭ ‬بالذات‭ ‬وما‭ ‬تملك‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬ثقافية،‭ ‬وبين‭ ‬الحب‭ ‬والكراهية‭. ‬وفي‭ ‬تبرير‭ ‬الحنين‭ ‬يتحرّك‭ ‬النص‭ ‬خطوة‭ ‬أخرى‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬تشابه‭ ‬الأعراض‭ ‬التي‭ ‬عاني‭ ‬منها‭ ‬الاثنان،‭ ‬فهناك‭ ‬شعور‭ ‬دائم‭ ‬وداهم‭ ‬بالثقل‭ ‬في‭ ‬الصدر‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬تفسيره‭.‬

‭ ‬الهوية‭ ‬الهجينة‭ ‬وتعدد‭ ‬الانتماء

ثمة‭ ‬إشارات‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬نظرة‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬تضع‭ (‬فرنسا‭) ‬بوصفها‭ ‬المتخيل‭ ‬النموذجي‭ ‬للنجاة‭. ‬وهذه‭ ‬النظرة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬لها‭ ‬صدى‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات،‭ ‬منها‭ ‬شخصيات‭ ‬لم‭ ‬تتسلّم‭ ‬منصة‭ ‬السرد،‭ ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬واعية‭ ‬بالصراع‭ ‬الحادث‭ ‬داخل‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تحتل‭ ‬دورا‭ ‬كبير‭ ‬داخل‭ ‬السرد،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬دون‭ ‬قصدية،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬صراع‭.‬

الشيخ‭ ‬رماد‭- ‬العضو‭ ‬بالمجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للشئون‭ ‬الإسلامية،‭ ‬ووالد‭ ‬عباس‭ ‬رماد‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬بالسلطة‭ ‬القضائية‭- ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬ابنه‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬لأنه‭ ‬تعلّم‭ ‬العربية،‭ ‬ولم‭ ‬يتعلّم‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وحين‭ ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬روسيا،‭ ‬لم‭ ‬تخوّل‭ ‬له‭ ‬وجودا‭ ‬فارقا‭. ‬وقد‭ ‬أصبح‭- ‬في‭ ‬منطق‭ ‬السارد‭ ‬الفعلي‭ ‬للنص‭- ‬من‭ ‬وكلاء‭ ‬الثقافة‭ ‬الروسية،‭ ‬يقول‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬السارد‭ ‬في‭ ‬طريقهما‭ ‬إلى‭ ‬القرية‭ ‬لحظة‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ (‬لطالما‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬شخصية‭ ‬بلا‭ ‬ملامح،‭ ‬يشبه‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البلاد،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬مثقف‭ ‬ومتحمس‭ ‬لروسيا‭)‬،‭ ‬ويقول‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الصفحة‭ ‬كاشفا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ (‬الموسيقى‭ ‬الروسية‭ ‬واصلت‭ ‬التدفق‭).‬

ونزوع‭ ‬يوسف‭ ‬لمين‭- ‬عم‭ ‬السارد،‭ ‬بعد‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬والده‭ ‬بعد‭ ‬وفاته،‭ ‬وإخفاء‭ ‬الخبر‭ ‬عن‭ ‬أخيه‭ ‬عثمان‭ ‬والد‭ ‬السارد‭ ‬أثناء‭ ‬دراسته‭ ‬في‭ ‬مصر‭- ‬نزوع‭ ‬كاشف‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬النموذجية‭ ‬المتخيلة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬التشاديين‭. ‬وهناك‭ ‬شخصية‭ ‬أخرى‭ ‬هامشية‭ ‬جاء‭ ‬ذكرها‭ ‬عرضا‭ ‬مرتين‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬السارد،‭ ‬إحداهما‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الرسائل‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينهما‭ ‬أثناء‭ ‬رعايته‭ ‬لصديقه‭ (‬بركاي‭) ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬وهي‭ ‬رسائل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المتخيل‭ ‬الجميل‭. ‬وهي‭ ‬شخصية‭ (‬الشين‭) ‬السكّير‭.‬

