ثقافة وفن

البيروني: الفيلسوف والعالم المسلم الذي سبق عصره 

عبدالحي كريط 

(إنه أعظم عقلية عرفها التاريخ المستشرق الألماني إدرود سخاو)

يعتبر أبو الريحان البيروني من أعظم فلاسفة وعلماء الإسلام الموسوعيين نظرا لما قدمه من إنجازات فكرية وعلمية وثقافية للحضارة البشرية والتي مازالت أعماله وأبحاثه حاضرة إلى يومنا هذا في مختلف صنوف العلم والمعرفة التي لاتخطر على بال ،ومازالت تنبض بروح ولمسة البيروني الذي سبق عصره ،حيث كانت أبحاثه ودراساته منطلقا نحو تأسيس منظومة معرفية شبه متكاملة نحو بناء وعي علمي ومعرفي إنساني فتحت له أبواب العلوم الحديثة التي نعرفها اليوم.

ففي وقت كان الأوروبيون ممن جهروا بآراء وأفكار ونظريات علمية ومعرفية كانت مرفوضة في مجتمعهم بسب الجهل المقدس الذي كان حاضرا بقوة آنذاك وكانت الكنسية هي عرابة هذا الجهل فاضطهدت وقتلت وحاكمت وأحرقت كتب بداعي الهرطقة والزندقة والكفر ،في حين أنصفت الحضارة الإسلامية العقل وأعلت من شأنه .     

وقبل أكثر من أربعة قرون على مولد العالمين نيكولاس كوبيرنيكس وغاليلو اللذين صدما المجتمع الأوروبي بآرائهما حول كروية الأرض ودورانها، ودفعا جراء ذلك ثمنا غاليا بسبب رفض أفكارهم .كان العالم المسلم أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني قد سبق هؤلاء العلماء في برهنة كروية الأرض ودورانها حول نفسها على محور مائل وحول الشمس في كتابه القانون في علم الهيئة والنجوم ومقدما تصورا علميا لقوة الجاذبية الأرضية،سبق بها العالم إسحق نيوتن ليهدي الكتاب إلى السلطان مسعود الغزنوي والذي شجعه على مواصلة أبحاثه،بعدما رفض البيروني أية عطايا أو مكافآت من جانب السلطان وقد قال البيروني ((كتبت كتابي هذا من أجل العلم لا من أجل المال،فالمال يفنى والعلم خالد )).

لم تقتصر فقط أعمال وأبحاث البيروني في علم الفلك والكونيات،بل امتدت أبحاثه وكتاباته ومؤلفاته ورسائله العلمية في توضيح قياس ورسم سطح الأرض وكيفية تعيين رسم أرضية المحيطات ،وأبعاد المشاريع الهندسية كالسدود والقنوات،لذلك يطلق على البيروني(( أبو الجيوديسيا الحديثة)) .

كما أوجد الكثافة النسبية لعدد من المعادن والتي جاءت مطابقة أو مقاربة لما هو مقرر في عصرنا الحديث.

منهج البيروني التاريخي و العلمي وزيارته للهند

بعيدا عن ترجمة حياة البيروني، ارتأيت تناول أسلوبه ومنهجه التاريخي والعلمي في التحليل والملاحظة ،ولمن أراد التعرف عليه أكثر مولده ونشأته فيمكن الرجوع إلى مواقع الانترنت والى العديد من الكتب والمصادر التاريخية الموثوقة وبمختلف اللغات، فهو أشهر من نار على علم، وما يحز في النفس أن أغلب المسلمين يجهلون أعماله وإنجازاته ،بينما الغرب يعرفه حق المعرفة بسبب عطائه العلمي والمعرفي الفياض على العلوم الحديثة ،ولقد أطلقت وكالة ناسا الأمريكية إسمه على إحدى معالم القمر ،وذلك إعترافا بإسهاماته في الحضارة البشرية الحديثة كما  أقامت جامعة موسكو تمثالا يخلد ذكراه باعتباره أحد عمالقة علماء الجيولوجيا.

أخضع البيروني التاريخ العام للأسلوب العلمي فحوادثه وانقلاباته وتصوراته كان يدرسها ويمحصها على ضوء المناخ والبيئة الاجتماعية وطبيعة الإقليم وكان يعنى بأثر الثقافة الشائعة في عصره ونظم الحكم السائدة في زمانه،بجانب العقائد والديانات وما يتبع ذلك من الدوافع والمؤثرات.

فالبيروني أول من حث على النظر إلى العلم وإدماجه في جملة العوامل الرئيسية ذات الأثر الفعال في ارتقاء أو إنحطاط المجتمعات البشرية،فنراه مثلا يصور لنا التاريخ القديم للهند فلا يخطئ التصوير كأنما يستعرض أمامك العالم القديم في البيئة والخليقة والفكر وطبائعه المزاجية،وكأنه إلهام نافذ وبصيرة ثاقبة انطبعت عليها مشاهد الحياة . 

ومما لاشك فيه أن الوسط الذي ينشأ فيه الإنسان والظروف التي تكتنفه لها تأثير كبير في صوغ أفكاره وقناعاته،ومن هنا ندرك أن العقل ليس حرا في أكثر حركاته وأغلب ميادينه، وإنما هو مجبور على ما يؤديه من الوظائف بدافع من الطباع.

لذلك كانت العقيدة الفكرية التي يدين بصحتها البيروني والآراء الفلسفية و الكونية والفلكية والنظريات الهندسية التي كان يستمسك بها ويحرص عليها وخواطره متأثرة إلى حد كبير بأخلاقه ومن صميم دينه ومستمدة من نظرية العامة في الحياة ولما كانت حياة البيروني قائمة على النظر والتأمل والتفكير والتدبر ،نرى أن للبيروني فلسفة في الطبيعة إختص بها دون سواه من العلماء فكان يقول (( دلت تجاربي الفلكية والهندسية عن الحياة وطبيعة الكون على وجود عقل مدبر غير محدود، وقد كشف تقدم علم الفلك عند العرب والمسلمين واليونان على روائع في الكون خفية ودقائق عجيبة تدل على نظام مبدع وإحكام بارع قد لا تكفي في تعليله الأسباب الطبيعية )). 

فالبيروني فيلسوف وعالم أتت به الأقدار للابتداع لا للتقليد كأنه مكلف بأداء رسالة إلهية،وتحري البيروني للحقائق المستورة عن الأكثرين من العلماء المعاصرين له في زمانه ،يدلنا على بعد فكره وقوة بصيرته الاستشرافية لكشف أسرار الطبيعة والإستفادة من نواميسها حتى أتم القواعد العامة في الرياضيات والفلك.

ويمكن القول أن شخصية البيروني من هذه الناحية آية لامثيل لها على إستقامة القريحة في الملاحظة واﻹيستعاب، فكان ينفذ بقريحته الخصبة إلى عالم الطبيعة كما كان ينفذ بالطبيعة إلى عالم ماوراء الطبيعة , فهي قدرة شذت وانفردت حتى علت على الأنانية والعصبية.

فالبيروني صاحب سليقة جياشة بالسرائر وذهن متوقد حي يهتدي به إلى أخص الخفايا وأصدق الحقائق، فاءذا قلنا أن البيروني قطعة من الطبيعة كان يبني آراءه وقواعده كما يبني النحل خلاياه في نظام وإنتظام.

ومن الكتب التي جالت بخيالي وأفكاري وسبحت في بحر فلسفة البيروني ،وصفه للثقافة الهندية وصفا دقيقا لايشوبه عوج أو إنحراف وفي موضوعية علمية رصينة،كتاب ((تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة )) وهو من أهم ما أنتجه علماء الإسلام في ميدان معرفة ثقافات وعادات وأديان الشعوب و الأمم.

فقد أقام البيروني فترة من الزمن في الهند التي زارها في القرن الرابع الهجري ووصف ديانة الهند وعلومهم وآدابهم وأحوالهم الاجتماعية وقد أظهر البحث العلمي الحديث ما للبيروني من تحر للحق وإخلاص للعلم وإصابة في كل ما وصف.

وقد وصف الفلسفة الهندية من الإعتقاد بالله في الموجودات العقلية والحسية وتعلق النفس في المادة والأرواح وتناسخها ومواضع الجزاء من الجنة والنار وكيفية الخلاص من الدنيا ومنبع السنن والنواميس والرسل ونسخ الشرائع، وقارن في هذا الكتاب الكثير من المواضيع بين عقائد الهند والإسلام في شقها الصوفي والمسيحية والفلسفة اليونانية واﻷفلاطونية الحديثة. 

وقد أسهب البيروني في شرح وتوضيح مسألة تناسخ الأرواح باعتبارها خاصة من خواص الهند وقد قال في كتابه (( كما أن الشهادة بكلمة وإخلاص شعار إيمان المسلمين والتثليث علامة النصرانية واﻹسبات علامة اليهودية ،كذلك التناسخ علم النحلة الهندية فمن لم ينتحله لم يكن منها ولم يعد من جملتها)).

فنظرية تناسخ الأرواح لعبت دورا بارزا وهاما في الفلسفة اليونانية وفي الديانة المانوية وفي مختلف المذاهب الإسلامية الصوفية وفي المسيحية واليهودية ،ويرجع كثير من مؤرخي الفلسفة اليونانية والباحثين أن فيثاغورس أخذ بنظرية التناسخ من الهند ثم أخذها عن فيثاغورس أفلاطون .

فالبيروني كان صلة الوصل بين الثقافة الإسلامية العربية وبين ثقافة الهند وهو مثال الفيلسوف والعالم المسلم الذي يقبل بمختلف ألوان الثقافات والديانات وهذا نابع من صميم دينه الذي أمره بالبحث والتنقيب والتواصل مصداقا لقوله تعالى ((  ومن آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ))  (22) الروم

إن الإحاطة بأعمال وإسهامات البيروني لايمكن حصره في مقال فالمداد لايكفي لإلقاء الضوء على أعمال هذا الفيلسوف العظيم، الذي بصم العالم ببصمته حاملا معه ثقافته الإسلامية التي أحاطت بجميع الثقافات والقوميات في تمازج أقل مايقال عنه أنه مزيج فريد ونوعي  في تاريخ البشرية ،فشتان بين علماء وفلاسفة الإسلام  اليوم وعلماء وفلاسفة الماضي والذين فهموا روح نصوص القرآن وجوهر أقوال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم .

كاتب وباحث  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق