ثقافة وفن

بين هواجس المدن وتوحش الواقع علي السقا يكتب

الصعود الى النهار

بشرى‭ ‬بن‭ ‬فاطمة‭ ‬

عن‭ ‬شركة‭ ‬المطبوعات‭ ‬للتوزيع‭ ‬والنشر‭ ‬لبنان‭ ‬صدرت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬النهار‮»‬‭ ‬للكاتب‭ ‬الصحفي‭ ‬اللبناني‭ ‬علي‭ ‬السقا‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬روايته‭ ‬الثالثة،‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬300‭ ‬صفحة،‭ ‬استطاع‭ ‬فيها‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬رؤى‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العوالم‭ ‬السردية‭ ‬الواقعية‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬فيها‭ ‬الشخصيات‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬والانتماء‭ ‬بين‭ ‬الاغتراب‭ ‬الداخلي‭ ‬والتجذر‭ ‬الحسي‭ ‬في‭ ‬خراب‭ ‬التفاصيل‭ ‬ودمار‭ ‬الأمنيات‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬التناحرات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬رافقت‭ ‬التصعيد‭ ‬الحبكي‭ ‬للرواية،‭ ‬وأخذت‭ ‬القارئ‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬زوايا‭ ‬موحشة‭ ‬أو‭ ‬أسئلة‭ ‬قلقة‭ ‬نفسية‭ ‬اجتماعية‭ ‬ثقافية‭ ‬سياسية‭ ‬واقعية‭ ‬سريالية،‭ ‬انعكست‭ ‬فيها‭ ‬أهوال‭ ‬بيروت‭ ‬وهوية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬فيها‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬حوّلت‭ ‬جراحات‭ ‬المدينة‭ ‬النازفة‭ ‬إلى‭ ‬صور‭ ‬بشعة‭ ‬مشوّهة‭ ‬لمتساكنين‭ ‬مثقلين‭ ‬بها‭ ‬وبهم‭.‬

وكما‭ ‬تشرح‭ ‬الرواية‭ ‬نفسها‭ ‬‮«‬‭ ‬بيروت،‭ ‬مدينة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتسع‭ ‬إلا‭ ‬لفصيلين‭: ‬الكلاب،‭ ‬والذئاب‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬رؤية‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الدمار‭ ‬أو‭ ‬لتفاصيل‭ ‬الحروب‭ ‬الدائمة‭ ‬التي‭ ‬أنهكت‭ ‬المدينة‭ ‬كمكان‭ ‬وفضاء‭ ‬كمساحة‭ ‬انتماء‭ ‬تداعت‭ ‬في‭ ‬زواياها‭ ‬عتمات‭ ‬الفساد‭ ‬وصفقات‭ ‬العواصف‭ ‬التي‭ ‬دمّرت‭ ‬الجمال‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬ذلك‭ ‬الانتماء،‭ ‬تمادت‭ ‬فيها‭ ‬لتصبح‭ ‬نبذا‭ ‬قاسيا‭ ‬متوحّشا‭.‬

هو‭ ‬بوح‭ ‬خمسة‭ ‬هاربين‭ ‬من‭ ‬السجن‭ ‬أكل‭ ‬الخراب‭ ‬مدينتهم‭ ‬وتمكّنوا‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬النهار‭ ‬خروجهم‭ ‬أو‭ ‬صعودهم‭ ‬لذلك‭ ‬النهار‭ ‬لم‭ ‬يعدهم‭ ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬بل‭ ‬أعادهم‭ ‬متوحشين‭ ‬آخرين‭.‬

حسن‭ ‬الذي‭ ‬كبر‭ ‬ولم‭ ‬يُشبع‭ ‬جوعه‭ ‬لكل‭ ‬شيء،‭ ‬يلاحق‭ ‬الوظيفة‭ ‬ويجمّد‭ ‬حواسه‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬عبوديته‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العيش‭ ‬فجأة‭ ‬ومع‭ ‬تصعيد‭ ‬الظرف‭ ‬وقسوة‭ ‬الواقع‭ ‬ثار‭ ‬على‭ ‬بيروقراطية‭ ‬الهوية‭ ‬التي‭ ‬نخرته‭ ‬والتي‭ ‬تحتوي‭ ‬وتنفر‭ ‬تلفظ‭ ‬أبناءها‭ ‬للبحر‭ ‬لأمكنة‭ ‬بعيدة‭.‬

سليمان‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬معاناته‭ ‬من‭ ‬تشوّهٍ‭ ‬خلقي،‭ ‬فارس‭ ‬المصاب‭ ‬بمرض‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬والمحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يرعاه،‭ ‬رشدي‭ ‬الذي‭ ‬يتخبط‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬النقاء‭ ‬ويخسرها،‭ ‬ورياض،‭ ‬الوحش‭ ‬الذي‭ ‬يقوده‭ ‬الجوع‭ ‬فيقود‭ ‬بقية‭ ‬رفاقه‭ ‬إلى‭ ‬الجريمة‭ ‬إلى‭ ‬القتل‭.‬

تبدو‭ ‬الرواية‭ ‬اعتيادية‭ ‬في‭ ‬حبكة‭ ‬التظلمات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬ومخاض‭ ‬الحروب‭ ‬والصدامات‭ ‬وواقع‭ ‬الزحمة‭ ‬والضجة‭ ‬وصراخ‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬والعواصم‭ ‬المنهكة‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬الوجود‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬عن‭ ‬السأم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الخراب‭ ‬بتهديمها‭ ‬هكذا‭ ‬اختار‭ ‬السقا‭ ‬شقّ‭ ‬منافذ‭ ‬السرد‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬قلق‭ ‬الوجود‭ ‬بتفكيكه‭ ‬أبوكاليبتية‭ ‬تحطّم‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬لأنها‭ ‬ضجرت‭ ‬تمجيد‭ ‬البطولات‭ ‬باستفزاز‭ ‬القلق‭ ‬وتحفيز‭ ‬المعاناة‭ ‬في‭ ‬بتر‭ ‬المصائر‭ ‬ومنازلة‭ ‬المجهول،‭ ‬لهاث‭ ‬حول‭ ‬المدينة‭ ‬وركض‭ ‬على‭ ‬خرابها،‭ ‬عندما‭ ‬قرّر‭ ‬السقا‭ ‬أن‭ ‬يصعد‭ ‬بشخصياته‭ ‬إلى‭ ‬النهار‭ ‬ويقدّم‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬الضوء‭ ‬ذلك‭ ‬الفضاء‭ ‬الواضح‭ ‬المكشوف‭ ‬والمعلن‭ ‬لمدينة‭ ‬حوّلت‭ ‬ملامح‭ ‬أبنائها‭ ‬إلى‭ ‬وحوش‭.‬

بتلك‭ ‬الصورة‭ ‬يحطّم‭ ‬السقا‭ ‬فكرة‭ ‬الأمان‭ ‬ويكشف‭ ‬بداية‭ ‬المعركة‭ ‬بين‭ ‬الكلاب‭ ‬والذئاب‭ ‬وربما‭ ‬الهدنة‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬ولاءات‭ ‬المصالح‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية‭ ‬وينأى‭ ‬بتفاصيله‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬الروتينية‭ ‬لراحة‭ ‬القلق‭ ‬الخفي‭ ‬واللامعلن‭ ‬والمنظر‭ ‬لثورة‭ ‬الوقع‭ ‬في‭ ‬إيقاع‭ ‬الوجود‭ ‬المشوه‭ ‬المبتور‭ ‬بتفاصيله‭ ‬المظلمة‭.‬

تحمل‭ ‬الرواية‭ ‬تفاصيلها‭ ‬بأسلوب‭ ‬حسيّ‭ ‬واقعي‭ ‬بأساليب‭ ‬تصاعدية‭ ‬انفعالية‭ ‬وباردة‭ ‬حقيقيّة‭ ‬وحالمة‭ ‬كابوسية‭ ‬نفسية‭ ‬وصفية‭ ‬للشخصيات‭ ‬وحركتها‭ ‬وحواراتها‭ ‬المسموعة‭ ‬أو‭ ‬الباطنية‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المكان‭ ‬والحركات‭ ‬والسلوك‭ ‬ودرجات‭ ‬التفاعل‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬محيطها‭ ‬العام‭ ‬ولحظاتها‭ ‬الخاصة‭ ‬وتجلياتها‭ ‬الذهنية‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الكاتب‭ ‬مثل‭ ‬خيط‭ ‬رفيع‭ ‬يحاول‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يتماسك‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬منه‭ ‬الرؤى‭ ‬ولا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬ذاتية‭ ‬التفكيك‭ ‬أو‭ ‬يحبط‭ ‬القارئ‭ ‬الباحث‭ ‬معه‭ ‬عن‭ ‬نوافذ‭ ‬الأمل‭ ‬وذلك‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬هشاشة‭ ‬أضافت‭ ‬سمة‭ ‬الحضور‭ ‬الذهني‭ ‬بينها‭ ‬وبينه‭ ‬وبين‭ ‬المتلقي‭.‬

إن‭ ‬قراءة‭ ‬الرواية‭ ‬بتمعن‭ ‬تعطي‭ ‬إحاطة‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وحسيّة‭ ‬للشخصيات‭ ‬تلك‭ ‬الرؤية‭ ‬عمّمها‭ ‬الكاتب‭ ‬لتحتوي‭ ‬الرواية‭ ‬كفضاء‭ ‬كامل‭ ‬يحمي‭ ‬به‭ ‬أبطاله‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬لا‭ ‬يُكسب‭ ‬القارئ‭ ‬تعاطفا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعطيه‭ ‬عناصر‭ ‬لتوظيف‭ ‬تساؤلاته‭ ‬وتتبع‭ ‬أثر‭ ‬المراحل‭ ‬المعاصر‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬الحياة‭.‬

فقد‭ ‬حاول‭ ‬السقا‭ ‬أن‭ ‬يحمي‭ ‬أبطاله‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬وظن‭ ‬القارئ‭ ‬وحاصر‭ ‬دوافع‭ ‬التحوّل‭ ‬البشري‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تفقده‭ ‬الأمان‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الانتماء‭ ‬ليتحول‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬هامشية‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬ظالمة‭ ‬إلى‭ ‬أشباح‭ ‬تغرس‭ ‬مخالبها‭ ‬في‭ ‬المجهول‭ ‬لتروّضه‭ ‬بفكرة‭ ‬البقاء‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬الذي‭ ‬حمل‭ ‬أنواع‭ ‬التعذيب‭ ‬والمظالم‭ ‬الأخرى‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬دناءة‭ ‬الخارج‭ ‬وانعكاسها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬‮«‬حزام‭ ‬البؤس‮»‬،‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬انتقل‭ ‬بالقارئ‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬عتمات‭ ‬لأعين‭ ‬عمياء‭ ‬ليمضي‭ ‬بين‭ ‬التعاطف‭ ‬والتحامل‭ ‬والغضب‭ ‬بملاحقة‭ ‬الأبطال‭ ‬نحو‭ ‬مصيرهم‭ ‬الصاعد‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬النهار‭ ‬إلى‭ ‬التوحّش‭ ‬إلى‭ ‬التصادم‭ ‬مع‭ ‬الضوء‭ ‬والنور‭ ‬إلى‭ ‬نهوض‭ ‬الوحش‭ ‬الساكن‭ ‬إلى‭ ‬حركته‭ ‬اللعينة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬التمرّد‭ ‬اللامجدي‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬النهار‭ ‬هو‭ ‬تحوّل‭ ‬الهدوء‭ ‬إلى‭ ‬نور‭ ‬ظالم‭ ‬فوق‭ ‬الظلم‭ ‬السحيق‭ ‬لظلام‭ ‬باق‭ ‬لتصادم‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬العلن‭ ‬بين‭ ‬التوحّش‭ ‬والوحوش‭ ‬في‭ ‬نهار‭ ‬تتواجه‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬الوحوش‭.‬

تبدو‭ ‬بيروت‭ ‬مدينة‭ ‬حديثة‭ ‬تهمّش‭ ‬الفقراء‭ ‬وتفتح‭ ‬حضنها‭ ‬للأغنياء‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬بيروت‭ ‬باتت‭ ‬جهنّم،‭ ‬لن‭ ‬يثور‭ ‬فيها‭ ‬فقير‭ ‬لأنّه‭ ‬مشغول‭ ‬بتقليد‭ ‬الأغنياء‭…. ‬أصبحت‭ ‬بيروت‭ ‬غابة‭ ‬واسعة‭ ‬صرنا‭ ‬ذئابًا‭ ‬نحن‭ ‬والكلاب‭…‬أكل‭ ‬الأحياء‭ ‬أمواتهم‭..‬مدينة‭ ‬تعجّ‭ ‬بالكذب‭ ‬وتتغذّى‭ ‬منه‭.‬‮»‬

‭ ‬بيروت‭ ‬الكابوس‭ ‬بيروت‭ ‬الحلم‭..‬مرايا‭ ‬الاغتراب‭ ‬والتوحش

‮«‬بيروت‭.. ‬مدينة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تتّسع‭ ‬للفقراء،‭ ‬فيها‭ ‬أحزمة‭ ‬بؤس‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬الهامش،‭ ‬وتواجه‭ ‬مصيرها‭ ‬واحتياجاتها‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬اهتمام‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬مسؤول،‭ ‬و‘دريمز‭ ‬أند‭ ‬بيوند‘هي‭ ‬المدينة‭ ‬الخياليّة‭ ‬التي‭ ‬تستجدّ‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬بيروت‭ ‬لينعم‭ ‬بها‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬يملكون‭ ‬ثروات‭ ‬ماليّة،‭ ‬ولكنّها‭ ‬فعليًّا‭ ‬ليست‭ ‬خياليّة‭ ‬كثيرًا‭! ‬بل‭ ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬أميركا،‭ ‬حتّى‭ ‬أوروبا،‭ ‬حتّى‭ ‬بلادنا‭ ‬العربيّة،‭ ‬بحيث‭ ‬يختلف‭ ‬فيها‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬والثقافيّة‭ ‬والماليّة‭ ‬والصحّيّة،‭ ‬ويُصبح‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬قديم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬أحزمة،‭ ‬وهذه‭ ‬المدن‭ ‬الحديثة‭ ‬هي‭ ‬مدن‭ ‬مسيّجة‭ ‬ومحميّة،‭ ‬والناس‭ ‬خارجها‭ ‬متروكون‭ ‬لمصيرهم‭ ‬الأسود‭.‬‭ ‬أناس‭ ‬متروكون‭ ‬كي‭ ‬يأكل‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭.‬‮»‬

بين‭ ‬تفاصيل‭ ‬السرد‭ ‬التي‭ ‬نسجها‭ ‬السقا‭ ‬وبين‭ ‬الشخصيات‭ ‬والطوارئ‭ ‬التصعيدية‭ ‬التي‭ ‬حبكها‭ ‬تعيش‭ ‬الشخصيات‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬المؤلف‭ ‬وتتمرّد‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬تثبّته‭ ‬لدرجة‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬عتمة‭ ‬الواقع‭ ‬واستبداده‭ ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬تبريرا‭ ‬ولا‭ ‬ينظر‭ ‬أملا،‭ ‬لا‭ ‬هربا‭ ‬ولا‭ ‬استسلام‭ ‬ولكن‭ ‬تفاصيل‭ ‬توقع‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬سريالية‭ ‬من‭ ‬تبصرات‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬الكابوس‭ ‬والحلم،‭ ‬هواجس‭ ‬وتوجسات‭ ‬وحيرة‭ ‬وقلق‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالشخصيات‭ ‬والمؤلف‭ ‬بل‭ ‬تقفز‭ ‬فزعا‭ ‬نحو‭ ‬القارئ‭ ‬الل‭ ‬ضحية‭ ‬والقلق‭ ‬استنفار‭ ‬الزوايا‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬التيه‭ ‬تلك‭ ‬الهواجس‭ ‬التي‭ ‬تعلي‭ ‬صوت‭ ‬الخوف‭ ‬والفزع‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬التستّر‭ ‬بليل‭ ‬العتمات‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬نهار‭ ‬موحش‭ ‬بالتوحّش‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬حاول‭ ‬علي‭ ‬السقا‭ ‬تفصيله‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬الصعود‭ ‬الى‭ ‬النهار‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬وانعكاس‭ ‬رؤيوي‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬تبدو‭ ‬ناعمة‭ ‬عند‭ ‬استذكار‭ ‬‮«‬بيروت‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬طرح‭ ‬سؤاله‭ ‬ضمنيا‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬بيروت‭ ‬الجمال‭ ‬والفن‭ ‬ماذا‭ ‬بعد‭ ‬وقع‭ ‬الاسم‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬وهذا‭ ‬الطرح‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬جمعه‭ ‬بتجارب‭ ‬عربية‭ ‬وعالمية،‭ ‬قدّمت‭ ‬المدن‭ ‬كرمز‭ ‬للصراع،‭ ‬صراع‭ ‬الانسان‭ ‬مع‭ ‬ذاته،‭ ‬وجوده،‭ ‬لأن‭ ‬الكاتب‭ ‬المعاصر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسرد‭ ‬الشوارع‭ ‬والبنايات‭ ‬والتقدّم‭ ‬بل‭ ‬يرصد‭ ‬الآثار‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬النابعة‭ ‬من‭  ‬صخب‭ ‬المدن‭ ‬على‭ ‬الكائن‭ ‬الهشّ‭ ‬الذي‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬ينتشل‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬هوامشها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬رمالها‭ ‬المتحرّكة‭ ‬التي‭ ‬تبتلع‭ ‬الحواس‭ ‬وتستدرج‭ ‬المادة‭ ‬إلى‭ ‬سطوح‭ ‬الحياة‭.‬

هنا‭ ‬نستذكر‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬بيروت‭ ‬75‮»‬‭ ‬لغادة‭ ‬السمان‭ ‬عندما‭ ‬رصدت‭ ‬فيها‭ ‬مصائد‭ ‬الأحلام‭ ‬التي‭ ‬أذابت‭ ‬شخصياتها‭ ‬الخمس‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والركض‭ ‬خلف‭ ‬الاثبات‭ ‬لعمق‭ ‬الوجود‭ ‬في‭ ‬سطحية‭ ‬خانقة،‭ ‬ترصد‭ ‬الثبات‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬عكست‭ ‬التفاوت‭ ‬الطبقي‭ ‬الاستغلال‭ ‬وانهيار‭ ‬القيم‭ ‬والأقنعة،‭ ‬أو‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬طشاري‭ ‬لانعام‭ ‬كجه‭ ‬جي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬انتقدت‭ ‬المدن‭ ‬‮«‬بغداد‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والمنفى‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬الى‭ ‬أطلال‭ ‬رمزية‭ ‬لإنسان‭ ‬يتصارع‭ ‬ويصارع‭ ‬بين‭ ‬خيارات‭ ‬البقاء‭ ‬والتوحش‭ ‬والرحيل‭ ‬الشتات‭ ‬والاغتراب‭ ‬والاقتلاع،‭ ‬كذلك‭ ‬رواية‭ ‬مترو‭ ‬2033‭ ‬لديمتري‭ ‬غلوكوفسكي‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬موسكو‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار‭ ‬وانعكست‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬الانسان‭ ‬وصراع‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬الظلمة‭ ‬والضوء‭ ‬والتهميش،‭ ‬وثلاثية‭ ‬نيويورك‭ ‬لبول‭ ‬أوستر‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬نيويورك‭ ‬كمتاهة‭ ‬تنعكس‭ ‬فيها‭ ‬مرايا‭ ‬الضياع‭ ‬الإنساني‭ ‬والوجودي‭ ‬بشكل‭ ‬متصاعد‭ ‬لا‭ ‬نهائي‭ ‬بلا‭ ‬منافذ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق