ثقافة وفن

الشـرق والشرقيون في ديوان فيكتور هوجو

(الشرقيات: Les Orientales  1802- 1885)

معجب بن سعيد الزهراني

في النص الثاني يتعزز هذا التأويل أكثر فأكثر حيث تطالعنا صورة أميرة فنانة تعزف الجيتار وتطل من شرفتها المضاءة بنور القمر لترى بحرًا باتساع وجمال أحلامها في لحظة رومانسية من هذه اللحظات التي لا يدرك جمالها إلا فنان يحلم بمثل هذه العزلة التي تقربه من ذاته وإبداعه. هنا أيضًا فإن مركز الجاذبية لا يتعلق بالمرأة التي لا يُذكر شيء من أوصافها الجسدية، بل بالفضاءات الشرقية الجميلة التي ما إن يراها الشاعر بعيون هذه المرأة المبدعة حتى يقدمها في نصّه كفضاءات خلاقه تحفز الإبداع الفني عزفًا على الآلة الموسيقية أو على كلمات اللغة!.

كذلك في قصيدة “الحجاب” نجد مشهدًا دراميًا متوترًا بطلته وضحيته فتاة شرقية تعود من الحمام “محاذرة عيون الأجانب والكفار”، لكن نسمة هواء تزيح الحجاب عن الوجه الجميل وهذا ما أثار غضب أخوتها الذين يتحلقون حولها لعقابها فيما هي تتوسل وتحاول شرح الموقف البرئ من دون جدوى!. فغاية التمثيل هنا هي كشف الحجاب أو الغطاء عن تعصب الرجل الشرقي الذي قد يدفع به حرمانه وتزمته إلى القتل دفاعًا عن شرف مزيّف، لكن ما لم يتنبه إليه الشاعر، وهنا تكمن المفارقة، فهو أن هذه الحمامات العامة لم تكن لتصبح جزءًا من فضاءات المدن الشرقية لو أن هؤلاء الأخوة هم النموذج النمطي السائد في تلك الفضاءات! (53)

أما بخصوص قصيدة “السلطانة المحظية” التي تحللها فاطمة المرنيسي فلا شك أن دلالاتها العامة أعقد وأغنى من مجرد كونها حكاية شبقية تنفس عن مكبوتات الشاعر وتداعب خيالاته. فالأمر يتعلق بفتاة يهودية جميلة يتعلق بها السلطان فتصبح الزوجة والعشيقة المفضلة بحيث يقول لها أنه مستعد للتضحية من أجلها “بنفسه وشعبه وجنوده وأجمل مدن إمبراطوريته من البصرة والموصل شرقًا إلى فاس ومدن البلقان غربًا”. فسلطان مثله يحتاج إلى امرأة مثلها كما” يحتاج الخنجر النفيس المعدن إلى الجواهر النفيسة” حسبما يقول هذا السلطان مبررًا موقفه من هذه المرأة (54) ونظرًا لكون هذه المرأة تدرك جيدًا مدى جنونه بها فإنها تستغل الموقف لإشباع بعض نزواتها المرضية إذ “تطلب في كل عيد رأس ضحية جديدة”، أو لتحقيق مآرب أخرى تتعلق بمصالح قومها اليهود، وكأنما هي صورة أخرى “لسالومي” التوراتية. التي تتكرر حكايتها من جديد ما دامت الإمبراطورية الشاسعة الغنية في مرحلة الانهيار والجميع يبحث عن حصته الوافية من تركة “الرجل المريض”. هكذا يتضح لنا من خلال التحليل المعمق أن هذه المرأة الفاتنة قد تعبر عن تلك الرؤية الشبقية المحتقرة والمقموعة في المرجعية المسيحية – اليهودية، لكن دلالات التمثيلات الأهم تتعلق بهذا السلطان العاشق النزق الذي يضحي بكل شيء من أجل امرأة جميلة بقدر ما هي شاذة وماكرة، مما يعني أن هذا السلطان الشرقي مبتذل محتقر لأنه يجمع بين الشهوانية الجامحة والسذاجة المفرطة! فالشاعر الذي كثيرًا ما يبدي مشاعر العداء تجاه هذا النمط من رجال السلطة كما رأينا من قبل يبدو هنا منسجمًا مع منطق عام يستعيده هنا بطريقة شعرية جذابة تلعب فيها المرأة دور الوسيلة أو الأداة الرمزية لا غير، وذلك لأن غاية التمثيل هنا، وفي النص السابق، تتحدد أكثر ما تتحدد بمقصدية تشويه صورة الرجل الشرقي الذي يحتقر المرأة من جهة ويقدسها من جهة أخرى لتبدو علاقاته بها متطرفة شاذةً في كلتا الحالين!. ولعل مما يدعم هذا التأويل أن الشاعر يعيش في مجتمع لم تعد أخلاقيات المسيحية المتزمة تمثل المرجعية الأهم لأفكاره وقيمه وعلاقات أفراده بعد أن هيمن “فكر التنوير” الذي اتخذ في فرنسا تحديدًا منحى علمانيًا جذريًا منذ القرن الثامن عشر. ولقد تزوج هوجو نفسه من امرأة أحبها أخوه وفقد عقله بسببها، وهي التي خطفها منه لاحقًا أعز أصدقائه، الناقد الشهير سانت بيف، ليظل الشاعر يعاني صدمة “الخيانة المزدوجة” هذه طوال حياته، ورغم كل مغامرات العاطفية الصاخبة التي عاشها بعد هذا الحدث المؤلم، هذا ولم تكن سيرة الأب والأم أقل تحررًا أو تحللاً كما يبينه بالتفصيل أ. موروا في كتابه المشار إليه في فقرات سابقة! (55)

القصيدة الوحيدة التي تعبر بشكل قوي عن حلم الشاعر بامرأة شرقية مثالية ونمطية في الوقت نفسه هي “وداع المضيفة العربية”. فهذه المرأة البدوية تعيش في أعماق الصحراء بعيدًا عن مدن الأتراك وعالم الحريم والفساد، وما إن يمر بها فارس أوروبي “أبيض” حتى تقع في غرامه وتنظم هذه القصيدة في وداعه لتعبر عن تعلقها به ولتحذره من أخطار الطريق في فضاء يشبه المتاهة وتفوق قدرات كائناته السرية قدرات البشر. أما شخصية الفارس هنا، وكما فينص سابق، فهي الصورة المثلى التي تحلم بها هذه الذات الشاعرة التي تعشق حياة الانطلاق والترحل في الصحراء فضاء الحرية والمغامرة بامتياز، ولذا كان من الضروري تحقيق هذا الحلم الرومانسي الفاتن بالكلمات وعلى الورق. ولعل أهمية حكاية هذا الحب الممتزج بقيم الفروسية المتمردة على كل علاقة تقيد الشاعر – الفارس بمكان محدد تذكرنا مجددًا بشعرية الحرية والتمرد التي طالما تغنى بها الشعراء الصعاليك الذين قرأ هوجو لبعضهم بعض القصائد وأعجب بها وبهم كما رأينا من قبل، وهنا تكمن الدلالة الأهم للنص الراهن في اعتقادنا.

بعد هذا لا شك أن لعالم الحريم الشرقي الذي استهوى كثيرًا من الشعراء والرسامين والروائيين الغربيين آثارًا قوية في هذه النصوص الكثيرة نسبيًا والمنطوية على تمثيلات نساء جميلات من مختلف الأنماط والفئات حتى لكأن عنوان الديوان “الشرقيات” يحيل إليهن بقدر ما يحيل إلى قصائد الشاعر (56) لكن المؤكد أيضًا أن الأبعاد الدلالية لهذه التمثيلات لا يمكن اختزالها في إطار الرؤية الشبقية، التي تلح عليها فاطمة المرنيسي، وذلك لأنها تنبثق عن منطق أكثر تعددية وغنى كما حاولنا بيانه من خلال تحليل النصوص وليس اعتمادًا على التصورات السائدة عن الخطابات والفنون الاستشراقية. ثم إن عالم الحريم والجواري كان واقعًا ماثلاً في قصور وأسواق جل المدن الشرقية آنذاك، وما كتبه عنه الرحالة والأدباء الغربيون قد لا يكشف إلا جزءًا بسيطًا من أسراره ومآسيه كما ينبغي أن نعيه ونبحثه معرفيًا، وبعيدًا عن منطق السجالات والتبريرات التي لا تعين أحدًا على فهم النصوص ووقائع التاريخ.

ثم إن هذه الوضعية التاريخية الاجتماعية تبرر تلك الاستيهامات الفنتازية التي تحللها فاطمة المرنيسي من منظور سوسيو – ثقافي يختلف بالضرورة عن منظور الناقد المقارن الذي لابد أن نحتكم إليه ونلتزم به في سياق قراءة كهذه (57)

بصيغة أخرى يمكننا القول بأن حافز الكتابة في مجمل هذه النصوص ليس مصدره شهوات الجسد ونزوات الرغبة بل شهوات الكتابة الشعرية ذاتها، والشاعر نفسه يلح بدءًا من المقدمة على أن الشرق الذي أعجبه وفتنه هو ذخيرة من الرموز الجمالية والآثار الحضارية التي ينبغي لأمثاله التعامل معها لا كموضوعات للمعرفة والسيطرة بل كمصدر إلهام وأفق بحث عن تلك الشعرية التي كان هو ورموز تيار إبداعي كامل يحلمون بها ويدعون إليها ويحاول كل منهم تحقيقها في عمله الفني بقدر ما تتيحه له طاقاته وأدواته الإبداعية.

خاتمـة:

في مرحلة الشباب والتألق وجد فكتور هوجو نفسه في طليعة حركة أدبية – فكرية طليعية تعمل على إحداث ثورة في السياق الأدبي والجمالي تلبية لطموحات المبدعين أنفسهم، ولكن أيضًا تلبية لشروط التلقي الجديدة التي عمت أوروبا وهي في مرحلة التحول من “عصر النهضة” إلى “عصر الحداثة” أو من شروط “الخطاب الكلاسيكي” إلى أفق “الخطاب الرومانسي” المنفتح على عالم أوسع وعلى مستقبل ملئ بالوعود. في هذا السياق التاريخي العام أدرك هوجو وأمثاله أن شرق المبدعين لا يتطابق دائمًا مع شرق رجال السياسة والتجارة، لأنه ينطوي على ثروات معرفية وجمالية أغنى من ثرواته الطبيعية التي كانت تتنافس عليها القوى السياسية الاستعمارية آنذاك.

لقد أدرك الشاعر الشاب هذا الأمر بفضل تعمّق وانتشار المعرفة الاستشراقية من جهة، وبفضل خبرات الطفولة التي عاشها في أسبانيا ومدنها التي رأى فيها أجمل آثار الحضارة العربية الإسلامية كما يقول في المقدمة وكما يعبر عنه شعريًا في قصيدة “غرناطة” من جهة أخرى. أما التقاليد الشعرية العربية فقد لاحظنا مدى إعجاب ف. هوجو بها وحرصه على الحوار معها ولذا أوردها ملحقة بديوانه مؤكدًا لقارئه أنه استلهم بعض جمالياتها وموضوعاتها في نصوصه كما رأينا في فقرات سابقة من هذا البحث.

بناء على هذا كله جاءت تمثيلاته للشرق، طبيعة وعمرانًا وبشرًا، غنية بالصور والتلوينات والدلالات المتنوعة والمختلفة من مقام لآخر بحيث لا يمكن اختزالها في بعد دلالي واحد.

فالمدن الشرقية المتخيلة جذابة بقصورها ومبانيها البسيطة وأسواقها وحماماتها وحدائقها، والصحراء العربية فضاء غموض مقدس وحرية مطلقة يزيد من فتنتها خطوة المغامرة التي تجعل الكائن يدرك قيمة الحياة ومعاني الفروسية التي لا حضور لها في المدينة سواء كانت شرقية أو غربية. أما حينما تنتهي الرحلة المتخيلة إلى تلك الفضاءات ويجد الشاعر نفسه في مدينته الغربية فإن فتنة المدن الشرقية تستمر ولذا يكتب بأسى:

“في غمرة الشتاء الكئيب الذي يجلّل باريس

تغادرك شمس الشرق نحو الغروب

وحلمك الجميل بآسيا يتلاشى

فلا ترى أمامك سوى الشارع بضجيجه البائس” (58)

كذلك الرجل الشرقي يبدو من خلال تمثيلاته الشعرية متعدد الصور والنماذج لأن الشاعر يتخيله ويكتب عنه في مقامات وسياقات متنوعة وغنية في الوقت نفسه. فمرة يبدو الآخر الشرقي في صورة “العدو المطلق” لأن النموذج المُمثَّل هنا رمز السلطة التي يكرهها الشاعر، ولأن علاقات الصراع العنيف مع الدولة العثمانية في البلقان واليونان غذت مشاعر العداء ضدها في عموم أوروبا والشاعر يكتب عن الحدث معبرًا عن ذاته وغيره لأنه في مقام المشاركة الرمزية في حرب شارك فيها غيره بجسده كما فعل بايرون. ومرات أخرى يبدو الآخر ذاته إنسانًا يجسد مبادئ ومواقف سامية تجعل الشاعر الغربي يتخذه قناعًا لوجهه أو قرينًا حميمًا لذاته العميقة، لأن المقام هنا هو مقام البحث عما يغني الذات المبدعة عند ذلك الآخر المختلف تحديدًا.

لقد كتب الشاعر في مقدمة ديوانيه “لعل في آسيا البربرية أناسًا أكثر عظمة مما توهمنا به حضارتنا” (59)، ونحسب أنه حاول البحث في بعض النصوص عن هذه النماذج، وقد كتب عن الدرويش والشاعر والفارس ليكشف عن آثار تلك العظمة التي لم يعد من الممكن تجاهلها لأنها متصلة ولابد بعظمة الإنجاز الحضاري الأكثر عراقة في الماضي وجاذبية في الراهن.

أما المرأة الشرقية فقد تخيلها الشاعر ورسمها بكلماته من منظورات متنوعة، وهكذا نجد المرأة الفنانة التي تحول معاناتها الخاصة، في أسرها أو في قصرها، إلى حافز للإبداع كما يليق بذات مفتونة بجماليات الفضاء من حولها، والمرأة الجميلة البدوية التي تمثل النقاء والفطرة الأصلية وتحلم بالفارس الذي يليق بتطلعاتها المثلى، مثلها مثل الشاعر الذي تداعبه أحلام مشابهة ولا بد!.

وهكذا يبدو جليًا أن حضور الشرق في هذا الديوان يكشف إلى أي مدى كانت الآداب والفنون والحضارات الشرقية، وبخاصة العربية الإسلامية، عنصرًا تكوينيًا فعالاً في وعي الشاعر ومخيلته حين كان في ذروة الشباب والتألق. وإذا كان فكتور هوجو لم يعد إلى الكتابة المباشرة عن الشرق فما ذلك إلا لانشغاله الجدي بأحوال وطنه وشعبه التي كانت في فترة تحولات وتوترات عنيفة وحاسمة شارك فيها مبدعًا ومثقفًا وسياسيًا وعانى الكثير في سبيل ذلك ليصبح في النهاية رمزًا أدبيًا ووطنيًا لفرنسا الحديثة إلى اليوم (60)

ولعل قراءة مقارنة متأنية لأعماله التالية، وبخاصة ديوان “التأملات” الذي يعد أهم إنجازاته الشعرية، تكشف عن المزيد من التأثيرات الخلاّقة لذلك الشرق الذي لم يزره ف. هوجو قط لكنه فتن بآثاره وحاور أطيافه منذ مراحل الطفولة التي عادة ما تشكل خبراتها الذخيرة الأهم لكل مبدع ولكل إبداع كما نعلم، والله أعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق