
زوجان يلتقيان في حبّ الجيتار وإبداع صناعته
إحسان روغاني وپارفانه علي ڤاند
د. محمد بدوي مصطفى
حتّمت ظروف الحياة السياسيّة في إيران، هذا البلد الزاخر بالجمال والابداع والحضارة، أن يرحل عدد كبيراً من مبدعيه وصناعه المهرة إلى دول أخرى، مهاجرين حاملين في جعبتهم شتى الحرف، الصناعات والمهارات العاليّة؛ ومن يزور مدينة أصفهان أو طهران فسوف يرى العجب العجاب! من هؤلاء المهاجرين زوجين جمعهما حبّ آلة الجيتار وإبداع صناعته. كان لي الشرف بزيارتها مرّتين في مدينة اسطنبول التركيّة. فكانت المرّة الأولى عندما جئت من ألمانيا خصيصا للصانع هاتف شاطريان الذي كلّفته بصناعة عودين لي من يديه المهارتين. وقد كتبت في الأسبوع الماضي (المدائن بوست) عنه وعن أعواده الرّنانة. كان الزوجان يقتسمان مع الصانع هاتف نفس السّكن ومن هنا بدأت علاقتنا في التعارف والتبادل المعرفيّ في مجال مهارات صناعة الآلات الموسيقيّة. جلسنا جميعنا نتذوق حلاوة المأكولات الإيرانيّة ونتحدث ونتناقش في شؤون الموسيقى وحيوات الصنّاع واختلاف الصناعات التقليديّة والجودة في بلاد فارس ومن بعد زرنا سويا بعض الأماكن السياحيّة فتوطدت العلاقة بيننا وصرنا أصدقاء لا نلوي على شيء إلا وأن تبقى هذه الصلّة وثيقة بيننا.
كانت ورشتهما الأولى بنفس السكن الجماعي. أعلماني فيها بتقنيات صناعة الجيتار وعن مسيرتهما في تطوير هذا الصناعة ووضع لمساتهما الفارسيّة المتفرّدة من الزخرفة والفن عليها. تفرقت بعدئذ بنا السبل لمدة ثلاث سنوات ومن بعد رجعت هواتفنا في اتصال وتبادل جميل، فلم أتردد حينئذ أن أطلب منها أن يصنعا لي آلتين جديدتين وبعد تسعة أشهر أخبراني بانتهاء المهمّة فذهبت بصحبة أسرتي الصغيرة لزيارتهما مجددا إلى مدينة اسطنبول وأستلام الأمانة. وكانت لحظات جميلة لن تُنسى!
إحسان روغاني وپارفانه علي ڤاند بدءا صناعة الجيتار منذ عام ٢٠٠٣ وبعد بضع سنوات أطلقا ماركتهما المسجلة “إرپا”، وهي تعكس مزج لاسميهما. خلال هذه السنوات كرسا حياتهما لتحسنين جودة الآلة المصنوعة يدويّاً، ذلك من الألف إلى الياء، من خلال اتخاذ أحدث الطرق والتقنيات التي تتجاوب ومتطلبات العصرنة وخلق الصوت الرخيم، العميق والطروب الذي من شأنه أن يسحر العازفين والمستمعين على حد سواء.
كانت الطفرة أن شاركا بماركتهما “إرپا” في العديد من المهرجانات العالميّة والندوات الدوليّة وتحولت بعدها الماركة إلى علامة تجاريّة عالمية عالية الجودة. تشمل هذه المعارض معرض الموسيقى الألمانيّ بمدينة فرانكفورت ومهرجان اسطنبول الدولي للجيتار ومهرجان أنقرة للجيتار ومهرجان الجيتار القبرصيّ ذلك على سبيل المثال لا الحصر.
أذا طرحنا السؤال: كيف يمكن تمييز جيتار ماركة “إرپا” عن الجيتارات الأخرى؟
يتبدّى التفرّد في تصميم الرأس (البنجق) الفريد، والورود، ونمط الجسر وأيضا في الثقوب على شكل خمسة خطوط على جانب الجيتار التي تُتخذ كشاشة للصدى يستطيع من خلالها العازف سماع الألة بدقة، بالإضافة إلى الصوت الجميل الرخيم والهندسة المريحة التي تمكن كل عازف من احتواء الآلة كليّا مما يساعد على أريحيّة العزف عليها. وكلنا يعلم يا سادتي أن التفاصيل الجميلة لأيّة آلة تبعث وتفتق عند عاشقيها ومحترفيها أحاسيس دفينة، شيء مثل السلطنة والطرب.
يجتهد الزوجان إحسان وپارڤانه في البحث المستمر في مجال تطوير التقنيات وتطبيقها ومن ثمّة تلقي الردود والاقتراحات الكثيرة من جانب العازفين التي من شأنها دعم التطور والإبداع المستمر من أجل صناعة الآلة المثالية. فهما يهتمان بدرجة عالية للأبحاث المتعلقة بالصوت والصدى في مادة الفيزياء وفي مجال الاهتزاز والتردد الميكانيكي، وهذه هي الأسباب الرئيسة التي تجعل من جيتار “إرپا” يتفوق في عالم صناعة هذه الآلة يوما تلو الآخر.




