ثقافة وفن

الفن يُؤسّس لجماليّات الخِفّة

‭ ‬سامي‭ ‬عمامي‭*‬

«‬الحياة‭ ‬هي‭ ‬عالم‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬والانتصارات،‭ ‬عالم‭ ‬تستطيع‭ ‬فيه‭ ‬الأحاسيس‭ ‬البطولية‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬رقصتها‭ ‬ومرحها‭… ‬الحياة‭ ‬كمبدأ‭ ‬تتطلّب‭ ‬أن‭ ‬نحيا‭ ‬بشجاعة،‭ ‬بل‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ ‬نحيا‭ ‬بمرح‭ ‬ونضحك‭ ‬بمرح‮»‬‭. ‬بهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬الوجودية‭ ‬النيتشوية‭ ‬للعالم‭ ‬نستطيع‭ ‬وبكلّ‭ ‬يُسر‭ ‬الولوجَ‭ ‬منذ‭ ‬الوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬مناخات‭ ‬الرسامة‭ ‬المصرية‭ ‬‮«‬إسراء‭ ‬زيدان‮»‬‭ ‬وعوالمها،‭ ‬حيث‭ ‬الشّاعريّة‭ ‬المرسومة‭ ‬بحكمة‭ ‬عفويّة‭ ‬لا‭ ‬تنافرَ‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬فنّ‭ ‬امتلك‭ ‬قدرةً‭ ‬رائعةً‭ ‬على‭ ‬ملامسة‭ ‬أرواحنا‭ ‬وإثارة‭ ‬مشاعرنا،‭ ‬فيشحننا‭ ‬غبطةً‭ ‬وسرورًا‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬فرادة‭ ‬وطرافة‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬شخصيّاتها‭ ‬‮«‬البدينة‮»‬‭. ‬إذ‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬نِسَب‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬وأشكال‭ ‬مستديرة‭ ‬وألوان‭ ‬جريئة‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬الأحلام،‭ ‬جارّةً‭ ‬إيّاها‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭. ‬فهي‭ ‬ترسم‭ ‬فكرتَها‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬المعتاد‭ ‬ومضاربه،‭ ‬وتتلاعب‭ ‬بالتقاليد‭ ‬الفنية‭ ‬والقيم‭ ‬الجمالية‭ ‬لتُشَيّد‭ ‬عوالمها‭ ‬السحريّة‭ ‬المزدحمة‭ ‬بواقعيّة‭ ‬حالمة‭. ‬وعلى‭ ‬نحو‭ ‬غريب‭ ‬تستحوذ‭ ‬علينا‭ ‬كائناتها‭ ‬وتبثّ‭ ‬فينا‭ ‬مشاعرهم‭ ‬وحالاتهم‭ ‬المزاجيّة‭ ‬المتعدّدة‭. ‬عوالم‭ ‬دافئة‭ ‬وحميمة‭ ‬تحمل‭ ‬المتلقّي‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بصريّة‭ ‬ولونيّة‭ ‬ملفتة‭. ‬جمالية‭ ‬طريفة‭ ‬محبوكة‭ ‬بدمج‭ ‬الشّكل‭ ‬والحركة‭ ‬والتكوين‭ ‬معًا‭. ‬إنّنا‭ ‬إزاء‭ ‬‮«‬فنّ‭ ‬يهب‭ ‬العين‭ ‬المتعة‭ ‬البريئة‮»‬‭.‬

لم‭ ‬تُرِدْ‭ ‬إسراء‭ ‬زيدان‭ ‬السّير‭ ‬على‭ ‬خطى‭ ‬المسار‭ ‬التجريدي‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الرسّامين‭ ‬الشّبّان،‭ ‬بل‭ ‬خيّرت‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬عوالم‭ ‬التمثيل،‭ ‬وحاولت‭ ‬أن‭ ‬تذهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مناخات‭ ‬مختلفة‭ ‬ومغايرة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تغادر‭ ‬حدود‭ ‬التشخيص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬صورها‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬اليومي‭ ‬المعاش‭. ‬تلتقطها‭ ‬بقلب‭ ‬عينها‭ ‬خالقةً‭ ‬لغةً‭ ‬بصريّةً‭ ‬شفّافةً‭ ‬ونابضةً‭ ‬ومشبعة‭ ‬بالعاطفة،‭ ‬لتَسْقط‭ ‬بعفوية‭ ‬تامة‭ ‬في‭ ‬شهوة‭ ‬‮«‬الأشكال‭ ‬الكاملة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تلبسها‭ ‬معنًى‭ ‬آخر‭ ‬وتفسيراتٍ‭ ‬خاصّةً‭ ‬أًسَرتْ‭ ‬بها‭ ‬جمهورها‭ ‬لتكون‭ ‬جسورَ‭ ‬تواصل‭ ‬حميمٍ‭ ‬وجدليٍّ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭. ‬فنحن‭ ‬فِعلًا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬جماليّات‭ ‬تنقذنا‭ ‬من‭ ‬رتابة‭ ‬السّائد‭ ‬والمألوف‭ ‬في‭ ‬تحدٍّ‭ ‬صارخ‭ ‬للذّوقِ‭ ‬العامّ‭.‬

اللون‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬

من‭ ‬الأمور‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬ارتكزت‭ ‬عليها‭ ‬إسراء‭ ‬زيدان‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تجربتها‭ ‬الفنية‭ ‬وتشكيلها‭ ‬سنجد‭ ‬قطْعًا‭ ‬عنصر‭ ‬اللّون‭ ‬المهيمن‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬بالمكانة‭ ‬الأكبر‭ ‬ويشكّل‭ ‬عامل‭ ‬جذب‭ ‬للمتلقّي‭ ‬لما‭ ‬يحتويه‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬غريبة‭ ‬على‭ ‬شدّ‭ ‬البصر،‭ ‬إذ‭ ‬يتحوّل‭ ‬اللون‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفكرة‭ ‬فيرسم‭ ‬ملامحها‭ ‬ويحدّد‭ ‬أطرها‭ ‬وحدودها‭. ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬الشّكل‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬إسلام‭ ‬فإنّ‭ ‬المعنى‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إلّا‭ ‬بدمجه‭ ‬مع‭ ‬تعبيريّة‭ ‬اللّون‭. ‬هكذا،‭ ‬حين‭ ‬يلتبس‭ ‬المعنى‭ ‬ويفشل‭ ‬المُشاهد‭ ‬في‭ ‬فهْمِ‭ ‬المنجز‭ ‬وتفكيك‭ ‬نسيجه،‭ ‬يلجأ‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬اللّون‭ ‬والإقامة‭ ‬فيه،‭ ‬فهو‭ ‬ملاذه‭ ‬الأخير‭ ‬لفكّ‭ ‬المقصد‭ ‬وتحليله‭ ‬ورفع‭ ‬الغموض‭ ‬واللّبس‭ ‬عن‭ ‬المعنى‭.‬

أمّا‭ ‬ظاهر‭ ‬الأمر‭ ‬فإنّ‭ ‬مجمل‭ ‬رسوماتها‭ ‬توحي‭ ‬بأنّها‭ ‬واضحةَ‭ ‬الدلالات‭ ‬والتشكيل،‭ ‬فهي‭ ‬لم‭ ‬تردْ‭ ‬يومًا‭ ‬الإيغال‭ ‬في‭ ‬الترميز‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬خيّرت‭ ‬المضيّ‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التشخيص‭ ‬المباشر‭ ‬الذي‭ ‬يخاطب‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬سقوطه‭ ‬في‭ ‬الاستسهال‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬تناول‭ ‬مشروعها‭ ‬في‭ ‬مجمله‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬سحريّ‭ ‬له‭ ‬سرّه‭ ‬ودهشته‭ ‬الحالمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يلتقطها‭ ‬الفنّان‭ ‬التشكيلي‭ ‬إلّا‭ ‬بروحه‭.‬

‭ ‬تتجلّى‭ ‬براعتها‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬اللون‭ ‬المميز‭ ‬الأكثر‭ ‬مطاوعة‭ ‬فنيًّا‭ ‬للشّكل‭ (‬الشخوص‭) ‬الذي‭ ‬تختاره،‭ ‬لتبدو‭ ‬كأنّها‭ ‬عنصر‭ ‬واحد‭ ‬متوحّد‭ ‬ومتماهٍ،‭ ‬فيتجانس‭ ‬الأسلوب‭ ‬والمعنى‭ ‬ويتيحَا‭ ‬لها‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخيارات‭ ‬لرسم‭ ‬أناشيد‭ ‬الفرح‭ ‬الإنساني‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالحياة‭.‬

تسعى‭ ‬الفنّانة‭ ‬لخطّ‭ ‬مسار‭ ‬ذاتي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ابتكار‭ ‬لغة‭ ‬بصرية‭ ‬شاعرية‭ ‬مميّزة‭ ‬زاوجت‭ ‬بين‭ ‬الشكل‭ ‬واللون‭. ‬رؤية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬لمسة‭ ‬غرائبية‭ ‬طفيفة‭ ‬تعكس‭ ‬مدى‭ ‬تأثّرها‭ ‬الخفي‭ ‬بالقيم‭ ‬الجماليّة‭ ‬للسرياليّين،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬أشكالها‭ ‬وأحجامها‭ ‬المضخّمة‭ ‬المستديرة،‭ ‬الكاملة،‭ ‬المتحركة،‭ ‬الطائرة،‭ ‬متأتّيةً‭ ‬من‭ ‬مناخات‭ ‬الفنّ‭ ‬الحرّ‭ (‬السريالية‭) ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬مستقاة‭ ‬من‭ ‬تراكم‭ ‬الصور‭ ‬اليومية‭ ‬بذاكرتها‭.‬

كما‭ ‬يبدو‭ ‬جليًّا‭ ‬وواضحًا‭ ‬شغف‭ ‬الرسامة‭ ‬بأسلوب‭ ‬الفنّان‭ ‬الفرنسي‭ ‬هنري‭ ‬ماتيس‭ ‬وبطريقته‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الفرح‭ ‬والسعادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬ألوان‭ ‬مشعّة‭ ‬مملوءة‭ ‬بالضوء‭ ‬والنور‭. ‬إنها‭ ‬ألوان‭ ‬قوس‭ ‬قزح‭ ‬تأخذنا‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬حسّية‭ ‬لاكتشاف‭ ‬سحر‭ ‬اللون‭ ‬وعذوبته‭. ‬

هذا‭ ‬الالتقاء‭ ‬الفني‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬التجارب‭ ‬التشكيلية‭ ‬العالمية‭ (‬فرناندو‭ ‬بوتيرو‭- ‬شاغال‭ – ‬هنري‭ ‬ماتيس‭ ‬–‭ ‬رينيه‭ ‬ماغريت‭) ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬العنصر‭ ‬المفتاح‭ ‬في‭ ‬فرادة‭ ‬ما‭ ‬تقدّمه‭ ‬لنا،‭ ‬وهو‭ ‬إن‭ ‬شِئنا‭ ‬القول‭ ‬أمرٌ‭ ‬بديهي‭ ‬وأحيانا‭ ‬يصبح‭ ‬ضروريّا‭ ‬لنحت‭ ‬تجربة‭ ‬ناضجة‭ ‬ومتكاملة‭ ‬العناصر‭. ‬فقدْ‭ ‬ساعدها‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬رؤيتها‭ ‬الفنية‭ ‬الذاتية‭ ‬ومدّها‭ ‬بأسلوب‭ ‬خاصّ‭. ‬فتشبّعُ‭ ‬عينِ‭ ‬الفنانة‭ ‬بالصور‭ ‬والاطّلاع‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬السابقين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬يثري‭ ‬مسارها‭ ‬ويساعدها‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬تجربة‭ ‬فنّية‭ ‬مختلفة،‭ ‬والانزياح‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬تمّ‭ ‬تداوله،‭ ‬لتعيد‭ ‬صياغة‭ ‬رؤيتنا‭ ‬للعالم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭.‬

إن‭ ‬انفتاح‭ ‬إسراء‭ ‬على‭ ‬واقعها‭ ‬ومحيطها‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقتها‭ ‬الحميمة‭ ‬بالأماكن‭ ‬والأشخاص،‭ ‬وساعدها‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬السريالية‭ ‬وإغوائها‭ ‬الجذّاب،‭ ‬لتقودها‭ ‬تأمّلاتها‭ ‬الفكرية‭ ‬إلى‭ ‬الانبهار‭ ‬بلذّة‭ ‬الأشكال‭ ‬المكتملة،‭ ‬ونعني‭ ‬هنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬افتتانها‭ ‬بشكل‭ ‬المرأة‭ ‬‮«‬البدينة‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬رأت‭ ‬فيها‭ ‬مصدرًا‭ ‬مُلهمًا‭ ‬وحالةً‭ ‬تشكيليّةً‭ ‬جديرةً‭ ‬بأن‭ ‬تُعاش‭ ‬وأن‭ ‬تُقدَّمَ‭ ‬في‭ ‬العلن،‭ ‬ولأنّ‭ ‬التجريب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هو‭ ‬روح‭ ‬الفنّ‭ ‬الأصيلةُ،‭ ‬فقد‭ ‬أقدمت‭ ‬الرسامة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المغامرة‭ ‬بإيمان‭ ‬وحبّ‭ ‬تجلّيا‭ ‬بشكل‭ ‬مبهر‭ ‬ونموذجي‭ ‬في‭ ‬أعمالها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اعتمادها‭ ‬الذكي‭ ‬على‭ ‬ألوان‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭. ‬جمالية‭ ‬تمتزج‭ ‬فيها‭ ‬ألوان‭ ‬الفرح‭ ‬والبهجة‭ ‬حيث‭ ‬نسجّل‭ ‬حضورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬للألوان‭ ‬الأوّلية‭ ‬مثل‭ ‬الأصفر‭ ‬والأحمر‭ ‬والأزرق،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬لونيّة‭ ‬مشرقة‭ ‬وناصعة‭ ‬ومشعّة،‭ ‬ترسم‭ ‬أشكالًا‭ ‬مليئة‭ ‬بالحركة‭ ‬والنشاط،‭ ‬فيتداخل‭ ‬اللون‭ ‬مع‭ ‬الشكل‭ ‬حدّ‭ ‬التماهي‭ ‬ليشكّلَا‭ ‬ويصوغا‭ ‬حالةَ‭ ‬جماليةَ‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬المألوف‭.  ‬فنساء‭ ‬‮«‬زيدان‮»‬‭ ‬َخرجن‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬مختلف‭ ‬عمّا‭ ‬عهدناه،‭ ‬فلا‭ ‬خجل‭ ‬لديهنّ‭ ‬من‭ ‬ارتداء‭ ‬فساتين‭ ‬قصيرة‭ ‬ولا‭ ‬مانع‭ ‬من‭ ‬لعب‭ ‬الكرة‭ ‬الشاطئيّة‭ ‬على‭ ‬رمال‭ ‬البحر‭ ‬المليء‭ ‬بالعامة،‭ ‬شخصيّات‭ ‬متحرّرة‭ ‬من‭ ‬نظرة‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬السلبية‭ ‬تجاه‭ ‬البدانة‭. ‬لقد‭ ‬رسمت‭ ‬واقعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬غنيًّا‭ ‬بالألوان‭ ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أن‭ ‬يطير‭ ‬ويمشي‭ ‬فوق‭ ‬السحاب‭.‬

‭ ‬دأبت‭ ‬إسراء‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬تعابير‭ ‬بصريّة‭ ‬تتّسم‭ ‬بالخفّة‭ ‬حيث‭ ‬تُظهر‭ ‬الأحجام‭ (‬النساء‭ ‬البدينات‭) ‬بشكل‭ ‬يوحي‭ ‬لنا‭ ‬بالحركة‭ ‬والطيران،‭ ‬شخوص‭ ‬مسكونة‭ ‬بالتحليق،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تطر‭ ‬فهي‭ ‬تتقن‭ ‬قواعد‭ ‬اللعب‭ ‬بمشاعرنا‭ ‬وأحاسيسنا‭ ‬وتُسقط‭ ‬رغبة‭ ‬الطيران‭ ‬في‭ ‬ذواتنا‭ ‬فنتماهى‭ ‬ولو‭ ‬للحظات‭ ‬مع‭ ‬أبطال‭ ‬لوحاتها‭ ‬ونتحوّل‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬متلقّ‭ ‬متأمّل‭ ‬إلى‭ ‬متلقّ‭ ‬مشارك‭.‬

تجمع‭ ‬إسراء‭ ‬زيدان‭ ‬بين‭ ‬التشكيل‭ ‬والالتزام‭ ‬الكبير‭ ‬بالقضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬وتؤمن‭ ‬بالدور‭ ‬المحوري‭ ‬للفنّ‭ ‬في‭ ‬التغيير،‭ ‬لذلك‭ ‬تبحث‭ ‬عبر‭ ‬ألوانها‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬صيغة‭ ‬أخرى‭ ‬للعالم‭ ‬معيدةً‭ ‬تشكيله‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اشتغالها‭ ‬على‭ ‬تيمة‭ ‬‮«‬النساء‭ ‬البدينات‮»‬‭ ‬المتمرّدات،‭ ‬الرافضات‭ ‬والمناديات‭ ‬بحقهّن‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬كما‭ ‬يُردن،‭ ‬ليكون‭ ‬الفنّ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬صرخةَ‭ ‬احتجاج‭ ‬ضدّ‭ ‬تهميشهنّ‭ ‬وتغييبهن‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬البصري‭ ‬ومحاولةً‭ ‬جدّيةً‭ ‬لسَرْدِ‭ ‬جماليات‭ ‬الجسد‭ ‬البدين‭ ‬بطريقة‭ ‬مرنة‭ ‬تتفاوت‭ ‬فيها‭ ‬الصور‭ ‬وتختلف‭ ‬من‭ ‬مشهد‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬راسمةً‭ ‬عوالمَ‭ ‬سحريّةً‭ ‬تُعيد‭ ‬البريق‭ ‬لحضور‭ ‬البدينات‭ ‬في‭ ‬خطّية‭ ‬المسار‭ ‬الإبداعي‭ ‬وتعوِّدِ‭ ‬المتلقّي‭ ‬على‭ ‬ألفة‭ ‬النّظر‭ ‬إلى‭ ‬الجماليات‭ ‬المتعدّدة‭ ‬التي‭ ‬يقدّمها‭ ‬لنا‭ ‬الجسد،‭ ‬حيث‭ ‬نَلتمسُ‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬خِفّة‭ ‬الروح‭ ‬وبهجة‭ ‬الحياة،‭ ‬فتنبت‭ ‬له‭ ‬أجنحة‭ ‬للتحليق،‭ ‬تخطّ‭ ‬حدوده‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬أحقّيّته‭ ‬في‭ ‬الظهور‭. ‬

إذا‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬الفنّ‭ ‬التشكيلي‭ ‬قليلًا‭ ‬سنجد‭ ‬أنّ‭ ‬هنالك‭ ‬مَن‭ ‬سبقها‭ ‬في‭ ‬تبنّي‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬لعلّ‭ ‬أبرزهم‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬الكولومبي‭ ‬‮«‬فرناندو‭ ‬بوتيرو‮»‬،‭ ‬وكذلك‭ ‬الفنانة‭ ‬الإيرانية‭ ‬‮«‬صافا‭ ‬قاساي‮»‬‭ ‬والمصري‭ ‬إيهاب‭ ‬الطوخي‭. ‬

تبنٍّ‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬السّيْرَ‭ ‬في‭ ‬موجة‭ ‬واحدة،‭ ‬فإنْ‭ ‬تَمعّنّا‭ ‬جيّدًا‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬كلّ‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬بطريقة‭ ‬منفصلة‭ ‬وتحليلية‭ ‬نتبيّن‭ ‬بكلّ‭ ‬يسر‭ ‬ذلك‭ ‬الخيط‭ ‬الفاصل‭ ‬بينهم‭. ‬فما‭ ‬تختلف‭ ‬فيه‭ ‬زيدان‭ ‬عن‭ ‬‮«‬بوتيرو‮»‬‭ ‬مثلًا،‭ ‬كون‭ ‬الأولى‭ ‬تصبّ‭ ‬جلّ‭ ‬اهتمامها‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬الجانب‭ ‬الإيجابي‭ ‬والمشرق‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البدينات،‭ ‬وتوظّف‭ ‬كل‭ ‬معارفها‭ ‬الفكرية‭ ‬والتقنية‭ ‬لرسم‭ ‬تَصوّر‭ ‬مثالي،‭ ‬إنّهنّ‭ ‬لا‭ ‬يختلفن‭ ‬عنّا‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬تُعرن‭ ‬لهذه‭ ‬المسألة‭ ‬أيّ‭ ‬اهتمام‭ ‬وليس‭ ‬لرأي‭ ‬الآخر‭ ‬أيّ‭ ‬تأثير‭ ‬عليهنّ،‭ ‬إنّهنّ‭ ‬متصالحات‭ ‬مع‭ ‬مظهرهنّ‭ ‬ومحيطهنّ‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يذهب‭ ‬‮«‬بوتيرو‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الزوايا‭ ‬المُعْتمة‭ ‬للكائن‭ ‬البدين‭ ‬لتتّخذ‭ ‬مقاربته‭ ‬طابعًا‭ ‬فلسفيًّا‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الكائن‭ ‬البشري،‭ ‬إذ‭ ‬يَجْنحُ‭ ‬في‭ ‬تصورّاته‭ ‬لدعوة‭ ‬المتلقي‭ ‬إلى‭ ‬تأمّل‭ ‬ومطاردة‭ ‬فائض‭ ‬الحزن‭ ‬والأسى‭ ‬الساكنيْن‭ ‬في‭ ‬أرواح‭ ‬بطلاته،‭ ‬فيُلبسهنّ‭  ‬رداء‭ ‬الكآبة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬ويُخرجهنّ‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تثير‭ ‬الشفقة‭ ‬وكأنه‭ ‬يتآمر‭ ‬عليهنّ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكريس‭ ‬النظرة‭ ‬المتشائمة،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬الرضا‭ ‬بالنّفْس‭ ‬لدى‭ ‬شخوصه‭ ‬وتقبّلِ‭ ‬ذواتهن‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬أرواح‭  ‬فاقدةً‭ ‬للشغف،‭ ‬فلا‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬للأمل‭ ‬لديه،‭ ‬والوصف‭ ‬البصري‭ ‬السردي‭ ‬يجيء‭ ‬محمّلًا‭ ‬بكل‭ ‬العذابات،‭ ‬يبوح‭ ‬بالجرح‭ ‬ولا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬خلاص‭.‬

أما‭ ‬الاختلاف‭ ‬الآخر‭ ‬بينهما‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬تنوع‭ ‬المواضيع‭ ‬لدى‭ ‬الرسام‭ ‬الكولومبي،‭ ‬فهو‭ ‬يتحرّك‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬مختلفة،‭ ‬منها‭ ‬السياسي‭ ‬ومنها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تناول‭ ‬شمولي‭ ‬مطلق،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬اكتفت‭ ‬‮«‬زيدان‮»‬‭ ‬بأحادية‭ ‬الموضوع‭.‬

رغم‭ ‬أنّ‭ ‬الإبداع‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬عمومه‭ ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لقهر‭ ‬الواقع‭ ‬الرديء،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬المرآة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعالم،‭ ‬فإنّه‭ ‬يبقى‭ ‬ذا‭ ‬فاعلية‭ ‬محدودة‭. ‬فلا‭ ‬يوجد‭ ‬خلاص‭ ‬كلي‭ ‬من‭ ‬مطبّات‭ ‬الحياة‭ ‬وانحداراتها‭ ‬إلّا‭ ‬بمزيد‭ ‬النضال‭ ‬اليومي‭ ‬والمقاومة‭ ‬المستمرة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الإرادة‭ ‬الصلبة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬أقل‭ ‬كآبة‭ ‬وأكثر‭ ‬أملًا‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عملت‭ ‬الرسامة‭ ‬على‭ ‬إيصاله‭ ‬بأسلوب‭ ‬سردي‭ ‬سلس‭ ‬ومفهوم،‭ ‬وكأنّها‭ ‬نبي‭ ‬الفرح‭. ‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وفنان‭ ‬تشكيلي‭ ‬تونسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق