ثقافة وفن

تعدد المسارب النقدية في تحليل النموذج الشعري: قراءة في قصيدة «حذف

د‭. ‬سامية‭ ‬الأفغاني

هذه‭ ‬هي‭ ‬القراءة‭ ‬الثانية‭ ‬التي‭ ‬أتوجّه‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬الشاعر‭ ‬والناقد‭ ‬الفلسطيني‭ ‬فراس‭ ‬حج‭ ‬محمد،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تأملتُ‭ ‬عمله‭ ‬النقدي‭ ‬الصادم‭ ‬‮«‬الفنتازيا‭ ‬الإسلامية‭- ‬ميتافيزيقيا‭ ‬السرد‭ ‬الإسلامي‮»‬،‭ ‬مفككة‭ ‬خطابه‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬خاصة‭ ‬مستعينة‭ ‬بنظريات‭ ‬‮«‬تحليل‭ ‬الخطاب‮»‬‭ ‬أتوقف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬قصيدته‭ ‬الجديدة‭ ‬‮«‬حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬أهم‭ ‬عنصر‭ ‬في‭ ‬الحكاية‮»‬‭. ‬وأود‭ ‬أن‭ ‬ألفت‭ ‬نظر‭ ‬القراء‭ ‬الكرام‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القصيدة‭ ‬لم‭ ‬تنشر،‭ ‬وإنما‭ ‬عرضها‭ ‬صاحبها‭ ‬عليّ‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحوار‭ ‬الممتد‭ ‬حول‭ ‬طروحاته‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬السرد‭ ‬والفنتازيا‭ ‬الإسلامية‭.‬

القصيدة‭:‬

حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬أهمّ‭ ‬عنصر‭ ‬في‭ ‬الحكاية

لا‭ ‬شيء‭ ‬يستحقّ‭ ‬أن‭ ‬يحدثَ‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬تنام‭ ‬معها

أن‭ ‬تعفّرها‭ ‬راضية‭ ‬في‭ ‬تراب‭ ‬الحديقة‭ ‬النائية

أن‭ ‬ترى‭ ‬الغبار‭ ‬على‭ ‬ركبتيها

تشبع‭ ‬من‭ ‬كأس‭ ‬نشوتها

تحذف‭ ‬الهمزة‭ ‬عامداً‭ ‬من‭ ‬‮«‬كأسها‮»‬‭ ‬

لتعيدها‭ ‬سيرتها‭ ‬الأولى

تراها‭ ‬ناهضةً‭ ‬تنفض‭ ‬عنها‭ ‬الغبار‭ ‬

ضاحكة‭ ‬تقول‭ ‬لك‭ ‬الحكاية‭ ‬مرّة‭ ‬أخرى‭ ‬وهي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬ركبتيها‭:‬

‮«‬أصبحتُ‭ ‬درّاجةً‭… ‬أصبحتُ‭ ‬سيارة‮»‬

وأنت‭ ‬تقول‭:‬

‮«‬أصبحتُ‭ ‬طعم‭ ‬وردتها‭… ‬وأصبتُ‭ ‬فيها‭ ‬انتباه‭ ‬رعشتها‮»‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬يستحقّ‭ ‬إذاً‭ ‬بعدها‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬ذاك‭ ‬الغبار‭ ‬ثانية‭ ‬على‭ ‬جانبيها

‭***‬

هي‭ ‬وحدها‭ ‬الآن‭ ‬تحدّثُ‭ ‬الإسبانَ‭… ‬تكتب‭ ‬عنكَ‭ ‬قصّتها

تستولد‭ ‬الذكرياتِ‭… ‬

الشخوصَ

تفلسفَ‭ ‬الحبكةَ‭ ‬الماضيةْ

وأنت‭ ‬الآن‭ ‬وحدك‭ ‬ههنا‭ ‬

تكتبُ‭ ‬هذي‭ ‬القصيدة‭ ‬عن‭ ‬طراوة‭ ‬اللحم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ربلتها

عن‭ ‬طعمها‭ ‬المرّ‭ ‬المحلّى‭ ‬في‭ ‬عزف‭ ‬آهتها

وتكاد‭ ‬تحصي‭ ‬الغبارَ‭ ‬

إيقاع‭ ‬نفضتها‭ ‬في‭ ‬هزّ‭ ‬قامتها

وتبثها‭ ‬عبر‭ ‬الأثير‭: ‬‮«‬بسيطة‮»‬

فكأنّها‭ ‬ولدتك‭ ‬في‭ ‬متنِ‭ ‬جملتها

‭***‬

هي‭ ‬هكذا‭ ‬الحكايات‭ ‬يا‭ ‬صاحبي

أثقلت‭ ‬كاهليكَ‭ ‬بنار‭ ‬رحمتها

طرفان‭ ‬فعلاً‭ ‬ماضياً‭ ‬

والفاعل‭ ‬المجهول‭ ‬يبني‭ ‬من‭ ‬ضباب‭ ‬الأفق‭ ‬حكمته‭ ‬الباردةْ

عزاؤك

الشيءُ‭ ‬الوحيدْ

في‭ ‬خلع‭ ‬برنسها‭…‬

القراءة‭ ‬النقدية‭:‬

ينتمي‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬النصوص‭ ‬المركبة‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬من‭ ‬الظاهر‭ ‬الإيروتيكي‭ ‬المباشر‭ ‬عتبة‭ ‬نصية‭ ‬أولى‭ ‬لولوج‭ ‬عوالم‭ ‬وجودية‭ ‬ولغوية‭ ‬أكثر‭ ‬عمقا‭ ‬وتعقيدا،‭ ‬فلا‭ ‬يكتفي‭ ‬النص‭ ‬برصد‭ ‬اللحظة‭ ‬الحميمية‭ ‬أو‭ ‬توثيق‭ ‬تجربة‭ ‬عاطفية‭ ‬ذاتية،‭ ‬بل‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لمساءلة‭ ‬أدوات‭ ‬التدوين‭ ‬الشعري‭ ‬ذاتها،‭ ‬ومراجعة‭ ‬أنساق‭ ‬السلطة‭ ‬الذكورية‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الغزلي‭ ‬العربي‭ ‬الموروث،‭ ‬وكشف‭ ‬آليات‭ ‬الإدراك‭ ‬المادي‭ ‬للجسد‭ ‬والمكان‭.‬

لتفكيك‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية‭ ‬واستغوار‭ ‬طبقاتها‭ ‬الدلالية‭ ‬والمفهومية،‭ ‬تتأسس‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬على‭ ‬مقترح‭ ‬نقدي‭ ‬موسع‭ ‬ثلاثي‭ ‬المسارب،‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬المناهج‭ ‬النقدية‭ ‬التحليلية‭ ‬دون‭ ‬الوقوف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الوصف‭ ‬الظاهري‭ ‬أو‭ ‬الانغلاق‭ ‬الشكلي‭:‬

يمتد‭ ‬المسرب‭ ‬الأول‭ ‬عبر‭ ‬الأسلوبية‭ ‬التفكيكية‭ ‬واللسانيات‭ ‬النصية،‭ ‬حيث‭ ‬يهتم‭ ‬برصد‭ ‬الانزياحات‭ ‬الصوتية‭ ‬والتركيبية،‭ ‬واستكشاف‭ ‬كيفية‭ ‬تحول‭ ‬المقولات‭ ‬النحوية‭ ‬والبلاغية‭ ‬من‭ ‬أطر‭ ‬تقنين‭ ‬معيارية‭ ‬صارمة‭ ‬إلى‭ ‬استعارات‭ ‬كبرى‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الرؤية‭ ‬الشعرية‭ ‬وتفكيك‭ ‬الهيمنة‭ ‬المؤسسية‭ ‬للغة،‭ ‬بينما‭ ‬يتكئ‭ ‬المسرب‭ ‬الثاني‭ ‬على‭ ‬طروحات‭ ‬‮«‬النقد‭ ‬الثقافي‮»‬‭ ‬عند‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الغذامي،‭ ‬لمكاشفة‭ ‬الأنساق‭ ‬المضمرة‭ ‬التي‭ ‬تتوارى‭ ‬خلف‭ ‬الجماليات‭ ‬الظاهرة،‭ ‬وتتبع‭ ‬كيفية‭ ‬تقويض‭ ‬النص‭ ‬لمركزيّة‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬الفحل‮»‬‭ ‬والجملة‭ ‬الثقافية‭ ‬السائدة،‭ ‬تحولا‭ ‬بالأنثى‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المفعول‭ ‬به‭ ‬والموضوع‭ ‬المستملك‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الذات‭ ‬المنشئة‭ ‬والمستولدة‭ ‬للنص‭ ‬والفلسفة‭.‬

أما‭ ‬المسرب‭ ‬الثالث‭ ‬فيلتقط‭ ‬البعد‭ ‬الظاهراتي‭ (‬الفينومينولوجي‭) ‬والوجودي،‭ ‬مستندا‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ (‬موريس‭ ‬ميرلو‭-‬بونتي‭) ‬حول‭ ‬‮«‬فينومينولوجيا‭ ‬الإدراك‮»‬‭ ‬و»الجسد‭ ‬المعيش‮»‬‭ (‬Le corps vécu‭) ‬واستعادة‭ ‬‮«‬لحم‭ ‬العالم‮»‬‭ (‬La chair du monde‭)‬،‭ ‬لرصد‭ ‬كيفية‭ ‬تحول‭ ‬التراب‭ ‬والغبار‭ ‬والتماس‭ ‬الجسدي‭ ‬إلى‭ ‬وثائق‭ ‬معرفية‭ ‬تؤسس‭ ‬للوجود‭ ‬المادي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وتكشف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬اغتراب‭ ‬الذات‭ ‬الحديثة‭ ‬وانشطارها‭ ‬بين‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الملموسة‭ ‬والمنافي‭ ‬الأثيرية‭.‬

أولاً‭: ‬المسرب‭ ‬الأسلوبي‭ ‬واللغوي

أ‭- ‬الفونوتيقيا‭ ‬التفكيكية‭:‬

ينطلق‭ ‬الاشتغال‭ ‬الأسلوبي‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬بؤرة‭ (‬فونوتيقية‭) ‬ولغوية‭ ‬صريحة،‭ ‬يمارس‭ ‬فيها‭ ‬الشاعر‭ ‬فعلا‭ ‬تفكيكيا‭ ‬واعيا‭ ‬لذات‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬بها‭:‬‭ ‬‮«‬تحذف‭ ‬الهمزة‭ ‬عامدا‭ ‬من‭ ‬‹كأسها›‭ / ‬لتعيدها‭ ‬سيرتها‭ ‬الأولى‮»‬،‭ ‬تُعدّ‭ ‬الهمزة‭ ‬في‭ ‬النطاق‭ ‬الفونوتيقي‭ ‬واللساني‭ ‬صوتا‭ ‬حنجريا‭ ‬انفجاريا‭ ‬مجهورا،‭ ‬يتطلب‭ ‬نطقها‭ ‬إغلاقا‭ ‬تاما‭ ‬للمزمار‭ ‬ثم‭ ‬انفراجاً‭ ‬مفاجئا‭ ‬للهواء،‭ ‬مما‭ ‬يحدث‭ ‬قطعا‭ ‬نطقيا‭ ‬حادا‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬الصوت،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ،‭ ‬فإن‭ ‬الهمزة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التقعيدية‭ ‬العربية‭ ‬ترمز‭ ‬إلى‭ ‬قيود‭ ‬المعيارية‭ ‬الصلبة‭ ‬والأطر‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬المؤسسة‭ ‬اللغوية‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬سيولة‭ ‬التعبير‭ ‬الشفاهي‭ ‬التلقائي‭.‬

إن‭ ‬فعل‭ ‬حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬هنا‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬انزياح‭ ‬إملائي‭ ‬وتخفيف‭ ‬عامي‭ (‬تحويل‭ ‬‮«‬كأسها‮»‬‭ ‬المهموزة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬كاسها‮»‬‭ ‬الممدودة‭) ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬جمالي‭ ‬وفلسفي‭ ‬واعٍ،‭ ‬فالشاعر‭ ‬يمارس‭ ‬تقويضا‭ ‬أسلوبيا‭ ‬للسطوة‭ ‬النحوية‭ ‬بغية‭ ‬استعادة‭ ‬‮«‬السيرة‭ ‬الأولى‮»‬‭ ‬للفظ‭ ‬والتجربة‭ ‬معا،‭ ‬والسيرة‭ ‬الأولى‭ ‬هنا‭ ‬إحالة‭ ‬إبستمولوجية‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الشفافية،‭ ‬والسيولة‭ ‬النطقية،‭ ‬والطرواة‭ ‬البدائية‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬تكبيل‭ ‬الإنسان‭ ‬ولغته‭ ‬بقواعد‭ ‬الصرف‭ ‬وأغلال‭ ‬المعيار،‭ ‬فالهمزة‭ ‬تجسد‭ ‬الفصل‭ ‬والقطع‭ ‬الجاف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يمنح‭ ‬حذفها‭ ‬اللفظ‭ ‬جريانا‭ ‬صبيانيا‭ ‬ينهمر‭ ‬بسلاسة‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬طراوة‭ ‬النشوة‭ ‬والالتحام‭ ‬الحسي،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الفعل‭ ‬اللغوي‭ ‬مرآة‭ ‬مطابقة‭ ‬تماما‭ ‬للفعل‭ ‬الوجودي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬الحواجز‭ ‬والموانع‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ب‭- ‬أنسنة‭ ‬الميكانيكا‭ ‬واللعب‭ ‬الدلالي‭:‬

يتكسر‭ ‬البناء‭ ‬الغزلي‭ ‬التقليدي‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬التشبيهات‭ ‬الاستعارية‭ ‬الموروثة‭ ‬من‭ ‬البيئة‭ ‬البدوية‭ (‬كالمها،‭ ‬والأقمار،‭ ‬والغصون‭) ‬عبر‭ ‬إقحام‭ ‬مفردات‭ ‬تقنية‭ ‬وعصرية‭ ‬سريعة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحوار‭ ‬الحميمي‭ ‬الشفيف،‭ ‬ويتجلى‭ ‬هذا‭ ‬الانزياح‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬إذ‭ ‬تعبّر‭ ‬الأنثى‭ ‬ضاحكة‭ ‬وهي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬آثار‭ ‬التراب‭: ‬‮«‬أصبحتُ‭ ‬درّاجة‭… ‬أصبحتُ‭ ‬سيارة‮»‬،‭ ‬فيجيبها‭ ‬الشاعر‭ ‬بتمثّل‭ ‬وجداني‭ ‬حسي‭: ‬‮«‬أصبحتُ‭ ‬طعم‭ ‬وردتها‭… ‬وأصبتُ‭ ‬فيها‭ ‬انتباه‭ ‬رعشتها‮»‬‭.‬

يمثل‭ ‬هذا‭ ‬التبادل‭ ‬انزياحا‭ ‬دلاليا‭ ‬حادا‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬حركية‭ ‬الآلة‭ ‬السريعة‭ ‬وعفوية‭ ‬اللعب‭ ‬البكر،‭ ‬فالدرّاجة‭ ‬والسيارة‭ ‬هنا‭ ‬يستدعيان‭ ‬دلالات‭ ‬السرعة،‭ ‬والانطلاق،‭ ‬والاندفاع‭ ‬الخالي‭ ‬من‭ ‬التعقيد،‭ ‬حيث‭ ‬يتحول‭ ‬تراب‭ ‬الحديقة‭ ‬العالق‭ ‬بالركبتين‭ ‬من‭ ‬علامة‭ ‬اتساخ‭ ‬مادي‭ ‬إلى‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬واللعب،‭ ‬ويتفاعل‭ ‬الشاعر‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التداعي‭ ‬التقني‭ ‬عبر‭ ‬أسلوبية‭ ‬المقابلة‭ ‬الحسية؛‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقابل‭ ‬الآلة‭ ‬بآلة،‭ ‬بل‭ ‬يستجيب‭ ‬بلغة‭ ‬التذوق‭ ‬والانتباه‭ ‬الشديد‭ ‬‮«‬طعم‭ ‬وردتها‮»‬،‭ ‬‮«‬انتباه‭ ‬رعشتها‮»‬،‭ ‬مما‭ ‬يحول‭ ‬السرعة‭ ‬الميكانيكية‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬إدراك‭ ‬حسي‭ ‬مكثف‭ ‬للرعشة‭ ‬الحيوية‭.‬

ج‭- ‬النحو‭ ‬المستعار‭:‬

لا‭ ‬يقف‭ ‬التناص‭ ‬مع‭ ‬اللغة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الصوت‭ ‬والمفردة،‭ ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬المصطلحات‭ ‬النحوية‭ ‬والصرفية‭ ‬وتوظيفها‭ ‬بوصفها‭ ‬أطرا‭ ‬مفاهيمية‭ ‬تفسر‭ ‬القدر‭ ‬والعاطفة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يتضح‭ ‬هذا‭ ‬الاشتغال‭ ‬البنيوي‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬طرفان‭ ‬فعلا‭ ‬ماضيا‭ / ‬والفاعل‭ ‬المجهول‭ ‬يبني‭ ‬من‭ ‬ضباب‭ ‬الأفق‭ ‬حكمته‭ ‬الباردةْ‮»‬‭.‬

يتجرد‭ ‬النحو‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬وظيفته‭ ‬التقنينية‭ ‬المعزولة‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬وعاء‭ ‬استعاري‭ ‬كلي‭ ‬يستوعب‭ ‬انقضاء‭ ‬اللحظة‭ ‬واكتمالها؛‭ ‬فالطرفان‭ ‬المتلاحمان‭ ‬يتحولان‭ ‬مجتمعين‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬فعل‭ ‬ماضٍ‮»‬،‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬أسلوبية‭ ‬على‭ ‬حتمية‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتاريخ‭ ‬بجلوس‭ ‬اللحظة‭ ‬في‭ ‬طيات‭ ‬الانقضاء،‭ ‬أما‭ ‬القوة‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬الحاكمة‭ ‬للزمن‭ ‬والغياب‭ ‬فيُعبر‭ ‬عنها‭ ‬بالفاعل‭ ‬المجهول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحيل‭ ‬إلى‭ ‬القدر‭ ‬النافذ‭ ‬الذي‭ ‬ينحت‭ ‬عزاءاته‭ ‬الباردة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬رغبات‭ ‬الذات،‭ ‬هذا‭ ‬الإسقاط‭ ‬للمقولات‭ ‬التركيبية‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬العاطفية‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬مسرح‭ ‬لنقل‭ ‬الأحداث،‭ ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬التي‭ ‬يُصنع‭ ‬منها‭ ‬المصير‭ ‬وتُبنى‭ ‬داخلها‭ ‬التجربة‭ ‬الوجودية‭.‬

ثانياً‭: ‬المسرب‭ ‬النقد‭-‬ثقافي

أ‭- ‬تفكيك‭ ‬مركزية‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬الفحل‮»‬‭:‬

يتأسس‭ ‬مشروع‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬عند‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الغذامي‭ ‬على‭ ‬فحص‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ (‬Cultural Formats‭) ‬والمضمرة‭ ‬منها‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتوارى‭ ‬خلف‭ ‬الجماليات‭ ‬البلاغية‭ ‬لتكرس‭ ‬سلطة‭ ‬المؤسسة‭ ‬البطريركية،‭ ‬وتضخم‭ ‬مركزية‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬الفحل‮»‬‭ ‬المالك‭ ‬للغة‭ ‬والجسد‭ ‬والسرد،‭ ‬وفي‭ ‬التراث‭ ‬الشعري‭ ‬العربي،‭ ‬يقوم‭ ‬النسق‭ ‬الغزلي‭ ‬في‭ ‬أغلبه‭ ‬على‭ ‬صدارة‭ ‬الشاعر‭ ‬الذكر‭ ‬بوصفه‭ ‬الذات‭ ‬الكاتبة‭ ‬والفاعلة‭ ‬والمسيطرة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تُعامل‭ ‬الأنثى‭ ‬بوصفها‭ ‬موضوعا‭/ ‬مفعولا‭ ‬به،‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬النطاق‭ ‬الجمالي‭ ‬أو‭ ‬الشهواني‭ ‬المجرد‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬الثقافية‭ ‬لقصيدة‭ ‬‮«‬حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬أهمّ‭ ‬عنصر‭ ‬في‭ ‬الحكاية‮»‬‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬انكسار‭ ‬حاد‭ ‬ومباشر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬الثقافية‭ ‬الموروثة،‭ ‬يتجلى‭ ‬هذا‭ ‬التقويض‭ ‬النسقي‭ ‬في‭ ‬السطر‭ ‬الشعري‭ ‬المفصلي‭: ‬‮«‬فكأنّها‭ ‬ولدتك‭ ‬في‭ ‬متنِ‭ ‬جملتها‮»‬،‭ ‬الشاعر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يستعرض‭ ‬سلطته‭ ‬الكاتبة،‭ ‬ولا‭ ‬يتغنى‭ ‬بامتلاكه‭ ‬للأنثى،‭ ‬بل‭ ‬يمارس‭ ‬تجريدا‭ ‬واعيا‭ ‬لذاته‭ ‬من‭ ‬عرش‭ ‬الفحولة‭ ‬النصية‭ ‬والولادة‭ ‬التكوينية،‭ ‬فالأنثى‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬يكتبه‭ ‬الشاعر،‭ ‬لتغدو‭ ‬‮«‬الجملة‭/ ‬الذات‭ ‬المنشئة‮»‬‭ ‬والأصل‭ ‬التكويني‭ ‬الذي‭ ‬يتخلق‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬متنها،‭ ‬إن‭ ‬فعل‭ ‬الولادة‭ ‬النصية‭ ‬والوجودية‭ ‬ينتقل‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬الطرف‭ ‬الأنثوي،‭ ‬ليتحول‭ ‬الشاعر‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬مولود‭ ‬لغويا‭ ‬وموضوعا‭ ‬تتخطفه‭ ‬صيغها‭ ‬الكلامية،‭ ‬مما‭ ‬يشكل‭ ‬زحزحة‭ ‬جذرية‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬الفحل‭ ‬الصانع‭ ‬للنص‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬‮«‬الأمومة‭ ‬اللغوية‭ ‬التأسيسية‮»‬‭.‬

ب‭- ‬الأنثى‭ ‬بوصفها‭ ‬الذات‭ ‬المفكرة‭ ‬والمؤرخة‭ ‬مقابل‭ ‬انكفاء‭ ‬الذكر‭:‬

تتعمق‭ ‬هذه‭ ‬المزاحمة‭ ‬النسقية‭ ‬عبر‭ ‬تفكيك‭ ‬ثنائية‭ (‬الذكر‭ ‬المتكلم‭/ ‬الأنثى‭ ‬الصامتة‭)‬؛‭ ‬إذ‭ ‬يُسند‭ ‬النص‭ ‬للأنثى‭ ‬سلطة‭ ‬السَّفَر،‭ ‬والتدوين،‭ ‬والتأريخ،‭ ‬والفلسفة،‭ ‬مقابل‭ ‬انكفاء‭ ‬الذات‭ ‬الذكورية‭ ‬واستسلامها‭ ‬للعزلة‭ ‬المكانية‭ ‬والتذكر‭ ‬الحسي‭ ‬المحدود،‭ ‬يتبدى‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬المقارنة‭ ‬النصية‭ ‬التالية‭:‬

‮«‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬الآن‭ ‬تحدّثُ‭ ‬الإسبانَ‭… ‬تكتب‭ ‬عنكَ‭ ‬قصّتها

تستولد‭ ‬الذكرياتِ‭… ‬الشخوصَ

تفلسفَ‭ ‬الحبكةَ‭ ‬الماضيةْ

وأنت‭ ‬الآن‭ ‬وحدك‭ ‬ههنا

تكتبُ‭ ‬هذي‭ ‬القصيدة‭ ‬عن‭ ‬طراوة‭ ‬اللحم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ربلتها‮»‬‭.‬

تُظهر‭ ‬المقارنة‭ ‬النقدية‭ ‬بين‭ ‬موقعي‭ ‬الذات‭ ‬الذكورية‭ ‬والأنثوية‭ ‬حجم‭ ‬الانقلاب‭ ‬الراديكالي‭ ‬في‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬التقليدية‭ ‬داخل‭ ‬النص؛‭ ‬إذ‭ ‬تتخلّى‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬عن‭ ‬أدوار‭ ‬الانحسار‭ ‬والتبعية‭ ‬التاريخية‭ ‬لتتصدّر‭ ‬المشهد‭ ‬بالانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي‭ ‬والتواجد‭ ‬في‭ ‬المنافي‭ ‬‮«‬إسبانيا‮»‬‭ ‬ومخاطبة‭ ‬الآخر‭ ‬الثقافي‭ ‬‮«‬تحدّث‭ ‬الإسبان‮»‬،‭ ‬متجاوزة‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬ينكفئ‭ ‬داخلها‭ ‬الصوت‭ ‬الذكوري‭ ‬ويعتزل‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬الضيّق‭ ‬‮«‬وحدك‭ ‬ههنا‮»‬‭. ‬

ولا‭ ‬يقف‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الحركة‭ ‬الجغرافية‭ ‬والاتصال‭ ‬المباشر‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الجديد‭ ‬مقابل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذكوري‭ ‬بالتراسل‭ ‬الافتراضي‭ ‬المعلّق‭ ‬عبر‭ ‬الأثير،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليمسّ‭ ‬جوهر‭ ‬الفعل‭ ‬النصي‭ ‬والمستوى‭ ‬المعرفي؛‭ ‬حيث‭ ‬تمارس‭ ‬الذات‭ ‬الأنثوية‭ ‬سلطة‭ ‬التدوين‭ ‬والاستيلاد‭ ‬النصي‭ ‬‮«‬تكتب‭ ‬عنك‭ ‬قصتها‮»‬،‭ ‬‮«‬تستولد‭ ‬الشخوص‮»‬‭ ‬وتخوض‭ ‬في‭ ‬التجريد‭ ‬الفكري‭ ‬والتفكيك‭ ‬المعرفي‭ ‬للتاريخ‭ ‬‮«‬تفلسف‭ ‬الحبكة‭ ‬الماضية‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يُختزل‭ ‬الدور‭ ‬الذكوري‭ ‬في‭ ‬تدوين‭ ‬هامشي‭ ‬يرتهن‭ ‬لتتبع‭ ‬الأثر‭ ‬الحسي‭ ‬المادي‭ ‬‮«‬تكتب‭ ‬هذي‭ ‬القصيدة‮»‬‭ ‬والاستغراق‭ ‬في‭ ‬التفاصيل‭ ‬المادية‭ ‬الدقيقة‭ ‬كإحصاء‭ ‬الغبار‭ ‬وتذكّر‭ ‬‮«‬طراوة‭ ‬اللحم‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬كليّة‭ ‬لأدوار‭ ‬الفعل‭ ‬والفاعلية‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

إن‭ ‬الأنثى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موضوعا‭ ‬للغزل‭ ‬أو‭ ‬جسدا‭ ‬يمتلكه‭ ‬الفحل،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬المؤرخ‭ ‬المالك‭ ‬للقصة،‭ ‬والمفكر‭ ‬الذي‭ ‬يتناول‭ ‬‮«‬الحبكة‭ ‬الماضية‮»‬‭ ‬بالنقد‭ ‬والفلسفة،‭ ‬بينما‭ ‬يتراجع‭ ‬الشاعر‭ ‬ليمارس‭ ‬دور‭ ‬المدوّن‭ ‬للأثر‭ ‬الحسي‭ ‬والتفاصيل‭ ‬الجسدية‭ ‬الغاربة‭.‬

ج‭- ‬انكسار‭ ‬المنظومة‭ ‬النسقية‭ ‬والتراجع‭ ‬أمام‭ ‬الفاعل‭ ‬المجهول‭:‬

يتسق‭ ‬هذا‭ ‬الانقلاب‭ ‬النسقي‭ ‬مع‭ ‬التطور‭ ‬الدرامي‭ ‬لختام‭ ‬القصيدة؛‭ ‬فالنص‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬بنغمة‭ ‬انتصار‭ ‬فلكلوري‭ ‬ذكوري‭ ‬ولا‭ ‬باستعراض‭ ‬للسطوة،‭ ‬بل‭ ‬باعتراف‭ ‬صريح‭ ‬بالهشاشة‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬الغياب‭ ‬المستمرة،‭ ‬فالطرفان‭ ‬صارا‭ ‬‮«‬فعلا‭ ‬ماضيا‮»‬،‭ ‬والشاعر‭ ‬يقف‭ ‬محايدا‭ ‬أمام‭ ‬حكم‭ ‬الشمولية‭ ‬التي‭ ‬يبنيها‭ ‬‮«‬الفاعل‭ ‬المجهول‮»‬،‭ ‬وتحول‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الامتلاك‭ ‬والسيطرة‭ ‬إلى‭ ‬عزاء‭ ‬يتيم‭ ‬يتبدى‭ ‬في‭ ‬‮«‬خلع‭ ‬برنسها‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬الخلع‭ ‬يتجرد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أبعاد‭ ‬الامتلاك‭ ‬الشهواني‭ ‬ليغدو‭ ‬إعلانا‭ ‬عن‭ ‬الانكشاف‭ ‬الوجودي‭ ‬المتبادل،‭ ‬وتراجعا‭ ‬تاما‭ ‬أمام‭ ‬هيمنة‭ ‬القدر‭ ‬والشعور‭ ‬بالغياب‭.‬

ثالثاً‭: ‬المسرب‭ ‬الفينومينولوجي

أ‭- ‬الجسد‭ ‬المعيش‭ ‬مقابل‭ ‬الجسد‭ ‬الموضوعي‭:‬

تعتمد‭ ‬الفلسفة‭ ‬الظاهراتية،‭ ‬كما‭ ‬ينظّر‭ ‬لها‭ (‬موريس‭ ‬ميرلو‭-‬بونتي‭) ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬العمدة‭ ‬‮«‬فينومينولوجيا‭ ‬الإدراك‮»‬،‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬الدقيق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الجسد‭ ‬الموضوعي‮»‬‭ (‬Le corps objectif‭) ‬بوصفه‭ ‬جثة‭ ‬أو‭ ‬آلة‭ ‬بيولوجية‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬وتخضع‭ ‬للمعاينة‭ ‬الخارجية،‭ ‬و»الجسد‭ ‬المعيش‮»‬‭ (‬Le corps vécu‭) ‬بوصفه‭ ‬الوسيط‭ ‬الإدراكي‭ ‬الأساسي‭ ‬والمركز‭ ‬الوجودي‭ ‬الذي‭ ‬يختبر‭  ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬العالم‭ ‬ويمتد‭ ‬في‭ ‬أبعاده‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬الظاهراتي،‭ ‬ينخرط‭ ‬النص‭ ‬الشعري‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬تجربة‭ ‬إدراكية‭ ‬مكثفة‭ ‬تعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للالتصاق‭ ‬بالمادة‭ ‬الحية‭:‬

‮«‬أن‭ ‬تعفّرها‭ ‬راضية‭ ‬في‭ ‬تراب‭ ‬الحديقة‭ ‬النائية

أن‭ ‬ترى‭ ‬الغبار‭ ‬على‭ ‬ركبتيها‭…‬

تشبع‭ ‬من‭ ‬كأس‭ ‬نشوتها‭…‬

تراها‭ ‬ناهضة‭ ‬تنفض‭ ‬عنها‭ ‬الغبار‮»‬‭.‬

إن‭ ‬‮«‬تراب‭ ‬الحديقة‮»‬‭ ‬و»الغبار‭ ‬العالق‭ ‬بالركبتين‮»‬‭ ‬ليسا‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬تفاصيل‭ ‬شوارعية‭ ‬أو‭ ‬آثار‭ ‬اتساخ‭ ‬طارئة،‭ ‬بل‭ ‬هما‭ ‬الشاهد‭ ‬المادي‭ ‬الملموس‭ ‬الذي‭ ‬يسجل‭ ‬حدوث‭ ‬الوجود‭ ‬وانعتاقه‭ ‬من‭ ‬العزلة‭ ‬الذهنية،‭ ‬فالإدراك‭ ‬الفينومينولوجي‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بالتجريد‭ ‬المثالي‭ ‬العقلاني،‭ ‬بل‭ ‬بالتماس‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الأرض؛‭ ‬والغبار‭ ‬ينقل‭ ‬اللحظة‭ ‬من‭ ‬التجريد‭ ‬الروحي‭ ‬إلى‭ ‬التجسد‭ ‬الفيزيائي‭ ‬الحاضر،‭ ‬إن‭ ‬تنفيض‭ ‬الغبار‭ ‬والضحك‭ ‬التلقائي‭ ‬يمثلان‭ ‬عودة‭ ‬صريحة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬ذاتها‮»‬‭ (‬Zu den Sachen selbst‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يتأكد‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬عبر‭ ‬التفاعل‭ ‬الجسدي‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬البيئة‭ ‬والمحيط‭.‬

ب‭- ‬‮«‬لحم‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬والوعي‭ ‬الحسي‭:‬

يستحضر‭ ‬الشاعر‭ ‬فراس‭ ‬حج‭ ‬محمد‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬لحم‭ ‬العالم‮»‬‭ (‬La chair du monde‭) ‬الذي‭ ‬طوره‭ (‬ميرلو‭-‬بونتي‭) ‬لتفكيك‭ ‬الثنائية‭ ‬الديكارتية‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬النفس‭ ‬والجسد،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬الذات‭ ‬المدرِكة‭ ‬والموضوع‭ ‬المدرَك،‭ ‬فالجسد‭ ‬لا‭ ‬يلاحظ‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نسيجه‭ ‬المادي،‭ ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬الحسية‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬الشاعر‭ ‬للأنثى‭:‬

‮«‬تكتبُ‭ ‬هذي‭ ‬القصيدة‭ ‬عن‭ ‬طراوة‭ ‬اللحم‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ربلتها

عن‭ ‬طعمها‭ ‬المرّ‭ ‬المحلّى‭ ‬في‭ ‬عزف‭ ‬آهتها

وتكاد‭ ‬تحصي‭ ‬الغبارَ

إيقاع‭ ‬نفضتها‭ ‬في‭ ‬هزّ‭ ‬قامتها‮»‬‭.‬

إن‭ ‬‮«‬طراوة‭ ‬اللحم‮»‬‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬استثارة‭ ‬شهوانية‭ ‬سطحية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬التماس‭ ‬المعرفي‭ ‬والمادي‭ ‬مع‭ ‬الخامة‭ ‬الحية‭ ‬للوجود،‭ ‬فالشاعر‭ ‬يدرك‭ ‬الجسد‭ ‬الأنثوي‭ ‬بوصفه‭ ‬امتدادا‭ ‬للعالم،‭ ‬ويتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الصوت‭ ‬‮«‬عزف‭ ‬آهتها‮»‬‭ ‬والتذوق‭ ‬‮«‬طعمها‭ ‬المر‭ ‬المحلّى‮»‬‭ ‬والإيقاع‭ ‬الحركي‭ ‬‮«‬إيقاع‭ ‬نفضتها‮»‬‭ ‬بوصفها‭ ‬ظواهر‭ ‬إدراكية‭ ‬متكاملة‭ ‬تملأ‭ ‬أفق‭ ‬الوعي،‭ ‬فالإدراك‭ ‬هنا‭ ‬يتجاوز‭ ‬النظر‭ ‬المجرد‭ ‬ليكون‭ ‬خبرة‭ ‬حواسية‭ ‬شاملة‭ ‬تدمج‭ ‬السمع‭ ‬باللمس‭ ‬والتذوق،‭ ‬ملغية‭ ‬الفواصل‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الوعي‭ ‬الذاتي‭ ‬والمادة‭ ‬الخارجية‭.‬

ج‭- ‬انشطار‭ ‬المكان‭ ‬والتواجد‭ ‬المزدوج‭:‬

يكشف‭ ‬النص‭ ‬عن‭ ‬مأساة‭ ‬وجودية‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬الذات‭ ‬الحديثة،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬الانشطار‭ ‬المكاني‭ ‬والوعي‭ ‬المتشظي‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭ ‬وجوديين‭ ‬متناقضين‭:‬

الأول‭ ‬هو‭ ‬جغرافيا‭ ‬التجسد‭ ‬المادي‭ ‬الملموس‭ ‬والالتحام‭ ‬الحسي؛‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬تراب‭ ‬الحديقة‭ ‬النائية،‭ ‬وطراوة‭ ‬اللحم،‭ ‬وعزف‭ ‬الآهة‭ ‬المباشر،‭ ‬والثاني‭ ‬هو‭ ‬جغرافيا‭ ‬التجريد‭ ‬والمنافي‭ ‬والأثير؛‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬الغربة‭ ‬المكانية‭ (‬إسبانيا‭)‬،‭ ‬وفلسفة‭ ‬الماضي،‭ ‬وبث‭ ‬الذكريات‭ ‬عبر‭ ‬الأثير‭.‬

يولّد‭ ‬هذا‭ ‬التقابل‭ ‬الفينومينولوجي‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬‮«‬التواجد‭ ‬المزدوج‮»‬‭ (‬Dual Presence‭)‬؛‭ ‬حيث‭ ‬تتواجد‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬المحلي‭ ‬المادي‭ ‬‮«‬وحدك‭ ‬ههنا‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬يرحل‭ ‬وعيها‭ ‬وإدراكها‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬أثيري‭ ‬معلق‭ ‬بين‭ ‬جغرافيا‭ ‬المنفى‭ ‬وذاكرة‭ ‬التراب‭ ‬الأول،‭ ‬ويغدو‭ ‬فعل‭ ‬التدوين‭ ‬الشعري‭ ‬محاولة‭ ‬يائسة‭ ‬لردم‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬المكانيّة،‭ ‬واستعادة‭ ‬غبار‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬عبر‭ ‬الكلمات‭ ‬المبثوثة‭ ‬عبر‭ ‬الأثير‭.‬

د،‭ ‬الاختزال‭ ‬الظاهراتي‭ (‬Epoché‭):‬

تصل‭ ‬القصيدة‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها‭ ‬الفينومينولوجية‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الختامية‭ ‬المكثفة‭:‬

‮«‬عزاؤك

الشيءُ‭ ‬الوحيدْ

في‭ ‬خلع‭ ‬برنسها‭…‬‮»‬

إن‭ ‬‮«‬البرنس‮»‬‭ ‬يمثل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬والأقنعة‭ ‬الحضارية،‭ ‬والأغلفة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تحجب‭ ‬الإنسان‭ ‬والجسد‭ ‬عن‭ ‬حقيقتهما‭ ‬البدائية‭ ‬الشفافة،‭ ‬ومن‭ ‬ثَمّ،‭ ‬فإن‭ ‬فعل‭ ‬‮«‬الخلع‮»‬‭ ‬يوازي‭ ‬تماما‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاختزال‭ ‬الظاهراتي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تعليق‭ ‬الحكم‮»‬‭ (‬Epoché‭ /‬Phenomenological Reduction‭) ‬عند‭ (‬هوسرل‭) ‬و‭(‬ميرلو‭-‬بونتي‭)‬؛‭ ‬أي‭ ‬تحييد‭ ‬كافة‭ ‬السرديات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والمسبّقات‭ ‬الذهنية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬النواة‭ ‬الصلبة‭ ‬للكينونة‭.‬

فالخلع‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬تجردا‭ ‬جثمانيا،‭ ‬بل‭ ‬خلعا‭ ‬للأقنعة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬والثقافية،‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬العاري‭ ‬الوجودي‭ ‬الشفاف؛‭ ‬حيث‭ ‬تسقط‭ ‬أوهام‭ ‬الامتلاك‭ ‬الفحولي،‭ ‬ويتبدد‭ ‬ضباب‭ ‬الأفق‭ ‬البارد،‭ ‬ليقف‭ ‬الإنسان‭ ‬مواجها‭ ‬قدره‭ ‬وعزلته‭ ‬وحيدا‭ ‬ونقيا،‭ ‬ممسكا‭ ‬بذاكرة‭ ‬التماس‭ ‬الأول‭ ‬بوصفها‭ ‬العزاء‭ ‬الوحيد‭ ‬المتبقي‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

رابعاً‭: ‬المقارنة‭ ‬التكاملية‭ ‬المدمجة‭ ‬بين‭ ‬المسارات

‭ ‬النقدية‭ ‬الثلاثة

تُفصح‭ ‬القراءة‭ ‬التركيبية‭ ‬للنص‭ ‬عن‭ ‬تلاحم‭ ‬وثيق‭ ‬بين‭ ‬التحول‭ ‬النسقي‭ ‬الشامل‭ ‬وتكامل‭ ‬أدوات‭ ‬التفكيك‭ ‬المنهجي؛‭ ‬إذ‭ ‬تجسد‭ ‬المقارنة‭ ‬النقدية‭ ‬بين‭ ‬موقعي‭ ‬الذات‭ ‬الذكورية‭ ‬والأنثوية‭ ‬انقلاباً‭ ‬راديكالياً‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الثقافية،‭ ‬حيث‭ ‬تنتقل‭ ‬الأنثى‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬التبعية‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الفاعلية‭ ‬عبر‭ ‬الانفتاح‭ ‬الجغرافي‭ ‬‮«‬إسبانيا‮»‬،‭ ‬وامتلاك‭ ‬سلطة‭ ‬التدوين‭ ‬والاستيلاد‭ ‬النصي‭ ‬‮«‬تستولد‭ ‬الشخوص‮»‬،‭ ‬وممارسة‭ ‬التفكيك‭ ‬المعرفي‭ ‬للتاريخ‭ ‬‮«‬تفلسف‭ ‬الحبكة‭ ‬الماضية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬انكفاء‭ ‬الذات‭ ‬الذكورية‭ ‬واحتجازها‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬المكان‭ ‬الضيق‭ ‬‮«‬وحدك‭ ‬ههنا‮»‬‭ ‬والاستغراق‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬الأثر‭ ‬الحسي‭ ‬المادي‭.‬

وقد‭ ‬جاء‭ ‬التكامل‭ ‬الأسلوبي‭ ‬والنقد‭-‬ثقافي‭ ‬والظاهراتي‭ ‬ليتتبع‭ ‬هذا‭ ‬الانقلاب‭ ‬في‭ ‬أصغر‭ ‬البنيات‭ ‬اللغوية‭ ‬وأعمقها؛‭ ‬ففي‭ ‬حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬‮«‬كاسها‮»‬‭ ‬التقاط‭ ‬للسيولة‭ ‬الصوتية‭ ‬أسلوبياً‭ ‬مع‭ ‬تقويض‭ ‬السلطة‭ ‬النحوية‭ ‬الأبوية‭ ‬ثقافياً‭ ‬واستعادة‭ ‬الشفافية‭ ‬الأولى‭ ‬ظاهراتياً،‭ ‬وفي‭ ‬مقولة‭ ‬‮«‬ولدتك‭ ‬في‭ ‬متن‭ ‬جملتها‮»‬‭ ‬تتآزر‭ ‬الأسلوبية‭ (‬التناص‭ ‬مع‭ ‬المقولات‭ ‬النحوية‭) ‬مع‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬كسر‭ ‬مركزية‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬الفحل‮»‬‭ ‬والظاهراتية،‭ ‬فتحقق‭ ‬الذات‭ ‬عبر‭ ‬الآخر‭ ‬وانبثاق‭ ‬الوعي‭ ‬من‭ ‬اللفظ‭ ‬لتأكيد‭ ‬انتقال‭ ‬مركز‭ ‬الخلق‭ ‬إلى‭ ‬الأنثى،‭ ‬كما‭ ‬يتأكد‭ ‬هذا‭ ‬التضافر‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬الانزياح‭ ‬الدلالي‭ ‬لمفردات‭ ‬الأرض‭ ‬والجسد‭ ‬‮«‬تراب‭ ‬الحديقة‮»‬‭ ‬لكسر‭ ‬الصورة‭ ‬البلاغية‭ ‬المثالية‭ ‬الغزلية‭ ‬وتوثيق‭ ‬‮«‬الجسد‭ ‬المعيش‮»‬،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬ختام‭ ‬النص‭ ‬عند‭ ‬‮«‬خلع‭ ‬برنسها‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تجسد‭ ‬فيه‭ ‬التكثيف‭ ‬الأسلوبي‭ ‬مع‭ ‬انكسار‭ ‬الجملة‭ ‬الثقافية‭ ‬وممارسة‭ ‬‮«‬الاختزال‭ ‬الظاهراتي‮»‬‭ (‬Epoché‭)‬،‭ ‬ليغدو‭ ‬النص‭ ‬بأكمله‭ ‬وثيقة‭ ‬نقدية‭ ‬تفكك‭ ‬الأنساق‭ ‬التقليدية‭ ‬وتُعيد‭ ‬صياغة‭ ‬الكينونة‭ ‬والوعي‭ ‬عبر‭ ‬مظاهرة‭ ‬منهجية‭ ‬ثلاثية‭ ‬الأبعاد‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭:‬

تكشف‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬أن‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬حذف‭ ‬الهمزة‭ ‬أهمّ‭ ‬عنصر‭ ‬في‭ ‬الحكاية‮»‬‭ ‬للشاعر‭ ‬فراس‭ ‬حج‭ ‬محمد‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعدّ‭ ‬نموذجا‭ ‬للشعرية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭ ‬السطحي‭ ‬لتتأمل‭ ‬أدوات‭ ‬إنتاجه‭ ‬وشروطه‭ ‬الوجودية‭ ‬والثقافية،‭ ‬فأثبت‭ ‬التحليل‭ ‬ثلاثي‭ ‬المسارب‭ ‬أن‭ ‬النص‭ ‬يمتلك‭ ‬جودة‭ ‬بنيوية‭ ‬وتماسكا‭ ‬فكريا‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬التضافر‭ ‬بين‭ ‬مستوياته‭ ‬اللغوية‭ ‬والثقافية‭ ‬والظاهراتية‭:‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الأسلوبي‭ ‬واللغوي،‭ ‬أظهر‭ ‬النص‭ ‬قدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الانزياح‭ ‬الفونوتيقي‭ ‬والمقولات‭ ‬النحوية‭ ‬لتفكيك‭ ‬المعيار‭ ‬المؤسسي‭ ‬الصارم‭ ‬واستعادة‭ ‬السيرة‭ ‬الأولى‭ ‬اللينة‭ ‬للتعبير‭ ‬الإنساني،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬النقد‭-‬ثقافي،‭ ‬حققت‭ ‬القصيدة‭ ‬خرقا‭ ‬راديكاليا‭ ‬للنسق‭ ‬الفحولي‭ ‬الموروث؛‭ ‬حيث‭ ‬جردت‭ ‬الشاعر‭ ‬الذكر‭ ‬من‭ ‬عرش‭ ‬‮«‬أنا‭ ‬الفحل‮»‬‭ ‬الصانع‭ ‬للنص‭ ‬والمحتكر‭ ‬للسلطة،‭ ‬ومنحت‭ ‬الأنثى‭ ‬موقع‭ ‬الذات‭ ‬المنشئة‭ ‬والمفكرة‭ ‬التي‭ ‬تولد‭ ‬الشاعر‭ ‬في‭ ‬متن‭ ‬جملتها‭ ‬وتؤرخ‭ ‬للتجربة‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الظاهراتي‭ ‬والوجودي،‭ ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬النص‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للجسد‭ ‬المعيش‭ ‬وتفاصيله‭ ‬المادية‭ ‬كالتراب‭ ‬والغبار‭ ‬والطراوة‭ ‬الحسية،‭ ‬بوصفها‭ ‬وثائق‭ ‬معرفية‭ ‬تضمن‭ ‬التحقق‭ ‬الكلي‭ ‬للكينونة‭ ‬وتواجه‭ ‬الاغتراب‭ ‬المكاني‭ ‬وتداعي‭ ‬الزمن،‭ ‬لتنتهي‭ ‬التجربة‭ ‬بفعل‭ ‬خلع‭ ‬البرنس‭ ‬بوصفه‭ ‬تجردا‭ ‬ظاهراتيا‭ ‬شاملا‭ ‬من‭ ‬الأقنعة‭ ‬الحضارية‭ ‬والمؤسسية،‭ ‬وانكشافا‭ ‬نقيا‭ ‬للإنسان‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬قدره‭ ‬وعزلاءه‭ ‬أمام‭ ‬زحف‭ ‬الغياب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق