ثقافة وفن

جولة في كتاب

رواية ( شرقي عدن ) الكاتب الأمريكي جون شتاينبك East of Eden by John Steinbeck

بقلم‭ ‬عبدالله‭ ‬مرير

ملحمة‭ ‬عائلية‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬متعددة،‭ ‬تستكشف‭ ‬الصراع‭ ‬الأزلي‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عائلتين‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬ساليناس‭ ‬الخصيب‭ ‬بولاية‭ ‬كاليفورنيا‭. ‬نشرت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الأصلية‭ ‬الإنكليزية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وأول‭ ‬اقتباس‭ ‬للرواية‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1955،‭ ‬بينما‭ ‬تعرض‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬وهي‭ ‬أحدث‭ ‬الاقتباسات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬الصادرة‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سبع‭ ‬حلقات‭.‬

مكان‭ ‬الأحداث‭:‬

تدور‭ ‬أحداث‭ ‬رواية‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭) ‬للكاتب‭ ‬جون‭ ‬شتاينبيك‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬ساليناس‭ ‬بوسط‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ونهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭. ‬وتُشكّل‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الزراعية‭ ‬الخصبة‭ ‬مسرحاً‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬حيوات‭ ‬عائلتي‭ (‬تراسك‭) ‬و‭(‬هاميلتون‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تعكس‭ ‬صراعاتهما‭ ‬الممتدة‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬القصة‭ ‬التوراتية‭ ‬لقابيل‭ ‬وهابيل‭.‬

ملخص‭:‬

عائلة‭ ‬هاميلتون‭ ‬وعائلة‭ ‬تراسك‭ ‬هاجرتا‭ ‬إلى‭ ‬وادي‭ ‬ساليناس‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭. ‬كانت‭ ‬عائلة‭ ‬هاميلتون‭ ‬فقيرة‭ ‬وتعيش‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬قاحلة‭ ‬وجافة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬آدم‭ ‬تراسك‭ ‬وزوجته‭ ‬كاثي‭ ‬يتمتعان‭ ‬بالثراء‭ ‬بفضل‭ ‬الميراث،‭ ‬ويعيشان‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬خصبة‭ ‬غنية‭ ‬تتوفر‭ ‬فيها‭ ‬المياه‭ ‬بوفرة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ثراء‭ ‬عائلة‭ ‬تراسك‭ ‬المادي‭ ‬كان‭ ‬يقابله‭ ‬فقر‭ ‬أخلاقي؛‭ ‬فقد‭ ‬وُلدت‭ ‬كاثي‭ ‬تراسك‭ ‬بلا‭ ‬ضمير،‭ ‬ورغم‭ ‬حب‭ ‬آدم‭ ‬لها،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬غافلاً‭ ‬عن‭ ‬طبيعتها‭ ‬الشريرة‭. ‬لم‭ ‬تتزوجه‭ ‬إلا‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬كان‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنجبت‭ ‬منه‭ ‬توأم،‭ ‬كاليب‭ ‬وآرون،‭ ‬تتخلى‭ ‬كاثي‭ ‬عن‭ ‬عائلتها‭ ‬تاركةً‭ ‬آدم‭ ‬ليتولى‭ ‬تربية‭ ‬الولدين‭ ‬بمفرده‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أطلقت‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬كتفه‭ ‬وهجرته‭. ‬ومع‭ ‬تقدمهما‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬تمتد‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬الواسعة‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬متعددة،‭ ‬مستحضرةً‭ ‬أصداء‭ ‬القصة‭ ‬التوراتية‭ ‬لقابيل‭ ‬وهابيل،‭ ‬حيث‭ ‬تتصارع‭ ‬الشخصيات‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالانحطاط‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬والحب،‭ ‬والقبول،‭ ‬والنزوع‭ ‬نحو‭ ‬تدمير‭ ‬الذات‭ ‬حيث‭ ‬يجسد‭ ‬كاليب‭ ‬وآرون‭ ‬الطبيعتين‭ ‬المتناقضتين‭ ‬لقابيل‭ ‬وهابيل؛‭ ‬إذ‭ ‬تصطدم‭ ‬روح‭ ‬كاليب‭ ‬المتمردة‭ ‬بطبيعة‭ ‬آرون‭ ‬الفاضلة‭.‬

غيّرت‭ ‬كاثرين‭ ‬اسمها‭ ‬إلى‭ (‬كيت‭) ‬وشقت‭ ‬طريقها‭ ‬صعوداً‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬بيوت‭ ‬الدعارة‭ ‬بمدينة‭ ‬ساليناس‭. ‬ويُبرز‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬سكون‭ ‬الريف‭ ‬ورذيلة‭ ‬المدينة‭ ‬استكشافَ‭ ‬شتاينبيك‭ ‬لازدواجية‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬والصراع‭ ‬الأزلي‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭. ‬وقد‭ ‬تلاعبت‭ ‬كاثرين‭ ‬ببراعة‭ ‬فائقة‭ ‬بمالكة‭ ‬البيت،‭ ( ‬فاي‭)‬،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬الأخيرة‭ ‬أوصت‭ ‬بملكيتها‭ ‬للبيت‭ ‬وممتلكاتها‭ ‬كافة‭ ‬لكاثرين‭. ‬ثم‭ ‬عمدت‭ ‬كاثرين‭ ‬إلى‭ ‬تسميم‭ (‬فاي‭) ‬ببطء،‭ ‬وبعد‭ ‬وفاتها،‭ ‬استولت‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬التجاري،‭ ‬لتصبح‭ ‬مالكةً‭ ‬لأكثر‭ ‬بيوت‭ ‬الدعارة‭ ‬انحطاطاً‭ ‬وفساداً‭ ‬في‭ ‬ساليناس‭ ‬بأسرها‭.‬

الموضوعات‭:‬

الخير‭ ‬والشر‭ ‬والروح‭ ‬البشرية‭:‬

الصراع‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر؛‭ ‬إذ‭ ‬يتصارع‭ ‬الأشرار‭ ‬مع‭ ‬الأخيار،‭ ‬وتتصارع‭ ‬الرأفة‭ ‬مع‭ ‬القسوة،‭ ‬وتتعارض‭ ‬نوايا‭ ‬المرء‭ ‬الطيبة‭ ‬باستمرار‭ ‬مع‭ ‬نزواته‭ ‬الدنيئة‭ ‬والفاسدة‭. ‬ويشير‭ ‬شتاينبيك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنحنا‭ ‬إنسانيتنا؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬انتصار‭ ‬الروح‭ ‬البشرية‭ ‬وخلاصها‭ ‬يكمنان‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭. ‬تُعد‭ ‬كاثرين‭ ‬تراسك‭ ‬تجسيداً‭ ‬للشر‭ ‬المطلق؛‭ ‬فقد‭ ‬وُلدت‭ ‬كاثي‭ ‬وهي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬محاكمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬لأفعالها‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تجيد‭ ‬سوى‭ ‬المكر‭ ‬والتسبب‭ ‬بالألم‭ ‬والذعر‭ ‬لمن‭ ‬حولها‭.‬

الدين‭ ‬والأسطورة‭ ‬وقوة‭ ‬السرد‭ ‬القصصي‭:‬

تستمد‭ ‬رواية‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭) ‬اسمها‭ ‬ومسار‭ ‬أحداثها‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬القصة‭ ‬التوراتية‭ ‬لابني‭ ‬آدم،‭ ‬قابيل‭ ‬وهابيل؛‭ ‬إذ‭ ‬يعتقد‭ ‬قابيل‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬يُفضّل‭ ‬أخاه‭ ‬هابيل‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬المحبة،‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬يتقبل‭ ‬قربان‭ ‬هابيل‭ ‬ويرفض‭ ‬قربان‭ ‬قابيل‭. ‬وحينئذٍ،‭ ‬يقتل‭ ‬قابيل‭ ‬أخاه‭ ‬هابيل‭ ‬بدافع‭ ‬الغضب‭ ‬والغيرة،‭ ‬فيُعاقبه‭ ‬الله‭ ‬بنفيه‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭). ‬وتتناول‭ ‬الرواية‭ ‬مراراً‭ ‬موضوعي‭ ‬الدين‭ ‬والأسطورة‭ ‬بوصفهما‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬السرد‭ ‬القصصي‭.‬

الحب‭ ‬والسعي‭ ‬لنيل‭ ‬القبول‭, ‬العائلة‭ ‬والحب‭ ‬والوحدة‭:‬

تتمحور‭ ‬رواية‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭) ‬حول‭ ‬العائلات؛‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬قضايا‭ ‬الزواج،‭ ‬والأبوة،‭ ‬وتعاقب‭ ‬الأجيال،‭ ‬والميراث،‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء‭ ‬جوهر‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭. ‬وتكمن‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الصراعات‭ ‬فكرة‭ ‬متكررة‭ ‬مفادها‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬للحب‭ ‬دون‭ ‬ألم‭ ‬ورفض‭ ‬ووحدة‭. ‬وتتضمن‭ ‬الرواية‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الدرامية‭ ‬الفرعية‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬حب‭ ‬الوالدين‭ ‬والأبناء؛‭ ‬فالأبناء‭ ‬ينشدون‭ ‬الحب‭ ‬من‭ ‬آبائهم،‭ ‬والآباء‭ ‬ينشدونه‭ ‬من‭ ‬أبنائهم‭. ‬يشعر‭ ‬‮«‬تشارلز‮»‬‭ ‬بغضب‭ ‬عارم‭ ‬لأن‭ ‬والده‭ ‬يحب‭ ‬شقيقه‭ ‬آدم‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭.‬

ثنائية‭ ‬الطبيعة‭ ‬البشرية‭ ‬والصراع‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭.‬

أوجه‭ ‬التشابه‭ ‬مع‭ ‬القصة‭ ‬قابيل‭ ‬وهابيل‭ ‬بالصيغة‭ ‬التوراتية‭. ‬

النزعة‭ ‬إلى‭ ‬تدمير‭ ‬الذات

الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬والحرية

الخيار‭ ‬في‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬الخطيئة‭ .‬

ديناميكيات‭ ‬الأسرة‭ ‬والصراعات‭ ‬بين‭ ‬الأجيال

الشخصيات‭:‬

آدم‭ ‬تراسك‭: ‬بطل‭ ‬الرواية،‭ ‬الذي‭ ‬يستقر‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬ساليناس‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬كاثي‭.‬

كاثي‭ ‬أميس‭ ( ‬كيت‭ ‬ألبي‭): ‬زوجة‭ ‬آدم،‭ ‬وهي‭ ‬عاهرة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬الشخصية‭ ‬المعادية‭ ‬للمجتمع‭ (‬سيكوباتية‭) ‬وتتخلى‭ ‬عن‭ ‬عائلتها‭.‬

كاليب‭ ‬‮«‬كال‮»‬‭ ‬تراسك‭: ‬أحد‭ ‬ابني‭ ‬آدم‭ ‬التوأم،‭ ‬وهو‭ ‬متمرد‭ ‬ومضطرب‭.‬

آرون‭  ‬تراسك‭: ‬الابن‭ ‬التوأم‭ ‬الآخر،‭ ‬وهو‭ ‬فاضل‭ ‬وطيب‭ ‬القلب‭.‬

لي‭: ‬خادم‭ ‬أمريكي‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬صيني‭ ‬يتسم‭ ‬بالحكمة،‭ ‬ويساعد‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬التوأمين‭.‬

صموئيل‭ ‬هاميلتون‭: ‬جار‭ ‬آدم،‭ ‬وهو‭ ‬مهاجر‭ ‬أيرلندي‭ ‬مبدع‭.‬

أبرا‭ ‬بيكون‭: ‬حبيبة‭ ‬آرون،‭ ‬وتنتمي‭ ‬إلى‭ ‬عائلة‭ ‬ثرية‭.‬

سايروس‭ ‬تراسك‭: ‬والد‭ ‬آدم‭.‬

تشارلز‭ ‬تراسك‭: ‬شقيق‭ ‬آدم،‭ ‬الذي‭ ‬يهاجمه‭ ‬بدافع‭ ‬الغيرة‭.‬

ليزا‭ ‬هاميلتون‭: ‬زوجة‭ ‬صموئيل‭.‬

ويل‭ ‬هاميلتون‭: ‬ابن‭ ‬صموئيل،‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬شراكة‭ ‬تجارية‭ ‬مع‭ ‬كال‭.‬

اللغة‭ ‬والاسلوب‭ ‬الأدبي‭ ‬في‭ ‬الرواية‭:‬

تزخر‭ ‬الرواية‭ ‬بعدد‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬من‭ ‬المشاهد‭ ‬الفرعية‭ ‬وتصويرات‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تضفي‭ ‬ألواناً‭ ‬وظلالاً‭ ‬على‭ ‬القصة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬دائماً‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحبكة‭.‬

كما‭ ‬يتميز‭ ‬أسلوب‭ ‬شتاينبيك‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الحوار‭ ‬بطابع‭ ‬فريد؛‭ ‬فهو‭ ‬حوار‭ ‬مقتضب‭ ‬ومباشر،‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬عبارات‭ ‬الربط‭ ‬والتعليق‭ ‬التي‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتسهيل‭ ‬الانتقالات‭ ‬بين‭ ‬الجمل،‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬بسيطاً‭ ‬أو‭ ‬طفولياً‭ ‬في‭ ‬بنيته،‭ ‬مما‭ ‬يمنحه‭ ‬طابعاً‭ ‬عفوياً‭ ‬ومباشراً‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬معتاد‭.‬

تبدو‭ ‬اللغة‭ ‬هنا‭ ‬وكأنها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬المنفى،‭ ‬مطرودةً‭ ‬من‭ ‬جنة‭ ‬عدن‭ ‬الأصلية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬رحلة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬البراءة‭ ‬تبدو‭ ‬مستحيلة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تظل‭ ‬سعياً‭ ‬مصيرياً‭ ‬ذا‭ ‬أبعاد‭ ‬ملحمية‭.‬

على‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات،‭ ‬تقدم‭ ‬رواية‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭) ‬صراعاً‭ ‬ميلودرامياً‭ ‬بين‭ ‬الخير‭ ‬والشر؛‭ ‬إذ‭ ‬يخبر‭ ‬آدم‭ ‬زوجته‭ ‬كاثي‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تكره‭ ‬الشر‭ ‬في‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬تكره‭ ‬الخير‭ ‬الكامن‭ ‬فيهم‭ ‬والذي‭ ‬تعجز‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬الأكثر‭ ‬لفتاً‭ ‬للانتباه‭ ‬هو‭ ‬تصوير‭ ‬الرواية‭ ‬للعلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬وهي‭ ‬تتطور‭ ‬ببطء‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬متشكلةً‭ ‬بفعل‭ ‬تداخلات‭ ‬معقدة‭ ‬بين‭ ‬القدر‭ ‬والاختيار‭.‬

يطرح‭ ‬السرد‭ ‬الطويل‭ ‬للرواية‭ ‬صراعات‭ ‬أزلية‭ ‬بين‭ ‬المرض‭ ‬والصحة‭ -‬بالمعنى‭ ‬الأوسع‭ ‬لهذين‭ ‬المصطلحين‭- ‬ودورات‭ ‬المرض‭ ‬والتعافي‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬البشر‭. ‬وتتناسب‭ ‬وتيرة‭ ‬السرد‭ ‬البطيئة‭ ‬مع‭ ‬موضوع‭ ‬العمل؛‭ ‬إذ‭ ‬تلعب‭ ‬بيئة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬دوراً‭ ‬أشبه‭ ‬بدور‭ (‬الجوقة‭) ‬في‭ ‬المسرحيات‭ ‬اليونانية‭: (‬مضى‭ ‬الصيف،‭ ‬وانحسر‭ ‬نهر‭ ‬ساليناس‭ ‬ليتوارى‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬يتجمع‭ ‬في‭ ‬برك‭ ‬خضراء‭ ‬عند‭ ‬أقدام‭ ‬الضفاف‭ ‬العالية‭…)‬

وهكذا،‭ ‬تتكشف‭ ‬حيوات‭ ‬شخصيات‭ ‬شتاينبيك‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬تاريخ‭ ‬إقليمي‭ ‬محدد،‭ ‬حيث‭ ‬يظل‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬توازن‭ ‬مع‭ ‬النظم‭ ‬البيئية‭ ‬الأوسع‭ ‬للعالم‭ ‬الطبيعي‭. ‬وتفيد‭ ‬التقارير‭ ‬بأن‭ ‬معظم‭ ‬مشاهد‭ ‬مسلسل‭ (‬نتفليكس‭) ‬قد‭ ‬صُوِّرت‭ ‬في‭ ‬نيوزيلندا؛‭ ‬وسيكون‭ ‬من‭ ‬المثير‭ ‬للاهتمام‭ ‬رؤية‭ ‬كيف‭ ‬سيقدم‭ ‬المسلسل‭ ‬أو‭ ‬كيف‭ ‬قد‭ ‬يشوّه‭ ‬عالم‭ ‬شتاينبيك‭ ‬الكاليفورني‭.‬

حقائق‭ ‬وآراء‭:‬

تُضفي‭ ‬البنية‭ ‬الأسطورية‭ ‬للرواية‭ ‬عليها‭ ‬طابعاً‭ ‬من‭ ‬الحتمية‭ ‬القدرية؛‭ ‬إذ‭ ‬ينبع‭ ‬التوتر‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬صراعٍ‭ ‬بين‭ ‬أنماط‭ ‬الحتمية‭ ‬وما‭ ‬يصفه‭ ‬شتاينبك‭ -‬في‭ ‬تعليق‭ ‬مباشر‭ ‬آخر‭ ‬منه‭- ‬بأنه‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬العقل‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬مسار‭ ‬يشاء،‭ ‬دون‭ ‬توجيه‭.‬

يدعو‭ ‬شتاينبك‭ ‬صراحةً‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬مناهضة‭ ‬أي‭ ‬فكرة‭ ‬أو‭ ‬دين‭ ‬أو‭ ‬حكومة‭ ‬تُقيّد‭ ‬الفرد‭ ‬أو‭ ‬تدمره‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مفهومه‭ ‬لهذا‭ ‬الفرد‭ ‬الحر‭ ‬كان‭ -‬في‭ ‬مفارقة‭ ‬باتت‭ ‬تتضح‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬للمؤرخين‭ ‬الثقافيين‭ ‬الذين‭ ‬يدرسون‭ ‬حقبة‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬مقيداً‭ ‬بشكل‭ ‬قاتل‭ ‬باعتبارات‭ ‬النوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعرق‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الجالية‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬شتاينبك‭ ‬يصف‭ ‬الهنود‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬مثيرة‭ ‬للحرج‭- ‬بأنهم‭ (‬سلالة‭ ‬متدنية‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة‭ ‬والابتكار‭ ‬والثقافة؛‭ ‬شعبٌ‭ ‬يقتات‭ ‬على‭ ‬اليرقات‭ ‬والجنادب‭ ‬والمحاريات،‭ ‬ويتسم‭ ‬بالكسل‭ ‬الذي‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬الصيد‭ ‬البري‭ ‬أو‭ ‬صيد‭ ‬الأسماك‭.)‬

في‭ ‬الأصل‭ ‬أهدى‭ ‬جون‭ ‬شتاينبك‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬ابنيه‭ ‬الصغيرين‭ ‬توم‭ ‬وجون‭ ‬اللذين‭ ‬كانا‭ ‬يبلغان‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬ست‭ ‬وأربع‭ ‬سنوات‭ ‬آنذاك‭.‬

اعتبر‭ ‬شتاينبك‭ ‬رواية‭ (‬شرق‭ ‬عدن‭) ‬أعظم‭ ‬أعماله‭ ‬الأدبية‭ (‬التي‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‭  (‬الماغنوم‭ ‬أوبوس‭)‬،‭ ‬وقال‭ ‬عنها‭: ‬إنها‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تعلمه‭ ‬حول‭ ‬حرفتي‭ ‬أو‭ ‬مهنتي‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭.‬

يُقال‭ ‬إن‭ ‬عائلة‭ ‬هاميلتون‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬مستوحاة‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لجد‭ ‬شتاينبك‭ ‬لأمه‭..‬

يظهر‭ ‬جون‭ ‬شتاينبك‭ ‬في‭ ‬شبابه‭ ‬لفترة‭ ‬وجيزة‭ ‬داخل‭ ‬الرواية‭ ‬كشخصية‭ ‬ثانوية‭.‬

استُمد‭ ‬عنوان‭ ‬الرواية‭ ( ‬شرقي‭ ‬عدن‭ ) ‬من‭ ‬الاقتباس‭ ‬التوراتي‭: ‬‮«‬فَخَرَجَ‭ ‬قَايِينُ‭ ‬مِنْ‭ ‬لَدُنِ‭ ‬الرَّبِّ‭ ‬وَسَكَنَ‭ ‬فِي‭ ‬أَرْضِ‭ ‬نُودٍ،‭ ‬شرقي‭ ‬عدن‭.( ‬سفر‭ ‬التكوين‭ ). ‬

تستكشف‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬شرق‭ ‬عدن‮»‬‭ ‬أوجه‭ ‬تشابه‭ ‬عديدة‭ ‬بين‭ ‬شخصيتي‭ ‬‮«‬كال‮»‬‭ ‬و»آرون‭ ‬تراسك‮»‬‭ ‬وبين‭ ‬القصة‭ ‬التوراتية‭ ‬لقابيل‭ ‬وهابيل‭.‬

نبذة‭ ‬عن‭ ‬المؤلف‭:‬

وُلد‭ ‬شتاينبيك‭ ‬في‭ ‬ساليناس‭ ‬بولاية‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وقضى‭ ‬سنوات‭ ‬تكوينه‭ ‬في‭ ‬وادي‭ ‬ساليناس‭ ‬الغني‭ ‬بالزراعة‭. ‬التحق‭ ‬بجامعة‭ ‬ستانفورد‭ ‬بشكل‭ ‬متقطع‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1920‭ ‬و1926،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬جامعية؛‭ ‬إذ‭ ‬ركّز‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬الكتابة،‭ ‬معتمداً‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬عيشه‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬اليدوي‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬أعماله‭ ‬الروائية،‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬دراسة‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬خليج‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬بعنوان‭ (‬بحر‭ ‬كورتيز‭ ‬1941‭)‬،‭ ‬وعمل‭ ‬مراسلاً‭ ‬حربياً‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وحرب‭ ‬فيتنام‭.‬

كان‭ ‬جون‭ ‬شتاينبيك‭ (‬1902-1968‭) ‬روائياً‭ ‬وصحفياً‭ ‬وكاتباً‭ ‬أمريكياً‭ ‬مرموقاً‭. ‬اشتهر‭ ‬برواياته‭ ‬التي‭ ‬تصور‭ ‬حياة‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬والعمال‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬حيث‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬استكشاف‭ ‬موضوعات‭ ‬مثل‭ ‬المصاعب‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والظلم،‭ ‬والتعصب،‭ ‬والوحدة‭. ‬وقد‭ ‬رسخت‭ ‬رواية‭ (‬عناقيد‭ ‬الغضب‭)‬‭ (‬1939‭) ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬رحلة‭ ‬عائلة‭ (‬جود‭) ‬إبان‭ ‬موجة‭ ‬النزوح‭ ‬الجماعي‭ ‬الناجمة‭ ‬مكانته‭ ‬كصوت‭ ‬للمضهدين‭ ‬والمهمشين‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬أعماله‭ ‬أيضا‭ ( ‬قصعة‭ ‬الغبار‭, ‬عن‭ ‬الفئران‭ ‬والرجال،‭ ‬تورتيلا‭ ‬فلات،‭ ‬شارع‭ ‬المعلبات،‭ ‬اللؤلؤة‭ ‬وهذه‭ ‬الرواية‭ ( ‬شرقي‭ ‬عدن‭ ) ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬أعظم‭ ‬أعماله‭ ‬الأدبية‭.‬

تراجعت‭ ‬مكانة‭ ‬شتاينبيك‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المثقفين‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬وفاته‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تأييده‭ ‬لحرب‭ ‬فيتنام‭ ‬وعلاقته‭ ‬الوثيقة‭ ‬بالرئيس‭ ‬ليندون‭ ‬جونسون،‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬شعبيته‭ ‬تتضاءل‭ ‬باطراد‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬شتاينبيك‭ ‬شخصيةً‭ ‬بارزةً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأدب‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬إذ‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬عين‭ ‬الصحفي‭ ‬الراصدة‭ ‬للحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وبين‭ ‬حسٍّ‭ ‬فطريٍّ‭ ‬يدرك‭ ‬الآفاق‭ ‬المتعالية‭ ‬للمشاهد‭ ‬الطبيعية‭ ‬الأسطورية‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭.‬

حاز‭ ‬شتاينبيك‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬بوليتزر‭ ‬وجائزة‭ ‬الكتاب‭ ‬الوطني‭ ‬عن‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬عناقيد‭ ‬الغضب‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1962،‭ ‬مُنح‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬تقديراً‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬كتاباته‭ ‬الواقعية‭ ‬والخيالِيّة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الفكاهة‭ ‬المتعاطفة‭ ‬والبصيرة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الثاقبة‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬واجه‭ ‬القرار‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الأوساط‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬أعماله‭ ‬لم‭ ‬ترقَ‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬الرفيع،‭ ‬لكن‭ ‬المؤلف‭ ‬ردّ‭ ‬برقيّ‭ ‬وتواضع،‭ ‬مصرحاً‭ ‬بصراحة‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يستحق‭ ‬الجائزة‭. ‬بعد‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬نيله‭ ‬هذا‭ ‬التكريم‭ ‬المرموق،‭ ‬توفي‭ ‬جون‭ ‬شتاينبيك‭ ‬إثر‭ ‬إصابته‭ ‬بمرض‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬بمدينة‭ ‬نيويورك‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق