
انتصار الروح العرجاء
طلال ناير
في منفاه على جزيرة لانزروتي الإسبانية القاحلة، ازدحمت جدران منزل الكاتب البرتغالي الأشهر بلوحات وصور لخيولٍ جامحة. كانت خيول زيزيتّو؛ اسم التحبب للطفل جوزيه دي سوزا سراماغو، الذي انتقل في عمر الثامنة ليعيش في منزل خالته ألڤيرا، زوجة أحد الحراس في مزرعة موتشاو دي بايكس.
كانت قرية أزينهاجا غارقة في فقر مدقع وضَنْك ذو قساوة. لذا، وبمقاييس القرية ذات التاريخ الإقطاعي الراسخ، فقد كان فرانشيسكو دينيس – زوج ألڤيرا – رجلاً أرستقراطياً مقارنة بمن هم دونه في هِيرْاركْيِّةُ القرية. ولكن بالنسبة إلى الطفل زيزيتّو، كان الحصان هو أهم ممتلكات زوج خالته وأنفسها. تحرق الطفل شوقاً وهو يتوق لامتطاء الحصان. امتلأ زيزيتّو تَلَهُّفاً، وكان ينازع هذه الرَغْبَة لاعتلاء الفرس. توسد الطفل حلم ركوب الخيل، وتدثر بأمل الفروسية، وما أن يصحو إلا وهو يترصد الحصان الجامح، ويرصد كذلك الفرصة لتحقيق مراده. عاش زيزيتّو دهراً بصحبة خالته ألڤيرا وزوجها فرانشيسكو الذي لم يخطر في باله أن يدعو الفتى لاعتلاء صهوة الجواد، وفي ذات الوقت كان الكبرياء الصبياني يمنع زيزيتّو من السؤال.
يصف زيزيتّو/سراماغو، زوج خالته، بأنه كان رجلاً متسلطاً ومُتَجبَّراً في المنزل، رجل مهووس بالسيطرة والهيمنة. لكن فرانشيسكو دينيس كان في غاية الأدب والتملّق عندما يتعامل مع من يعلونه في التراتبية الاجتماعية. حدث ذات يوم أن قام فرانشيسكو دينيس بوضع طفلة أحد الضيوف فوق الحصان، لكي يتملق أسرتها، وسار الرجل أمام الحصان للترفيه عن الطفلة المدللة، فيما كان الطفل جوزيه يقف بعيداً متوارياً عن الأنظار شاعراً بالإحباط ومغموراً بدموع الخزي التي لم يسمح لأحد برؤيتها، كما لم يسمح للآخرين برؤيته في مثل هذه الحالة.
بعد ستين عاماً من هذه الحادثة، نشر سراماغو إحدى أفضل رواياته، وهي (الإنجيل تبعاً لرواية يسوع المسيح) التي تقدم رؤية نقدية ساخرة عن المسيحية. تم ترشيح الرواية لجائزة آيرستاين للآداب في العام 1991. كان سراماغو يعيش – حينها – حقبة حافلة بالإحباط ومحملة بالضغوط من كل الجهات: فمن جهة كان الكاتب الملحد يقاتل بميناه الكنيسة الكاثوليكية في البرتغال الفخورة بتمثال (المسيح الملك)، الذي يقف منتصباً في ساحة ألمادا في العاصمة لشبونة، يقف تمثال المسيح حارساً للمدينة وراعياً لحصن الكنيسة الكاثوليكية المنيع في البرتغال، ذلك الحصن الذي اقتحمه سراماغو وفتح فيه النار بلا رحمة. في ذات الوقت كان سراماغو الشيوعي التوجه يقاتل بيسراه قوى اليمين السياسي البرتغالي الذي اكتسب انتعاشة كبيرة بعد انحسار نفوذ اليسار الذي تسيد البرتغال بعد انتصار ثورة القرنفل في العام 1974؛ عام انتهاء الدكتاتورية العسكرية. بحماس بالغ، تقدمت الكتلة البرلمنية لقوى اليمين الپرتغالي لحظر ومصادرة الرواية.
رئيس الوزراء البرتغالي حينها – أنيبال كافاكو سيلڤا– قام باستغلال الضجة التي أحدثتها الرواية، فقاد حملة ضغط من موقع مسئوليته السياسية، فقامت الحكومة البرتغالية والفاتيكان بحملة مشتركة ومنسقة، حملة تضغط على الاتحاد الأوروبي لسحب ترشيح ساراماغو لجائزة آيرستاين للآداب. وبعد أسابيع طويلة من تهييج شعور الإيمان المسيحي واستعداء الجماهير ضد الكاتب البرتغالي اضطر الإتحاد الأوروبي لسحب الترشيح من الرواية. في حينها كان ما جرى فضيحة ثقافية في البرتغال وفي الأوساط الثقافية الأوروبية، فقد كان ما جرى سابقة لا مثيل لها، فرواية سراماغو كانت الرواية الأولى التي تتم مصادرتها بعد عودة الديمقراطية للبرتغال عقب ثورة 1974 ضد الديكتاتور سلازار، وكان لما جرى تأثير كبير على سمعة جائزة آيرستاين للآداب التي تلقى منظموها اتهامات بالتراخي عن الدفاع عن حرية التعبير وكذلك الانصياع والرضوخ للضغوط السياسية والتطبيع مع الرقابة. وللمصادفة، كما خرجت رواية سراماغو من الجائزة بسبب الرقابة، فقد فازت بالجائزة في ذات العام رواية أخرى عانت كذلك من الرقابة؛ رائعة جيمس جويس (Ulysses) الفائزة بجائزة الترجمة التي قام بها اليوناني سوكراتس كابسيسكيز. رواية (عوليس) كانت محظورة في الولايات المتحدة، وذلك لأنها (شهوانية ومثيرة للغرائز)، ولم يتم رفع الحظر عنها حتى شهر ديسمبر من العام 1933 بأمر من قاضي المحكمة جون إم ولسي، لتنشر النسخة الكاملة لأول مرة بعد ثلاثة أسابيع فقط من إصدار الحكم.
في تلك الحقبة كان سراماغو شخصاً غير مرغوب فيه، فحكومة اليمين البرتغالي كانت تتطلع للانضمام إلى عالم ما بعد سقوط جدار برلين، وكانت تسعى إلى الابتعاد عن إرث الاشتراكيين والحقبة التي حكموا فيها البلاد، وكان سراماغو أحد رموز تلك الحقبة، فلم يجد الرجل من خيار سوى الخروج من الپرتغال إلى منفاه الاختياري في جزيرة لانزروتي البركانية القاحلة. العداء الذي كان يكنه اليمين البرتغالي لجوزيه سراماغو استمر حتى بعد وفاته، حيث رفض الرئيس البرتغالي حضور جنازته بسبب مواقفه المعادية للكنيسة الكاثوليكية، وفضّل الرئيس أن يقضي ذلك اليوم في منتجع فخم، ربما للاحتفال بموت سراماغو!
بعد الرحيل إلى لانزروتي، بدأ سراماغو في إعادة تدوير الإحباط وتحويله لطاقة دافعة؛ تماماً كما كان يفعل طيلة حياته. لم يكن الإحباط يعني شيئاً كثيراً للطفل الذي ولد في فقر مدقع وعاش في فاقة جعلت أسرته تخرجه من المدرسة رغم نبوغه الظاهر، ليصبح ميكانيكياً فقيراً. كانت الفاقة تضرب بجذورها في بيت سراماغو الذي كانت الصراصير فوق جسده ليلاً. انتشل سراماغو نفسه من قاع الفقر وهاوية الحرمان من التعليم وبدأ في تأهيل نفسه ليصبح صحافياً ثم مترجماً، ثم يبدأ مشواره الجاد في الكتابة بعدما تجاوز الخمسين. هذا المشوار المتأخر كانت من أهم محطاته هو حصول سراماغو على جائزة نوبل للآداب في العام 1998. فكما يقول سراماغو «… إن الندم على الأشياء لا يفيد، الندم المفيد هو التغيير». بدأ سراماغو يعمل على مشروعه الأدبي الأهم: إعادة اكتشاف العامل الإنساني والقوة الهائلة التي يحملها. فأخذ بنمط كتابة يعتمد على سبر أغوار الشخصية الإنسانية، وهذا هو النمط الغالب على أعماله في (الحقبة اللانزوتية). النزعة الأناركية لدى سراماغو تبدو جليةً في روايتي (العمى) و(البصيرة)، حيث تظهر حقيقة النفس البشرية مع زوال السلطة وقيود الرقابة الاجتماعية. عند غياب سلطة تقويم الأخلاق وفقدان بوصلة المبادئ يتواجه البشر مع ذواتهم المشوهة التي لم يشاهدوها من قبل، وعندها يخرج أسوأ ما في الإنسان مع سيادة الفوضى وامتلاك السلطة المطلقة.
يقول سراماغو: «اليوم بيتي ممتلئ بصور الخيول. ومن يزورني لأول مرة يسألني إن كنت فارساً، بينما الحقيقة أنني ما زلت أعاني آثار السقوط من سرج حصان لم أمتطه أبداً. ربما لا يلاحظ هذا من الخارج، لكن روحي تسير عرجاء منذ سبعين عاماً». عندما دخلت القوات الأمريكية للعراق قام سراماغو بالمشاركة في مظاهرة معارضة للحرب، وكان يتحدث للمشاركين في المظاهرة فقال لهم «إن العالم الآن توجد به قوتان: أمريكا والإنسان». ومن الجلي لأن رهان سراماغو الأكبر ظل على انتصار الإنسان، فـ«من السهل الوصول إلى المريخ، لكن من الصعب الوصول إلى أنفسنا»، فهو يظن بأن الخير والشر لا بداية لهما، فبداخل عقولنا يكمن كل شيء، بما فيه انتصار روح الإنسان، وإن كانت عرجاء.