ولأن‭ ‬الرسالة‭ ‬بالغة‭ ‬الدلالة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الهاجس‭ ‬داخل‭ ‬الشخصيات‭ ‬المحورية‭ ‬في‭ ‬السرد،‭ ‬مثل‭ (‬أبكر‭ ‬بركاي‭) ‬و‭(‬جنكيز‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحتل‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬السرد،‭ ‬مثل‭ (‬عزّ‭ ‬الطلب‭) ‬خطيبة‭ ‬جنكيز،‭ ‬وابنة‭ ‬عمته‭ (‬الروضة‭)‬،‭ ‬نورد‭ ‬نصها‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ (‬لا‭ ‬تعد‭ ‬أبدا‭ ‬إلى‭ ‬أنجمينا،‭ ‬لقد‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬فرصة،‭ ‬وأنقذت‭ ‬نفسك،‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬أبدا،‭ ‬الحرب‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬قائمة،‭ ‬ولن‭ ‬تنتهي‭ ‬أبدا،‭ ‬ابق‭ ‬حيث‭ ‬أنت،‭ ‬واعمل‭ ‬جاهدا‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تلحقنا‭ ‬بك،‭ ‬ونعيش‭ ‬في‭ ‬باريس‭). ‬فقد‭ ‬تحوّلت‭ ‬الإقامة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للتفاخر،‭ ‬كما‭ ‬يتجلّى‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الرسائل‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ (‬الشين‭) ‬وشخص‭ ‬آخر‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬اسمه‭ (‬موسى‭ ‬سيس‭).‬

توجهنا‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬النموذجية‭ ‬المتخيلة‭ ‬للمهرب‭ ‬أو‭ ‬المأوى‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬التعدد‭ ‬الهوياتي‭. ‬ففي‭ ‬بلاد‭ ‬الكلّ‭ ‬يخاف‭ ‬الكل،‭ ‬أو‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعرفونه،‭ ‬أو‭ ‬يرفضك‭ ‬البعض،‭ ‬لأنك‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬أخرى،‭ ‬يتجلّى‭ ‬التعدد‭ ‬في‭ ‬فصائل‭ ‬الصراع،‭ ‬فمكونات‭ ‬السكان‭- ‬في‭ ‬منطق‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭- ‬العرب‭ ‬وهم‭ ‬أحفاد‭ ‬العبّاس‭ ‬بن‭ ‬عبدالمطلب،‭ ‬والماسا‭ ‬من‭ ‬الجنوب،‭ ‬وقبائل‭ ‬الكاتوري‭ ‬والهوسا‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تعددا‭ ‬دينيا‭ ‬بين‭ ‬المسيحية‭ ‬والإسلام‭ ‬وديانات‭ ‬أخرى‭. ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تعدد‭ ‬مذهبي‭ ‬داخل‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬فقرات‭ ‬النص‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬والد‭ ‬السارد‭ ‬يغض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬انتماء‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬جماعة‭ ‬أنصار‭ ‬السنة،‭ ‬ويشعرها‭ ‬بعدم‭ ‬الانتباه‭ ‬لهذا‭ ‬الأمر‭.‬

خصوصية‭ ‬المكان‭ ‬تتشكّل‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬ومن‭ ‬وسلوكهم‭ ‬وفق‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬العديددة،‭ ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يهدأ‭. ‬فهناك‭ ‬هوية‭ ‬تتشكل‭ ‬للمكان‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬والاختلاف،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬كبيرا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬صغيرا‭ ‬لم‭ ‬يتأثر‭ ‬بالحرب،‭ ‬فهي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يقتل‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب‭. ‬فالانتماءات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قبلية‭ ‬أو‭ ‬مكانية‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسيحية‭.‬

وربما‭ ‬تكون‭ ‬مقولة‭ ‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭ ‬المثقف‭ ‬كاشفة‭ ‬عن‭ ‬الفشل‭ ‬أمام‭ ‬محاولات‭ ‬رأب‭ ‬الصدع‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬تقسيمات‭ ‬بعيدة‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬الموغل‭ ‬في‭ ‬القدم‭. ‬فحين‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬أستاذه‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تكتب‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الوطن‭. ‬أجاب‭ ‬بقوله‭ (‬ماذا‭ ‬اقول‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬لا‭ ‬ترحمه‭ ‬الشمس‭ ‬ولا‭ ‬الغبار؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأشكال‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرقعة‭ ‬ساميين‭ ‬وحاميين‭ ‬وأحفاد‭ ‬يافث؟‭ ‬جميعهم‭ ‬اجتمعوا‭ ‬في‭ ‬رقعة‭ ‬بلا‭ ‬هوية،‭ ‬وبلا‭ ‬تاريخ‭ ‬موحد‭. ‬كل‭ ‬يختلق‭ ‬الأساطير‭ ‬وينسبها‭ ‬إلى‭ ‬قبيلة‭ ‬دون‭ ‬الأخرى‭. ‬عنصريون‭ ‬حتى‭ ‬يقول‭ ‬شقيق‭ ‬لشقيقه‭ ‬أنت‭ ‬أكثر‭ ‬سوادا‭ ‬مني‭).‬

في‭ ‬إطار‭ ‬مقولة‭ ‬المثقف‭ ‬السابقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعاين‭ ‬سلوك‭ ‬الفصائل‭ ‬المكوّنة‭ ‬لسكّان‭ ‬أنجمينا،‭ ‬ومراقبة‭ ‬التهوّر‭ ‬الحادث‭ ‬في‭ ‬القتل‭ ‬على‭ ‬الرائحة‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬قتل‭ (‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كرل‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬قتل‭ (‬جراسيم‭) ‬بعد‭ ‬عودته‭ ‬من‭ ‬فرنسا،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أقسم‭ ‬لهم‭ ‬أنه‭ ‬أعلن‭ ‬إسلامه‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭. ‬ويمكن‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬نراقب‭ ‬اعتزاز‭ ‬كثيرين‭ ‬منهم‭ ‬بهذا‭ ‬الانتماء‭. ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالأصل‭ ‬العربي‭ ‬المسلم‭ ‬المتمركز‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬لدى‭ (‬الروضة‭)‬‭ ‬عمّة‭ ‬السارد،‭ ‬ولدى‭ ‬السارد‭ ‬جنكيز‭ ‬نفسه،‭ ‬ونراه‭- ‬أيضا‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬متواريا‭- ‬لدى‭ ‬إدريس‭ ‬ود‭ ‬كريل‭.‬

إن‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬إشكالية‭ ‬طالما‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬الآخر‭ ‬المغاير،‭ ‬أو‭ ‬يغمطه‭ ‬حقوقه،‭ ‬ولكن‭ ‬إشكالية‭ ‬الصراع‭ ‬تأتي‭ ‬وتتشكل‭ ‬وتأخذ‭ ‬بعدا‭ ‬آخر‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬استعداد‭ ‬وتدريب‭ ‬وانتظار‭ ‬للحظة‭ ‬التي‭ ‬تشتعل‭ ‬فيها‭ ‬حدّة‭ ‬الصراع‭. ‬ويمثل‭ (‬محمود‭ ‬بركاي‭) ‬الطالب‭ ‬بكلية‭ ‬الشريعة‭ ‬بجامعة‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬الشخصية‭ ‬النموذجية‭ ‬لهذا‭ ‬الاتجاه‭. ‬فقد‭ ‬كوّن‭ ‬جماعة‭ ‬الدعوة‭ ‬مع‭ ‬زملائه،‭ ‬يقرؤون‭ ‬القرآن‭ ‬ويشرحون‭ ‬الأحاديث‭ ‬في‭ ‬اللقطة‭ ‬الأولى‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬حركتهم‭. ‬قد‭ ‬يتفرع‭ ‬عنها‭ ‬لقطات‭ ‬جانبية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بدعوة‭ ‬شبّان‭ ‬مسيحيين‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويعمل‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬للدفاع‭ ‬عنهم‭.‬

لكنّ‭ ‬هناك‭ ‬أمورا‭ ‬أخرى‭ ‬مرّ‭ ‬بها،‭ ‬جعلت‭ ‬حركته‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬تلك‭ ‬اللقطة‭ ‬السابقة،‭ ‬فقد‭ ‬عانى‭ ‬أثناء‭ ‬تدريبه‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬القضاة‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬والعنت‭ ‬والإساءة‭ ‬إلى‭ ‬دينه‭ ‬ما‭ ‬جعله‭ ‬يأخذ‭ ‬طريقا‭ ‬أخرى‭. ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬يذهب‭ ‬ورفاقه‭ ‬إلى‭ ‬المزرعة‭ ‬للتدريب‭ ‬على‭ ‬الزجاجات‭ ‬والقوارير،‭ ‬حتى‭ ‬يكونوا‭ ‬مستعدين‭ ‬لحظة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬فقد‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬سبب‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬في‭ ‬المعسكر‭ ‬مرتبط‭ ‬بالماسونية،‭ ‬وأن‭ ‬الجنوبيين‭ ‬يريدون‭ ‬إنهاء‭ ‬الديانة‭ ‬الإسلامية‭.‬

إذا‭ ‬كان‭ ‬الصراع‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬الصراع‭ ‬القبلي‭ ‬أو‭ ‬الديني‭ ‬أو‭ ‬المذهبي،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬سطوة‭ ‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يعرّض‭ ‬الآلاف‭ ‬للقتل‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلطته،‭ ‬فإن‭ ‬الرواية‭ ‬لم‭ ‬تغفل‭ ‬الأثر‭ ‬الاستعماري‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬هذا‭ ‬الصراع،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬تأجيج‭ ‬إشكاليات‭ ‬الشخصيات‭ ‬الموزّعة‭ ‬بين‭ ‬هويتين‭ ‬فرنسية‭ ‬وتشادية‭. ‬لا‭ ‬تغيّب‭ ‬الرواية‭ ‬الأثر‭ ‬الاستعماري،‭ ‬بل‭ ‬تلحّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحكايات‭ ‬المصاحبة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬عرضا‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬إلى‭ ‬النظرة‭ ‬العنصرية،‭ ‬وتشكيل‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التراتب‭ ‬داخل‭ ‬أنجمينا‭ ‬وخارجها‭.‬

‭        ‬لقد‭ ‬توقّف‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حكاية‭ ‬مصاحبة‭ ‬للنص‭- ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬أو‭ ‬مذبحة‭ ‬شاسليه‭ ‬1940‭- ‬ترتبط‭ ‬بطريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬الأفارقة‭ ‬التي‭ ‬حاربت‭ ‬بجوار‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬حيث‭ ‬فرّق‭ ‬النازيون‭ ‬بين‭ ‬الجنود‭ ‬والضباط‭ ‬الفرنسيين‭ ‬والأفارقة،‭ ‬فقد‭ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الفرنسيين‭ ‬وأعدموا‭ ‬الأفارقة،‭ ‬ولم‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬المشين،‭ ‬سوى‭ (‬موسى‭ ‬بارتشيريه‭)‬،‭ ‬وتم‭ ‬تعذيبه‭ ‬بقسوة،‭ ‬وأعادوه‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬أنجمينا‭.‬

‭        ‬ألمحت‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬أثر‭ ‬المستعمِر،‭ ‬لأنه‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬وتقطيع‭ ‬أواصر‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وعمل‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬إشعال‭ ‬الصراعات‭ ‬القبلية‭.‬‭ ‬وألمحت‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬فكرة‭ ‬العنصرية،‭ ‬وتكديس‭ ‬التراتب،‭ ‬والنزوع‭ ‬نحو‭ ‬تقليد‭ ‬المستعمر‭ ‬والنفور‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬ذاته‭. ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توليد‭ ‬إشكاليات‭ ‬متعلقة‭ ‬بشخصية‭ (‬أبكر‭ ‬بركاي‭)‬،‭ ‬والتجهيز‭ ‬لها‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬مع‭ ‬شخصية‭ (‬جنكيز‭). ‬فقد‭ ‬أقلق‭ ‬هدوء‭ ‬انتماء‭ ‬الأول‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬النظرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأعراق‭ ‬والأصل‭ ‬والجذور‭ ‬والعنصرية‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬للشخصية‭ ‬الأساسية‭ ‬وجود‭ ‬هادئ‭ ‬داخل‭ ‬هويته‭ ‬وانتمائه‭ ‬الفرنسي،‭ ‬لكن‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الأفريقي،‭ ‬حدث‭ ‬الفراق‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬فتاته‭ ‬الفرنسية‭ (‬كارلا‭) ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تنتمي‭- ‬أو‭ ‬قريبة‭- ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬بفرنسا،‭ ‬حيث‭ ‬ترى‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬أن‭ ‬الانتماء‭ ‬أو‭ ‬الارتباط‭ ‬بالزواج‭ ‬من‭ ‬عرق‭ ‬مغاير‭ ‬تلويث‭ ‬للأصل،‭ ‬ومحوّ‭ ‬للإرث‭ ‬العرقي‭ ‬الفرنسي‭.‬

إن‭ ‬الحنين‭ ‬أو‭ ‬التوزّع‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬الفرنسية‭ ‬هوية‭ ‬المأوى،‭ ‬والهوية‭ ‬التشادية‭ ‬هوية‭ ‬الميلاد‭ ‬والأصل‭ ‬والوطن‭ ‬الأم،‭ ‬لم‭ ‬ينشأ‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬حواف‭ ‬تلك‭ ‬النظرة،‭ ‬بل‭ ‬ونتيجة‭ ‬للفقد‭ ‬الذي‭ ‬أيقظ‭ ‬أسئلة‭ ‬الانتماء،‭ ‬وجعلها‭ ‬تخايل‭ ‬الذات‭ ‬مع‭ ‬ذكريات‭ ‬الطفولة‭ ‬والنشاة‭ ‬الأولى‭ ‬متوحّدة‭ ‬مع‭ ‬نص‭ ‬أغاني‭ ‬المطرب‭ (‬أحمد‭ ‬بيكوس‭) ‬الذي‭ ‬تشكّل‭ ‬أغانيه‭ ‬أفضل‭ ‬تجلّ‭ ‬للهوية‭ ‬التشادية‭ ‬بصخبها‭ ‬العالي‭ ‬وتناحر‭ ‬أطرافها‭. ‬وهو‭ ‬مطرب‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬قفز‭(‬بركاي‭) ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬المستشفى‭ ‬منتحرا‭ ‬وهو‭ ‬ينصت‭ ‬إليها،‭ ‬بما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬ذكريات‭ ‬قديمة،‭ ‬وبما‭ ‬تشكّله‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬وشرخ‭ ‬دائمين‭ ‬في‭ ‬الهوية‭.‬

وشخصية‭ (‬جنكيز‭) ‬ليست‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬في‭ ‬إحساسه‭ ‬بقلق‭ ‬الهوية‭ ‬والتوزّع‭ ‬إلى‭ ‬جانبين،‭ ‬فهناك‭ ‬وصية‭ (‬الشين‭) ‬بعدم‭ ‬العودة،‭ ‬وهناك‭ ‬وصية‭ ‬والده‭ ‬بالعودة،‭ ‬لأن‭ ‬ابنة‭ ‬عمّته‭ ‬في‭ ‬انتظاره‭. ‬ولكن‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬الروائي‭ ‬يتجلّى‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حاول‭ ‬استعادة‭ ‬سيرة‭ ‬صديقه،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬مبررات‭ ‬لنزوعه،‭ ‬وتفسيرات‭ ‬لعودته‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬أنجمينا‭. ‬فقد‭ ‬بدأ‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬خطاه،‭ ‬وكأنهما‭ ‬ذات‭ ‬واحدة،‭ ‬سبق‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬بفعل‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬القلقة،‭ ‬وتبقّى‭ ‬جزء‭ ‬آخر،‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬مناوشته‭ ‬ومصاحبته‭ ‬طويلا‭ ‬أثناء‭ ‬سيره‭ ‬وتجواله‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭.‬

أولى‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تلح‭ ‬عليه‭ ‬هي‭ ‬أسئلة‭ ‬خاصة‭ ‬بالتراتب‭ ‬والمقارنة‭ ‬بين‭ ‬تشاد‭ ‬والغرب‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬أسئلة‭ ‬قد‭ ‬تحمل‭ ‬تقليلا‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الذات،‭ ‬وإنقاصا‭ ‬من‭ ‬خصوصية‭ ‬ثقافتها،‭ ‬يقول‭ ‬النص‭ (‬في‭ ‬أوربا‭ ‬ينتابك‭ ‬إحساس‭ ‬غريب،‭ ‬يضعف‭ ‬من‭ ‬إحساسك‭ ‬بذاتك‭. ‬تفكّر‭ ‬أحيانا‭ ‬بأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬ليسوا‭ ‬مثلنا،‭ ‬تقول‭ ‬إنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬الطينة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬خلقنا‭ ‬الله‭ ‬منها‭).‬

تمثل‭ ‬رواية‭ (‬ثلاثية‭ ‬أنجمينا‭) ‬محاولة‭ ‬جديدة‭ ‬لتأسيس‭ ‬بناء‭ ‬خاص،‭ ‬لا‭ ‬يملّ‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬المعقّدة‭ ‬حول‭ ‬الذات‭ ‬والوطن‭ ‬والهوية‭ ‬والمأوى‭. ‬وهي‭ ‬أسئلة‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬حقيقية‭ ‬لكل‭ ‬الإشكاليات‭ ‬أو‭ ‬العلل‭ ‬التي‭ ‬تعانيها‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬فقدت‭ ‬اتصالها‭ ‬الطبيعي‭ ‬وتصالحها‭ ‬مع‭ ‬تاريخها،‭ ‬حيث‭ ‬يلحّ‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬أبنائها‭ ‬والمنتمين‭ ‬إليها‭ ‬قلق‭ ‬في‭ ‬نسيج‭ ‬التكوين‭ ‬والهوية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق