
مغامرة غامضة علي مرافئِ الشمَال : رحيل الشيخ حميدو كان، وبقاء معضلة الشرق والغرب وتجددها

السفير مختار بلال عبد السلام
فُجعت الأوساط الأدبية والثقافية الإفريقية والعالمية برحيل الأديب السنغالي المخضرم الشيخ حميدو كان، صاحب الرواية العالمية الشهيرة «المغامرة الغامضة» (L›Aventure ambiguë). ولأهمية هذه الرواية ومكانة كاتبها، نعاه الرئيس السنغالي باسيرو فاي قائلاً: «لقد قدّم الشيخ حميدو كان من خلال روايته ‹المغامرة الغامضة› مساحة تتيح لنا التأمل في سؤال ما يزال يؤرقنا : كيف يمكننا الانفتاح على معارف العالم دون أن نفقد شيئاً من هويتنا؟ إن أعماله اليوم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تراث أمتنا وتراث إفريقيا بأسرها».
تحكي هذه الرواية المشهورة عن رحلة الشاب السنغالي سامبا ديالو، الذي كان شاباً يافعاً ترتجى منه النباهة، وتلميذاً حوارياً للشيخ «تيرنو». وقد ابتعثته أهله في السنغال للدراسة في فرنسا بعد نقاشات حادة دارت في قريته، رجحت فيها آراء «الملكة الكبرى» (أخت زعيم القبيلة)، التي كانت ترى ضرورة الاستفادة من التنوير الغربي لنفع بلدها لاحقاً.
وفي فرنسا، شق الشاب طريقه بنجاح ونهل من علومها، ولكنه كان يشعر بأنه يعيش في عالم مادي عقلاني يعتمد على الحركة والإنتاج والآلة، وسط اجواء من الجفاء الروحي، فعانى من تمزق في داوخله. وهناك في باريس، تعرف على الفتاة «لوسيان مارتي» ووالدها الملحد «بروتوس مارتي»، ودارت بينهم نقاشات فلسفية عميقة حول الشرق والغرب.
حاول سامبا دون جدوى إقناع صديقته بأن الغرب، في سعيه لامتلاك المادة والسيطرة على الطبيعة عبر العلم، قد أضاع البعد الإنساني والروحي، وبأن الإنسان الغربي أصبح عبداً للآلة والوقت، بينما ما يزال الإنسان في افريقيا يعيش في تناغم مع الكون ومع الخالق. وفي المقابل، كانت لوسيين تحاول دائماً إقناعه بأن مأساة بلاده تكمن في الاستعمار والفقر، وأن حل هذه المشكلة يكمن في العلم والعمل والسياسة، وليس في التأمل الصوفي والزهد، وأنه قد حان الوقت لإفريقيا أن تستيقظ وتبني المصانع وتتبنى الفكر العقلاني لتتحرر.
يتبيّن من خلال الرواية أن الخلافات بين سامبا ولوسيين ليست خلافات شخصية، بل هي صراع وجودي؛ فلوسيين تريد لسامبا أن يتخلص من أوهامه الروحية ليكون رجلاً فاعلاً في المجتمع، لكن سامبا يرى أن التخلي عن هذه الروحانية بمثابة انتحار لهوييته.
وتعكس الرواية في أحد فصولها مشهد خلوة للشاب سامبا في قارب نهري مع صديقته لوسيان، حيث همّ بالفتاة وهمّت به، لولا أن تراءت له صورة شيخه لتنهاه عما هو بصدده، فينتهي. يعكس هذا المشهد معرفة دقيقة للكاتب الشيخ حميدو كان بالثقافة الإسلامية وبعمق التصوف الممتد على طول دول غرب إفريقيا؛ ذلك التصوف الراسخ الذي يغوص في الروح، ويعرف مقاصد الشريعة، ويلهج بحب الرسول ﷺ. وقد تنبّه إلى هذا الترابط الشيخ الراحل عبد الرحيم محمد وقيع الله «البرعي»، فذكر أهل السنغال ومحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم في قصيدته المشهورة «البوكسي» والتي يقول فيها:
«الأكحل الأمقال جاب حُبّو من سنغال».
عاد الشاب سامبا إلى بلاده ولكن بعد أن تلوثت أفكاره بالغرب، فأصبح مشتت الانتباه، ولم يعد قادراً على الصلاة بنفس الصفاء والنقاء القديم؛ فعقله المختلط بالمنطق الغربي صار يحلل حركات الصلاة وكلماتها بدلاً من أن يعيشها بروحانية. عدم التركيز هذا ربما كان الدافع وراء رفضه في نهاية الرواية للصلاة. وذلك حينما داعاه «المجنون» — وهو جندي إفريقي سابق شارك في حروب فرنسا في افريقيا وعاد فاقداً لعقله بسبب صدمة الحضارة المادية — دعاه للصلاة معه بجانب قبر شيخه فرفص. وخالَ المجنونُ أن سامبا قد خان شعبه ودينه وظنه ملحداً، فقتله بسكين، لتنتهي الرواية بهذا المشهد الدرامي المفجع.
تبرز الرواية عظم تأثير الغرب على الشرق، وصعوبة تناغم هذين العالمين داخل نفس بشرية واحدة. وهي تشابه في ذلك غيرها من الروايات ذائعة الصيت التي ناقشت معضلة الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، مثل رواية الروائي السوداني المشهور الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ حتى أن بعض النقاد في الأدب المقارن يعتبرون الروايتين «توأمين فكريين» يدرسان نفس المأساة من زاويتين مختلفتين، وإن كانت الأخيرة أكثر إثارة وصخباً. وكلتا الروايتين تتناولان ذات الفترة الزمنية التي شهدت بداية التحرر الإفريقي من نير الاستعمار، وتطلعات الشعوب المستقلة نحو التقدم والازدهار.
ففي «موسم الهجرة إلى الشمال»، يعود مصطفى سعيد بعد أن عاش في الغرب محملاً بروح الانتقام، كما يقول عن نفسه: «إنني قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ». لينتهي به المطاف بالعودة إلى أهله حاملاً الغرب معه في «الغرفة الخضراء» المعزولة في منزله، وتكون نهايته غامضة وغرقاً في النيل.
وفي رواية المغامرة الغامضة يرى بروتس والد لوسيان أن سامبا يمثل «النموذج الناجح لسياسة الاستيعاب الفرنسية». وفي موسم الهجرة يقول رئيس المحكمة الانجليزية للمتهم مصطفى سعيد ، «مستر سعيد، بعد كل الجهود التي بذلناها في تعليمك، تتصرف كأنك خرجت من الغابة للتو». فالروايتان تتناولان موضوع الصراع الحضاري بين الشرق والغرب، وتعكسان صعوبة الجمع بينهما دون تشويه، وأبطالهما ساقتهم الأقدار للعيش في الغرب، وتعلّم علومه، والتعايش مع ما يمثله من تحدٍّ ومصادمة للبيئة التي نشأ فيها الإنسان الشرقي. وتبرز الروايتان المعضلة الأزلية للشعوب المستضعفة: كيف ننفتح على العالم الحديث ونمتلك أدوات العصر دون أن نفقد هويتنا وأصالتنا؟
ولكننا في عالم اليوم، نرى الغرب يغزونا في عقر دارنا. ولم يعد هذا الغزو يصيب أفراداً نخبويين أو متميزين في الدراسة فحسب، بل يكاد يدخل كل بيت مع انتشار الإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. لا شك أننا نعاني اليوم من تحديات أكبر للحفاظ على هويات أجيالنا القادمة من الاستلاب المعرفي، والذوبان في خضم الحضارة الغربية ذات السيل العارم الذي يغزو شبابنا كل يوم بكل ما هو جديد.




