
جولة في كتاب
رواية ( شرقي عدن ) الكاتب الأمريكي جون شتاينبك East of Eden by John Steinbeck

بقلم عبدالله مرير
ملحمة عائلية تمتد عبر أجيال متعددة، تستكشف الصراع الأزلي بين الخير والشر من خلال عائلتين في وادي ساليناس الخصيب بولاية كاليفورنيا. نشرت لأول مرة عام 1952 في اللغة الأصلية الإنكليزية الأمريكية، وأول اقتباس للرواية على الشاشة في عام 1955، بينما تعرض الآن على الشاشة في عام 2026 وهي أحدث الاقتباسات التلفزيونية الصادرة على امتداد سبع حلقات.
مكان الأحداث:
تدور أحداث رواية (شرق عدن) للكاتب جون شتاينبيك بشكل أساسي في وادي ساليناس بوسط كاليفورنيا، وذلك في الفترة الممتدة بين مطلع القرن العشرين ونهاية الحرب العالمية الأولى. وتُشكّل هذه المنطقة الزراعية الخصبة مسرحاً تتشابك فيه حيوات عائلتي (تراسك) و(هاميلتون)، حيث تعكس صراعاتهما الممتدة عبر الأجيال القصة التوراتية لقابيل وهابيل.
ملخص:
عائلة هاميلتون وعائلة تراسك هاجرتا إلى وادي ساليناس في كاليفورنيا. كانت عائلة هاميلتون فقيرة وتعيش على أرض قاحلة وجافة، في حين كان آدم تراسك وزوجته كاثي يتمتعان بالثراء بفضل الميراث، ويعيشان في أرض خصبة غنية تتوفر فيها المياه بوفرة. غير أن ثراء عائلة تراسك المادي كان يقابله فقر أخلاقي؛ فقد وُلدت كاثي تراسك بلا ضمير، ورغم حب آدم لها، إلا أنه كان غافلاً عن طبيعتها الشريرة. لم تتزوجه إلا لأن ذلك كان يخدم مصالحها في تلك الفترة، ولكن بعد أن أنجبت منه توأم، كاليب وآرون، تتخلى كاثي عن عائلتها تاركةً آدم ليتولى تربية الولدين بمفرده بعد أن أطلقت النار على كتفه وهجرته. ومع تقدمهما في العمر، تمتد هذه الملحمة الواسعة عبر أجيال متعددة، مستحضرةً أصداء القصة التوراتية لقابيل وهابيل، حيث تتصارع الشخصيات مع قضايا تتعلق بالانحطاط الأخلاقي، والحب، والقبول، والنزوع نحو تدمير الذات حيث يجسد كاليب وآرون الطبيعتين المتناقضتين لقابيل وهابيل؛ إذ تصطدم روح كاليب المتمردة بطبيعة آرون الفاضلة.
غيّرت كاثرين اسمها إلى (كيت) وشقت طريقها صعوداً في أحد بيوت الدعارة بمدينة ساليناس. ويُبرز هذا التباين بين سكون الريف ورذيلة المدينة استكشافَ شتاينبيك لازدواجية الطبيعة البشرية والصراع الأزلي بين الخير والشر. وقد تلاعبت كاثرين ببراعة فائقة بمالكة البيت، ( فاي)، لدرجة أن الأخيرة أوصت بملكيتها للبيت وممتلكاتها كافة لكاثرين. ثم عمدت كاثرين إلى تسميم (فاي) ببطء، وبعد وفاتها، استولت على العمل التجاري، لتصبح مالكةً لأكثر بيوت الدعارة انحطاطاً وفساداً في ساليناس بأسرها.
الموضوعات:
الخير والشر والروح البشرية:
الصراع بين الخير والشر؛ إذ يتصارع الأشرار مع الأخيار، وتتصارع الرأفة مع القسوة، وتتعارض نوايا المرء الطيبة باستمرار مع نزواته الدنيئة والفاسدة. ويشير شتاينبيك إلى أن هذا الصراع بين الخير والشر هو ما يمنحنا إنسانيتنا؛ بل إن انتصار الروح البشرية وخلاصها يكمنان في خوض هذا الصراع. تُعد كاثرين تراسك تجسيداً للشر المطلق؛ فقد وُلدت كاثي وهي تفتقر إلى أي محاكمة أخلاقية لأفعالها حيث لا تجيد سوى المكر والتسبب بالألم والذعر لمن حولها.
الدين والأسطورة وقوة السرد القصصي:
تستمد رواية (شرق عدن) اسمها ومسار أحداثها العام من القصة التوراتية لابني آدم، قابيل وهابيل؛ إذ يعتقد قابيل أن الله يُفضّل أخاه هابيل عليه في المحبة، لأن الله يتقبل قربان هابيل ويرفض قربان قابيل. وحينئذٍ، يقتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغضب والغيرة، فيُعاقبه الله بنفيه إلى منطقة (شرق عدن). وتتناول الرواية مراراً موضوعي الدين والأسطورة بوصفهما شكلاً من أشكال السرد القصصي.
الحب والسعي لنيل القبول, العائلة والحب والوحدة:
تتمحور رواية (شرق عدن) حول العائلات؛ إذ تشكل قضايا الزواج، والأبوة، وتعاقب الأجيال، والميراث، والتنافس بين الأشقاء جوهر الصراع في الكتاب. وتكمن وراء كل هذه الصراعات فكرة متكررة مفادها أنه لا وجود للحب دون ألم ورفض ووحدة. وتتضمن الرواية العديد من الخطوط الدرامية الفرعية التي تتناول حب الوالدين والأبناء؛ فالأبناء ينشدون الحب من آبائهم، والآباء ينشدونه من أبنائهم. يشعر «تشارلز» بغضب عارم لأن والده يحب شقيقه آدم أكثر منه.
ثنائية الطبيعة البشرية والصراع المستمر بين الخير والشر.
أوجه التشابه مع القصة قابيل وهابيل بالصيغة التوراتية.
النزعة إلى تدمير الذات
الشعور بالذنب والحرية
الخيار في التغلب على الخطيئة .
ديناميكيات الأسرة والصراعات بين الأجيال
الشخصيات:
آدم تراسك: بطل الرواية، الذي يستقر في وادي ساليناس مع زوجته كاثي.
كاثي أميس ( كيت ألبي): زوجة آدم، وهي عاهرة تعاني من اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (سيكوباتية) وتتخلى عن عائلتها.
كاليب «كال» تراسك: أحد ابني آدم التوأم، وهو متمرد ومضطرب.
آرون تراسك: الابن التوأم الآخر، وهو فاضل وطيب القلب.
لي: خادم أمريكي من أصل صيني يتسم بالحكمة، ويساعد في تربية التوأمين.
صموئيل هاميلتون: جار آدم، وهو مهاجر أيرلندي مبدع.
أبرا بيكون: حبيبة آرون، وتنتمي إلى عائلة ثرية.
سايروس تراسك: والد آدم.
تشارلز تراسك: شقيق آدم، الذي يهاجمه بدافع الغيرة.
ليزا هاميلتون: زوجة صموئيل.
ويل هاميلتون: ابن صموئيل، الذي يدخل في شراكة تجارية مع كال.
اللغة والاسلوب الأدبي في الرواية:
تزخر الرواية بعدد لا يحصى من المشاهد الفرعية وتصويرات الشخصيات التي تضفي ألواناً وظلالاً على القصة، وإن كانت لا تؤثر دائماً بشكل مباشر في مسار الحبكة.
كما يتميز أسلوب شتاينبيك في صياغة الحوار بطابع فريد؛ فهو حوار مقتضب ومباشر، يفتقر إلى عبارات الربط والتعليق التي عادة ما تُستخدم لتسهيل الانتقالات بين الجمل، كما يبدو في بعض الأحيان بسيطاً أو طفولياً في بنيته، مما يمنحه طابعاً عفوياً ومباشراً بشكل غير معتاد.
تبدو اللغة هنا وكأنها في حالة من المنفى، مطرودةً من جنة عدن الأصلية. ورغم أن رحلة العودة إلى حالة البراءة تبدو مستحيلة، إلا أنها تظل سعياً مصيرياً ذا أبعاد ملحمية.
على أعلى المستويات، تقدم رواية (شرق عدن) صراعاً ميلودرامياً بين الخير والشر؛ إذ يخبر آدم زوجته كاثي بأنها لا تكره الشر في الناس، بل تكره الخير الكامن فيهم والذي تعجز عن الوصول إليه. غير أن الأمر الأكثر لفتاً للانتباه هو تصوير الرواية للعلاقات الإنسانية وهي تتطور ببطء عبر الزمن، متشكلةً بفعل تداخلات معقدة بين القدر والاختيار.
يطرح السرد الطويل للرواية صراعات أزلية بين المرض والصحة -بالمعنى الأوسع لهذين المصطلحين- ودورات المرض والتعافي التي يمر بها البشر. وتتناسب وتيرة السرد البطيئة مع موضوع العمل؛ إذ تلعب بيئة كاليفورنيا دوراً أشبه بدور (الجوقة) في المسرحيات اليونانية: (مضى الصيف، وانحسر نهر ساليناس ليتوارى تحت الأرض أو يتجمع في برك خضراء عند أقدام الضفاف العالية…)
وهكذا، تتكشف حيوات شخصيات شتاينبيك على خلفية تاريخ إقليمي محدد، حيث يظل العقل البشري في حالة توازن مع النظم البيئية الأوسع للعالم الطبيعي. وتفيد التقارير بأن معظم مشاهد مسلسل (نتفليكس) قد صُوِّرت في نيوزيلندا؛ وسيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف سيقدم المسلسل أو كيف قد يشوّه عالم شتاينبيك الكاليفورني.
حقائق وآراء:
تُضفي البنية الأسطورية للرواية عليها طابعاً من الحتمية القدرية؛ إذ ينبع التوتر الجوهري في الكتاب من صراعٍ بين أنماط الحتمية وما يصفه شتاينبك -في تعليق مباشر آخر منه- بأنه «حرية العقل في اتخاذ أي مسار يشاء، دون توجيه.
يدعو شتاينبك صراحةً إلى ضرورة مناهضة أي فكرة أو دين أو حكومة تُقيّد الفرد أو تدمره. غير أن مفهومه لهذا الفرد الحر كان -في مفارقة باتت تتضح أكثر فأكثر للمؤرخين الثقافيين الذين يدرسون حقبة منتصف القرن العشرين مقيداً بشكل قاتل باعتبارات النوع الاجتماعي والعرق. ورغم أن الجالية الصينية في كاليفورنيا تؤدي دوراً محورياً في الرواية، إلا أن شتاينبك يصف الهنود في عبارة تبدو اليوم مثيرة للحرج- بأنهم (سلالة متدنية تفتقر إلى الطاقة والابتكار والثقافة؛ شعبٌ يقتات على اليرقات والجنادب والمحاريات، ويتسم بالكسل الذي يمنعه من الصيد البري أو صيد الأسماك.)
في الأصل أهدى جون شتاينبك الرواية إلى ابنيه الصغيرين توم وجون اللذين كانا يبلغان من العمر ست وأربع سنوات آنذاك.
اعتبر شتاينبك رواية (شرق عدن) أعظم أعماله الأدبية (التي تُعرف بـ (الماغنوم أوبوس)، وقال عنها: إنها تحتوي على كل ما تمكنت من تعلمه حول حرفتي أو مهنتي طوال تلك السنوات.
يُقال إن عائلة هاميلتون في الرواية مستوحاة من العائلة الحقيقية لجد شتاينبك لأمه..
يظهر جون شتاينبك في شبابه لفترة وجيزة داخل الرواية كشخصية ثانوية.
استُمد عنوان الرواية ( شرقي عدن ) من الاقتباس التوراتي: «فَخَرَجَ قَايِينُ مِنْ لَدُنِ الرَّبِّ وَسَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ، شرقي عدن.( سفر التكوين ).
تستكشف رواية «شرق عدن» أوجه تشابه عديدة بين شخصيتي «كال» و»آرون تراسك» وبين القصة التوراتية لقابيل وهابيل.
نبذة عن المؤلف:
وُلد شتاينبيك في ساليناس بولاية كاليفورنيا، وقضى سنوات تكوينه في وادي ساليناس الغني بالزراعة. التحق بجامعة ستانفورد بشكل متقطع بين عامي 1920 و1926، لكنه لم يحصل على شهادة جامعية؛ إذ ركّز اهتمامه على الكتابة، معتمداً في كسب عيشه غالباً على العمل اليدوي. وإلى جانب أعماله الروائية، شارك في إعداد دراسة عن الحياة البحرية في خليج كاليفورنيا بعنوان (بحر كورتيز 1941)، وعمل مراسلاً حربياً خلال الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام.
كان جون شتاينبيك (1902-1968) روائياً وصحفياً وكاتباً أمريكياً مرموقاً. اشتهر برواياته التي تصور حياة الطبقة العاملة والعمال المهاجرين في كاليفورنيا، حيث دأب على استكشاف موضوعات مثل المصاعب الاقتصادية، والظلم، والتعصب، والوحدة. وقد رسخت رواية (عناقيد الغضب) (1939) التي تتبع رحلة عائلة (جود) إبان موجة النزوح الجماعي الناجمة مكانته كصوت للمضهدين والمهمشين في أمريكا. ومن أبرز أعماله أيضا ( قصعة الغبار, عن الفئران والرجال، تورتيلا فلات، شارع المعلبات، اللؤلؤة وهذه الرواية ( شرقي عدن ) التي اعتبرها أعظم أعماله الأدبية.
تراجعت مكانة شتاينبيك في أوساط المثقفين أكثر فأكثر خلال السنوات القليلة التي سبقت وفاته عام 1968، وذلك بسبب تأييده لحرب فيتنام وعلاقته الوثيقة بالرئيس ليندون جونسون، الذي كانت شعبيته تتضاءل باطراد. ومع ذلك، يظل شتاينبيك شخصيةً بارزةً في تاريخ الأدب الأمريكي؛ إذ جمع بين عين الصحفي الراصدة للحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة، وبين حسٍّ فطريٍّ يدرك الآفاق المتعالية للمشاهد الطبيعية الأسطورية في أمريكا.
حاز شتاينبيك على جائزة بوليتزر وجائزة الكتاب الوطني عن رواية «عناقيد الغضب». وفي عام 1962، مُنح جائزة نوبل في الأدب تقديراً لـ «كتاباته الواقعية والخيالِيّة التي تجمع بين الفكاهة المتعاطفة والبصيرة الاجتماعية الثاقبة». ومع ذلك، واجه القرار انتقادات من بعض الأوساط الأدبية التي رأت أن أعماله لم ترقَ إلى هذا المستوى الرفيع، لكن المؤلف ردّ برقيّ وتواضع، مصرحاً بصراحة بأنه لا يعتقد أنه يستحق الجائزة. بعد ست سنوات من نيله هذا التكريم المرموق، توفي جون شتاينبيك إثر إصابته بمرض في القلب في منزله بمدينة نيويورك.




