آدبآراءبدوياتقصة قصيرة

باريسيات.. حلقة (٢)

محمد بدوي مصطفى

تهت في مطار باريس وسلمت أمري إلى الله وجلست في إحدى أركان المطار وقلت “الكاتل الله … والحي الله”. لكن لحسن حظي أنني حظيت بلقاء أولاد بلد!
رجلان أسمران يتقدّمان أمام ناظري بخطى ثابتة، توحي من أول وهلة بتمرّسٍ وخبرةٍ طويلة في دروب السفر والغربة. كان حضورهما كغيث في أرض عطشى، وقد أثلج ثبات خطاهما نار قلبي المتقدة بالقلق والتوجس.

تقدّمت نحوهما حاسر الرأس، مترددًا كمن يقترب من طيفٍ يخشى أن يتلاشى في لمح البصر، تقدّمت كما يتسلل الصيّاد على أطراف قدميه نحو فريسةٍ لا يجرؤ على تنبيهها.

ثوانٍ قليلة فقط،
والنفس معلّقة بولعٍ عظيم، تنتظر لحظة اللقاء كمن ينتظر بشرى الخلاص في قلب معركة.

–  إنتو سودانيين؟

فما أن سكت صوتي، حتى بدت على وجهيهما علامات الدهشة والاستغراب!
عيون مشرئبة، رموش مرتفعة، وفمٌ انفرج ليكشف عن أسنان مصطفة كعقدٍ من درٍّ مكنون.

– نعم!–  إنت ود منو؟
–  أخبرته باسم والدي.
–  مالك واقف هنا؟ عندك مشكلة؟

قلت في نفسي: “مشاكلي تنوء بحملها العصبة أولي القوة!”
ثم أجبتهم بصوت يشبه اعترافًا:

–  نعم… هذه أول مرة لي في باريس، ولا أعرف كيف أحوّل مبلغًا من المال لأستعين به في رحلتي. لا أُجيد الفرنسية، ولم أرَ في حياتي مترو، دعك من ركوبه!

فكيف بعد هذا التلكؤ والتجهجه والتسكّع والتسربع، أن أتمكن من حجز فندق متواضع في ضواحي المدينة؟
كيف أمتطي تاكسي؟
وكيف أصف له المكان وبأيّ لسان؟
علمًا بأن الفرنسيين – كما يُشاع في الأحاديث الشعبية الأوروبية – لا يطيقون الحديث بغير الفرنسية،
ولا يأنسون إلا لنغمة لغتهم الرشيقة العذبة!

قلت في نفسي:
إذن الإنجليزية هي المخرج!
لكن ما باليد حيلة، فـ”إنجليزيتي” كانت سودانية خالصة، لا تُفهَم إلا في الخرطوم وربما بعض أطراف ضواحيها.

كيف لي أن أذهب من عمق باريس الممتدة على أطرافها إلى مدينة ليون؟
تلك التي تعدّ ثاني أكبر مدن فرنسا من حيث الاقتصاد والثقافة،
والتي قطعت من أجلها البحار والمحيطات طلبًا للعلم في جامعاتها العريقة.

كان والدي، رحمه الله، يملك شركة صغيرة للتصدير، تتعامل مع بعض الدول الأوروبية.
وذات مساء، وبعد أن لاحظ ولعي باللغة الفرنسية واهتمامي بأدب فكتور هيجو وبلزاك، قال لي:

–  عليك أن تدرس بباريس يا ولدي… نطوّر بها عملنا في أمدرمان، وننافس في الأسواق.
سأرسلك إلى فرنسا. لي فيها صديق قديم، كان وكيلنا التجاري. تدرس، تتعلم، وتتقن الصنعة.

قلت في نفسي حينها:
يا له من أمرٍ مثير!
أدرس مع الحسناوات، أناقشهن في شؤون الفكر والمعرفة،
وأحادثهن بلسانٍ فرنسيٍّ مبين؟
كم تبدو الحياة مغرية من بعيد!

ولم يكن كل ذلك يداعب ذاكرتي،
لكنه عاد الآن فجأة، كوميض برقٍ يقطع ظلام اللحظة.
فكل من قرأ “موسم الهجرة إلى الشمال”،
يحلم – ولو ليومٍ واحد – أن يكون مصطفى سعيد!

أما صاحبة الفضل الحقيقي في حضوري إلى ليون، فكانت إحدى قريباتي،
التي ابتعثتها وزارة الخارجية لدراسة اللغة الفرنسية هناك.
كنت أملك رقم هاتفها في الحي الجامعي أليكس، ذلك الحيّ الأخضر المطلّ على تلة فورفيير الساحرة،
التي شهدت قدوم عدد كبير من الطلبة العرب والسودانيين، خاصةً من قسم اللغة الفرنسية بجامعة الخرطوم.

بحثت في قراطيسي عن الرقم،
ووجدته – بعد جهد جهيد – في آخر زاوية من “شنطة حمزة” التي كنت أجرها جرًّا في يدي اليمنى.
قلت في نفسي:

– كيف أتصل؟
–  هل توجد كبائن هاتف كما في مصر؟
–  ما هو مفتاح المدينة؟

–  هل سترد قريبتي أم زميلة لها؟
–  وكيف سأتفاهم إن لم تخرج هي بنفسها؟

يا للمصيبة ويا لهولها!

هل تعلم يا صديقي،
عندما يسافر الأوروبي – كبيرًا كان أو صغيرًا – فإنه يُعدّ العدة،
يحمل الخرائط، وبدلائل الجيب للغة البلد،
ويتابع حالة الطقس، ويجهّز ملابسه بما يناسب كل الاحتمالات.

أما أنا،
فقد خرجت كما يقول المثل: “برأس حنين”،
لا تحضير، لا خطة، لا نشرة جوية، ولا حتى “سندوتش فول” من السوق العربي!
كان أدب الأسفار – بالنسبة لي – “لفظ أعجمي مستنكر”
كما يقول الألمان حين لا يفهمون شيئًا.

خرجت من المطار كما يخرج الصوفي من الحضرة:
مخلوع القلب، مضطرب النفس، تتقاذفه الأرصفة،
باحثًا عن تاكسي في زحام باريس اللامبالي،
محاطًا بسيارات فارهة، ووجوه شاحبة لا تعيرك انتباهاً.

وما إن لامست وجهي أول نسمة من نسائم باريس،
حتى شعرت بلسعة بردٍ ثلجي،
كأن عقربًا لدغ عظامي،
فاستقرت السموم في مفاصلي الأمدرمانية العزيزة،
تتسلّل من ضلع إلى ضلع، كالسُّم النقوع…

فسلّمت أمري لله.

يتبع في الحلقة القادمة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق