
نتاج عقد اجتماعي وفلسفة
المرأة السودانية.. دور الريادة يتمرحل تاريخياً ليشكل الراهن
مصطفى يوسف
أدهشت حواء السودانية ، إنسان العالم البسيط ومفكريه والمهتمين فيه بمراقبة ومتابعة والتعرف إلى الثورات وحركات التحرر والانعتاق عن براثن الديكتاتوريات، باسهاماتها منقطعة النظير وغير المسبوقة في إشعال وانجاح ثورة ديسمبر 2018م، التي دكت حصون أعتى ديكتاتورية شهدتها البلاد منذ ان اوجدها الله على الخارطة الكونية.
كانت حواء مشعلاً ، أضاء الطريق وحفز للتمدد ومهد للفعل الثوري وزوده بطاقة الوقوف إلى جانب الرجل، دون كلل او ملل، مدفوعة بإرث تاريخي ودفع وفرته الحواضن الوجدانية فأتسق دورها مع الراهن، منزاحاً عبر مراحل التاريخ، التي شهدت من قبل الكنداكات اللاتي جئن اليوم ، في حلل ومضامين تتسق وجدة الحاضر، تلبية لشروط وافتراضات منطقية.
لاشيء يأتي من فراغ ، ولاظاهرة تحدث من دون أسباب، فدينامية التواصل بين المعطيات ، تتحكم فيها ثوابت وتحركها قوى ، وإن بدت في لحظة من اللحظات أن الوهن أصابها ، أو ماقد يتبدى للأذهان أن الآخرين أردوا لها، وهذا واقع تسنده الكثير من الشواهد والأدلة التي يضيق المجال بذكرها هاهنا.
هذا الدور كان نتاج رؤية وعقد اجتماعي ارتضى وافترض لحواء مكانا مرموقاً سامياً على الدوام، لتنهض في الأفق بواجبات رأى انها تتوافق مع قدراتها ومؤهلاتها، انحيازاً لمبادئ ومثل وقيم عليا، وانطلاقا من فلسفة آمنت بطاقاتها المفترضة في تغذية المجتمع وتنميته، ورفده بالمتجدد من الأفكار، وحقنتها سنكرونياً بمصل الريادة في جميع المجالات التي ينبغي ويتحتم عليها الإسهام فيها.
وإذا كان الراهن احتفى بهذا الدور، فإن التاريخ يحفظ لها ريادتها على المستوى العربي ، بل وربما على مستوى العالم في مجالات، كشفت فيها عن نبوغ منقطع النظير، تقدمت فيها الصفوف، حاملة الرايات الجديدة، ولواء الوعي والاستنارة، تضوع كما العطر في كل مكان.
وإن كانت المرأة السودانية تقود العمل اليوم في الكثير من الوزارات والمؤسسات فهذا ليس بغريب عليها، إذ هي أول من تبوأت منصب قاض على المستويين العربي والافريقي، والذي تقلدته إحسان محمد فخري، في عام 1965م، وتدرجت فيه إلى أن وصلت لقاض بمحكمة الاستئناف ثم المحكمة العليا، ونالت شرف التكريم من الأمم المتحدة، للأدوار العظيمة التي لعبتها في سلك القضاء، حدث هذا في الوقت الذي كانت تمنع فيه القوانين في بعض الدول العربية على المرأة تولي ليس القضاء، إنما تحرمها من أي دور في الحياة العامة.
التاريخ يحفظ كذلك لحواء السودانية أنها اول من ارتدت ملابس الجيوش البيضاء، فكانت خالدة زاهر سرور السادتي، أول طبيبة في السودان، تمتهن الطب في 1952م بعد ان درسته في كلية كتشنر الطبية، وتخصصت لاحقاً في طب الاطفال، بعد تلقيها دراسات عليا في تشيكوسولوفاكيا سابقاً، والمملكة المتحدة.
لم تقصر حياتها على الطب، بل مارست العمل السياسي، وكافحت ضد الاستعمار البريطاني، وأسست مع أخريات العديد من الصيغ، مثل رابطة الفتيات بأم درمان والاتحاد النسائي السوداني، وكان لها قصب السبق في تحريك النشاط السياسي للمرأة، وعملت بمثابة بوتقة صهرت جهود الأخريات نحو غايات عظمى.
وتطل فاطمة احمد ابراهيم، ممشوقة القوام في مجال السياسة، وهي أول سيدة تنتخب عضو برلمان في منطقة الشرق الأوسط في 1965م، وبفضل جهودها وعملها الدءوب والمتواصل، نالت المرأة على المستويين السوداني والعربي الكثير من الحقوق، لتنال هي شرف رئاسة الإتحاد النسائي الديمقراطي العالمي.
داعبت انامل حواء السودانية في وقت مبكر ريشة الفن، وسبقت في ذلك رصيفاتها في العالم العربي، فكانت الفنانة ستنا بدري المولودة في رفاعة عام 1929، ابنة بابكر بدري رائد تعليم المرأة الحديث في السودان، والتي أظهرت في سن مبكر ولعاً بالرسم، الذي درسته في نيويوروك، وشكلت بقدومها للسودان مدرسة فنية، ابدعت في أعمال الحفر والتلوين، وابتكار موضوعات من صميم حركة المجتمع السوداني، خدمت من خلالها وأبرزت قضايا جوهرية ومصرية، وأسهمت بقدر معلى في استنارة الوعي، واستثارة الذائقة الفنية.
وتبرز اسماء حسن بشير، اول خريجة من معهد الموسيقى والمسرح في السبعينيات.. غازلت اناملها الموسيقى في وقت مبكر، كان العالمين العربي والإفريقي يغطان فيه في نوم عميق، لكنها حركة المجتمع المؤسسة على هدى من إدراك أهمية وحيوية دور المرأة في البناء والتشييد وحفز الهمم وتعلية الهامات.
ومن عالم الفنون الجميلة إلى العنف، تأتينا منيرة رمضان، اول حكم كرة قدم للرجال في العالم، والتي انطلقت صافرتها في العام 1975م، وشكلت ظاهرة ادهشت العالم، الذي تناسى هذا وجاء الإعلام ليفرض أن التونسية درصاف القنواطي، هي الأولى على المستويين الافريقي والعربي، وهي معلومة مغلوطة تماماً.
في عام 1972م، غطت الصحافة السودانية حدثا ذا دلالة وأهمية عندما قادت نجاة بنيامين نخلة، وهي من أوائل خريجات كلية الهندسة، قسم الكهرباء، بجامعة الحرطوم ، القطار في رحلته من الخرطوم إلى عطبرة، ضمن مشروع تخرج إلى جانب زميلتها منى محمد ابوالفتوح، في مستهل مرحلة أسست لإسهام المرأة في الحياة ، وكانت ايذاناً ببدايات يجني المجتمع ثمارها اليوم.




