
الفن يُؤسّس لجماليّات الخِفّة

سامي عمامي*

«الحياة هي عالم من المخاطر والانتصارات، عالم تستطيع فيه الأحاسيس البطولية أن تمارس رقصتها ومرحها… الحياة كمبدأ تتطلّب أن نحيا بشجاعة، بل كذلك أن نحيا بمرح ونضحك بمرح». بهذه الرؤية الوجودية النيتشوية للعالم نستطيع وبكلّ يُسر الولوجَ منذ الوهلة الأولى إلى مناخات الرسامة المصرية «إسراء زيدان» وعوالمها، حيث الشّاعريّة المرسومة بحكمة عفويّة لا تنافرَ فيها.
فنّ امتلك قدرةً رائعةً على ملامسة أرواحنا وإثارة مشاعرنا، فيشحننا غبطةً وسرورًا بما فيه من فرادة وطرافة في تمثيل شخصيّاتها «البدينة». إذ نجد أنفسنا أمام نِسَب مبالغ فيها، وأشكال مستديرة وألوان جريئة قادمة من عوالم الأحلام، جارّةً إيّاها إلى الواقع. فهي ترسم فكرتَها خارج أسوار المعتاد ومضاربه، وتتلاعب بالتقاليد الفنية والقيم الجمالية لتُشَيّد عوالمها السحريّة المزدحمة بواقعيّة حالمة. وعلى نحو غريب تستحوذ علينا كائناتها وتبثّ فينا مشاعرهم وحالاتهم المزاجيّة المتعدّدة. عوالم دافئة وحميمة تحمل المتلقّي في رحلة بصريّة ولونيّة ملفتة. جمالية طريفة محبوكة بدمج الشّكل والحركة والتكوين معًا. إنّنا إزاء «فنّ يهب العين المتعة البريئة».
لم تُرِدْ إسراء زيدان السّير على خطى المسار التجريدي كما فعل العديد من الرسّامين الشّبّان، بل خيّرت البقاء في عوالم التمثيل، وحاولت أن تذهب به إلى مناخات مختلفة ومغايرة دون أن تغادر حدود التشخيص من خلال العمل على التقاط صورها من الواقع اليومي المعاش. تلتقطها بقلب عينها خالقةً لغةً بصريّةً شفّافةً ونابضةً ومشبعة بالعاطفة، لتَسْقط بعفوية تامة في شهوة «الأشكال الكاملة» التي تلبسها معنًى آخر وتفسيراتٍ خاصّةً أًسَرتْ بها جمهورها لتكون جسورَ تواصل حميمٍ وجدليٍّ في الوقت ذاته. فنحن فِعلًا بحاجة إلى جماليّات تنقذنا من رتابة السّائد والمألوف في تحدٍّ صارخ للذّوقِ العامّ.
اللون جزء من الفكرة
من الأمور الجوهرية التي ارتكزت عليها إسراء زيدان في بناء تجربتها الفنية وتشكيلها سنجد قطْعًا عنصر اللّون المهيمن الذي يحظى بالمكانة الأكبر ويشكّل عامل جذب للمتلقّي لما يحتويه من طاقة غريبة على شدّ البصر، إذ يتحوّل اللون في أعمالها إلى جزء من الفكرة فيرسم ملامحها ويحدّد أطرها وحدودها. ولئن كان الشّكل مهمًّا في تجربة إسلام فإنّ المعنى لا يصل إلّا بدمجه مع تعبيريّة اللّون. هكذا، حين يلتبس المعنى ويفشل المُشاهد في فهْمِ المنجز وتفكيك نسيجه، يلجأ إلى تحليل اللّون والإقامة فيه، فهو ملاذه الأخير لفكّ المقصد وتحليله ورفع الغموض واللّبس عن المعنى.
أمّا ظاهر الأمر فإنّ مجمل رسوماتها توحي بأنّها واضحةَ الدلالات والتشكيل، فهي لم تردْ يومًا الإيغال في الترميز بقدر ما خيّرت المضيّ في مسار التشخيص المباشر الذي يخاطب عامة الناس دون سقوطه في الاستسهال. غير أنّ تناول مشروعها في مجمله يكشف عن واقع سحريّ له سرّه ودهشته الحالمة التي لا يلتقطها الفنّان التشكيلي إلّا بروحه.
تتجلّى براعتها كذلك في قدرتها على اختيار اللون المميز الأكثر مطاوعة فنيًّا للشّكل (الشخوص) الذي تختاره، لتبدو كأنّها عنصر واحد متوحّد ومتماهٍ، فيتجانس الأسلوب والمعنى ويتيحَا لها المزيد من الخيارات لرسم أناشيد الفرح الإنساني والاحتفاء بالحياة.
تسعى الفنّانة لخطّ مسار ذاتي من خلال ابتكار لغة بصرية شاعرية مميّزة زاوجت بين الشكل واللون. رؤية لا تخلو من لمسة غرائبية طفيفة تعكس مدى تأثّرها الخفي بالقيم الجماليّة للسرياليّين، حيث تبدو أشكالها وأحجامها المضخّمة المستديرة، الكاملة، المتحركة، الطائرة، متأتّيةً من مناخات الفنّ الحرّ (السريالية) رغم كونها مستقاة من تراكم الصور اليومية بذاكرتها.
كما يبدو جليًّا وواضحًا شغف الرسامة بأسلوب الفنّان الفرنسي هنري ماتيس وبطريقته في التعبير عن الفرح والسعادة من خلال اعتمادها على ألوان مشعّة مملوءة بالضوء والنور. إنها ألوان قوس قزح تأخذنا في رحلة حسّية لاكتشاف سحر اللون وعذوبته.
هذا الالتقاء الفني والانفتاح على بعض التجارب التشكيلية العالمية (فرناندو بوتيرو- شاغال – هنري ماتيس – رينيه ماغريت) كان بمثابة العنصر المفتاح في فرادة ما تقدّمه لنا، وهو إن شِئنا القول أمرٌ بديهي وأحيانا يصبح ضروريّا لنحت تجربة ناضجة ومتكاملة العناصر. فقدْ ساعدها في بلورة رؤيتها الفنية الذاتية ومدّها بأسلوب خاصّ. فتشبّعُ عينِ الفنانة بالصور والاطّلاع على تجارب السابقين لا يمكن إلّا أن يثري مسارها ويساعدها على صياغة تجربة فنّية مختلفة، والانزياح بها عن تكرار ما تمّ تداوله، لتعيد صياغة رؤيتنا للعالم دون أن نشعر.
إن انفتاح إسراء على واقعها ومحيطها ساهم في تشكيل علاقتها الحميمة بالأماكن والأشخاص، وساعدها أيضًا في الإفلات من سطوة السريالية وإغوائها الجذّاب، لتقودها تأمّلاتها الفكرية إلى الانبهار بلذّة الأشكال المكتملة، ونعني هنا تحديدًا افتتانها بشكل المرأة «البدينة» حيث رأت فيها مصدرًا مُلهمًا وحالةً تشكيليّةً جديرةً بأن تُعاش وأن تُقدَّمَ في العلن، ولأنّ التجريب في نهاية المطاف هو روح الفنّ الأصيلةُ، فقد أقدمت الرسامة على هذه المغامرة بإيمان وحبّ تجلّيا بشكل مبهر ونموذجي في أعمالها، وذلك من خلال اعتمادها الذكي على ألوان دون غيرها. جمالية تمتزج فيها ألوان الفرح والبهجة حيث نسجّل حضورًا لافتًا للألوان الأوّلية مثل الأصفر والأحمر والأزرق، وهي قيم لونيّة مشرقة وناصعة ومشعّة، ترسم أشكالًا مليئة بالحركة والنشاط، فيتداخل اللون مع الشكل حدّ التماهي ليشكّلَا ويصوغا حالةَ جماليةَ خارج أسوار المألوف. فنساء «زيدان» َخرجن لنا في قالب مختلف عمّا عهدناه، فلا خجل لديهنّ من ارتداء فساتين قصيرة ولا مانع من لعب الكرة الشاطئيّة على رمال البحر المليء بالعامة، شخصيّات متحرّرة من نظرة مجتمعاتهم السلبية تجاه البدانة. لقد رسمت واقعًا جديدًا غنيًّا بالألوان يستطيع الإنسان من خلاله أن يطير ويمشي فوق السحاب.
دأبت إسراء على إيجاد تعابير بصريّة تتّسم بالخفّة حيث تُظهر الأحجام (النساء البدينات) بشكل يوحي لنا بالحركة والطيران، شخوص مسكونة بالتحليق، حتى وإن لم تطر فهي تتقن قواعد اللعب بمشاعرنا وأحاسيسنا وتُسقط رغبة الطيران في ذواتنا فنتماهى ولو للحظات مع أبطال لوحاتها ونتحوّل معها من متلقّ متأمّل إلى متلقّ مشارك.
تجمع إسراء زيدان بين التشكيل والالتزام الكبير بالقضايا الإنسانية وتؤمن بالدور المحوري للفنّ في التغيير، لذلك تبحث عبر ألوانها عن إعادة صيغة أخرى للعالم معيدةً تشكيله من جديد من خلال اشتغالها على تيمة «النساء البدينات» المتمرّدات، الرافضات والمناديات بحقهّن في الحياة كما يُردن، ليكون الفنّ على هذا النحو صرخةَ احتجاج ضدّ تهميشهنّ وتغييبهن من المشهد البصري ومحاولةً جدّيةً لسَرْدِ جماليات الجسد البدين بطريقة مرنة تتفاوت فيها الصور وتختلف من مشهد إلى آخر راسمةً عوالمَ سحريّةً تُعيد البريق لحضور البدينات في خطّية المسار الإبداعي وتعوِّدِ المتلقّي على ألفة النّظر إلى الجماليات المتعدّدة التي يقدّمها لنا الجسد، حيث نَلتمسُ من خلاله خِفّة الروح وبهجة الحياة، فتنبت له أجنحة للتحليق، تخطّ حدوده الجديدة من أجل إعادة صياغة أحقّيّته في الظهور.
إذا عدنا إلى مسار الفنّ التشكيلي قليلًا سنجد أنّ هنالك مَن سبقها في تبنّي هذا الطرح، لعلّ أبرزهم على الإطلاق الكولومبي «فرناندو بوتيرو»، وكذلك الفنانة الإيرانية «صافا قاساي» والمصري إيهاب الطوخي.
تبنٍّ لا يعكس بالضرورة السّيْرَ في موجة واحدة، فإنْ تَمعّنّا جيّدًا في أعمال كلّ واحد منهم بطريقة منفصلة وتحليلية نتبيّن بكلّ يسر ذلك الخيط الفاصل بينهم. فما تختلف فيه زيدان عن «بوتيرو» مثلًا، كون الأولى تصبّ جلّ اهتمامها على إبراز الجانب الإيجابي والمشرق في حياة البدينات، وتوظّف كل معارفها الفكرية والتقنية لرسم تَصوّر مثالي، إنّهنّ لا يختلفن عنّا في شيء، بل لا تُعرن لهذه المسألة أيّ اهتمام وليس لرأي الآخر أيّ تأثير عليهنّ، إنّهنّ متصالحات مع مظهرهنّ ومحيطهنّ.
في حين يذهب «بوتيرو» إلى تسليط الضوء على الزوايا المُعْتمة للكائن البدين لتتّخذ مقاربته طابعًا فلسفيًّا يبحث في أعماق الكائن البشري، إذ يَجْنحُ في تصورّاته لدعوة المتلقي إلى تأمّل ومطاردة فائض الحزن والأسى الساكنيْن في أرواح بطلاته، فيُلبسهنّ رداء الكآبة في كل مرة ويُخرجهنّ في صورة تثير الشفقة وكأنه يتآمر عليهنّ من خلال تكريس النظرة المتشائمة، إذ لا نجد الرضا بالنّفْس لدى شخوصه وتقبّلِ ذواتهن بقدر ما نجد أرواح فاقدةً للشغف، فلا مساحات شاسعة للأمل لديه، والوصف البصري السردي يجيء محمّلًا بكل العذابات، يبوح بالجرح ولا يبحث عن خلاص.
أما الاختلاف الآخر بينهما فيتمثل في تنوع المواضيع لدى الرسام الكولومبي، فهو يتحرّك في اتجاهات مختلفة، منها السياسي ومنها الاجتماعي في تناول شمولي مطلق، في المقابل اكتفت «زيدان» بأحادية الموضوع.
رغم أنّ الإبداع الإنساني في عمومه هو محاولة لقهر الواقع الرديء، حيث يكون المرآة الحقيقية للعالم، فإنّه يبقى ذا فاعلية محدودة. فلا يوجد خلاص كلي من مطبّات الحياة وانحداراتها إلّا بمزيد النضال اليومي والمقاومة المستمرة القائمة على الإرادة الصلبة من أجل العيش في مناخ أقل كآبة وأكثر أملًا. وهذا ما عملت الرسامة على إيصاله بأسلوب سردي سلس ومفهوم، وكأنّها نبي الفرح.
* كاتب وفنان تشكيلي تونسي




