ثقافة وفن

الوجه الجديد للنيو ليبرالية: الديموقراطية كعائق

بوافنتورا دي سوسا سانتوس
حوار: أسبوعية أونيفرسيداد (كوستاريكا)
ترجمة: البشير عبد السلام

مقدمة:
تحظى إسهامات بوافنتورا دي سوسا سانتوس في ميدان علوم الاجتماع باحترام دولي بالغ، سيما داخل الأوساط الأكاديمية المهتمة بهذا المجال، وقد نشر الدكتور أعمالا رائدة حول العولمة، سوسيولوجيا حقوق الإنسان، نظريات المعرفة والديموقراطية؛ تمت ترجمتها إلى لغات عديدة، و قد نالت أبحاثه جوائز عديدة تنويهاً بمجهوداته في تقديم تحليل صارم لما يستجد حاليا من تغيّرات سياسية و اجتماعية في العالم و لتفكيكه البنى الابستيمية و الاقتصادية المهيمنة و اقتراحه سبلا للمواجهة. تجاوزت صدى أعمال بوافنتورا مسقط رأسه بالبرتغال ومن خلالها أوربا لتصل إلى جميع دول أمريكا اللاتينية وحتى الصين. ونذكر من بين هاته الأعمال على سبيل المثال لا الحصر: نزع الاستعمار عن المعرفة وإعادة تشكيل السلطة، الديموقراطية الصعبة، الألفية اليتيمة، إنصاف المعارف: أبستمولوجيا الجنوب في مواجهة الإبادة الابستيمولوجية، نزع الاستعمار عن الغرب.
وقد رأينا أن نساهم بدورنا في إيصال أفكار هذه القامة العلمية إلى القارئ العربي الشغوف بما يروج من أفكار في حقل السوسيولوجيا السياسية والاجتماعية وما يطرأ داخلها ارتباطا بالمستجدات الراهنة في العالم.

الحوار:
■ في كتابك ” نزع الاستعمار عن المعرفة وإعادة تشكيل السلطة ” تساءلتم عن السبب الذي يحُول دون قدرة التفكير النقدي التحرري عن تحقيق التحرر. فما الذي يجب التحرر منه برأيكم؟ وهل الأمر يعود للسياق حيث يكون طرح مثل هذا السؤال في اليوم العالمي لإلغاء العنف ضد المرأة له دلالة خاصة؟
¤ هناك ثلاثة أشكال رئيسية للهيمنة تتحكم في مجتمعاتنا وهي: الرأسمالية، الكولونيالية الباترياركية، وإلى جانبها توجد أشكال هيمنة أخرى تساندها مثل الدين المحافظ أو الطائفية كما في الهند.
إن أشكال الهيمنة الثلاثة تعمل بشكل مشترك، فيما تتم مقاومتها بطرق منفصلة، ذلك أننا قد نلحظ وجود عدة نقابات مناهضة للرأسمالية وذات توجه اشتراكي أو شيوعي ولكنها تكون في كثير من الأحيان عنصرية ومتحيزة جنسيا Sexist، كما قد نجد حركات للتحرر الوطني ضد الاستعمار والعنصرية لكنها متحيزة جنسيا ومؤيدة للرأسمالية، وأيضا هناك حركات نسوية تكون في كثير من الأحيان عنصرية ومؤيدة للرأسمالية.
إن الرأسمالية تستند على فكرة العمل الحر، وترى أن هذا الأخير يجب تبخيس قيمته، لذلك أسّست النيوليبرالية لمسارٍ مُلفت للعمل المنزوع الحقوق، وهو ما نسميه ب ” أوبرة العمل”، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فإلى جانب العمل الحر يجب أن يكون هناك عمل محتقَر وغير مدفوع الأجر، وهذا العمل تقوم به النساء، مجتمعات السود والسكان الأصليين.
لأجل ذلك فنحن بحاجة إلى بلورة فكر يناهض الرأسمالية والكولونيالية والعنصرية كما يناهض في ذات الوقت التمييز الجنساني على حد سواء، وهذه ثقافة جديدة للمقاومة ليس من السهل تنظيمها.
وقد تكون كوستاريكا هي المثال الجيد على ذلك، فهي إحدى دول القارة الأمريكية التي تمكنت من إنشاء دولة رفاهية أفضل من باقي الدول المجاورة، لكنها تشهد نقدا مستمرا لما راكمته على مستوى الحقوق الاجتماعية، ذلك أن الحقوق في هذا البلد قد تحولت إلى امتيازات في يد فئة خاصة، كما أن هناك عملية تكثيف للهيمنة ليس فقط على مستوى رأسمالي وإنما كذلك على مستوى عنصري، وبتحيُّز جندري يُمارَس بشكل عنيف ضد النساء.
■ أمام هذا التكثيف لفعل الهيمنة؛ كيف تنظرون للدور الذي تلعبه المحافظة الدينية؟!
¤ إنها ظاهرة تتقدم بحدة شديدة، بدأ ظهورها في القارة الأمريكية خلال عام 1969 على الأقل، عندما أصدر نيلسون تقريرا ادعى فيه أن أمريكا اللاتينية في خطر بسبب لاهوت التحرير التقدمي الذي ربما كان يسعى للتمرد على الرأسمالية انطلاقا من الدين، و هو ما تطلّب ردّاً دينيا محافظا ضده، و بناء على ذلك تم الشروع في تفعيل هذا الرد من قِبل الإنجيليين الخمسينيين الجدد الذين يعتبرون التيار الأكثر محافظة و فردانية في اللاهوت المسيحي ، ليتم تأسيس الكنيسة العالمية لمملكة الرب بالبرازيل بعد عشر سنوات من ذلك و تكون بذلك المقر الأكبر للمحافظين الخمسينيين الجدد في القارة بأكملها.
تلعب المحافظة الدينية دورا محوريا، ذلك لأننا نعيش وضعا شبه استعماري، ويكمن دهاء النيوليبرالي في نقله الثروة من أمام الفقراء والطبقات الوسطى ووضعها في يد الأغنياء، وتعتبر اتفاقية التجارة الحرة الشكلَ الأعنف لهذه العملية.
يقوم هذا النموذج بخلق فكرة وجود أزمة مستدامة، وهي فكرة ضرورية كي يبقى الناس بدون بدائل، فيتم تبرير الاقتطاعات في الرواتب بادعاء وجود أزمة، وتبرير خوصة التعليم وخوصصة الصحة بذات الادعاء. بمعنى أنه عوض أن يتم شرح الأزمة فإن الأخيرة هي من تشرح تلك الإجراءات.
والمحافظة الدينية هي وسيلة لاستيعاب وتحييد المقاومة لدرجة تجعلك تحس أن هذا الوضع هو الوضع الوحيد الممكن وبالتالي لا وجود لبدائل أخرى.
■ في العام المنصرم قلتم إن الجامعات يجب عليها أن تبحث عن شركاء لها داخل الفئات الاجتماعية و ليس بين النخب، و قد شهدنا حركات احتجاجية بين الطلاب، فقد تظاهروا مثلا ضد إغلاق حصص دراسية و مشاريع أعمال مجتمعية، لكن يبدو أن الجامعة العمومية لا تقترب من الدوائر المجتمعية و إنما من النخب التي تحدد الميزانيات، فما هو المستقبل الذي ينتظر الجامعة إذا ما ظلّت على هذا المنوال؟
¤ كلما وصل مقترح نيوليبرالي إلى السلطة إلا وجعل أحد أهدافه الرئيسية منصبا حول الجامعة العمومية التي يقوم بانتقادها لسببين: الأول لأنها تُنفق أكثر من اللزوم فيسعى لتخفيض ميزانيتها، والسبب الثاني ايديولوجي، ذلك أن الجامعة تقوم بإنتاج معرفة لا تريدها النيوليبرالية، ونقصد المعرفة الحرة، النقدية، المستقلة والتعددية.
لقد كان معتاداً أن تنال الجامعة العمومية دعماً من قِبل النخبة التي كانت تحتاج إليها لتكوين أبناءها حتى تحافظ من خلالها على موقعها في مراكز السلطة والهيمنة.
أما الآن فإن النخبة لا تحتاج للجامعة العمومية، هي تبعث أبناءها للخارج ليتمتعوا بتكوين مُميَّز في جامعات عالمية ولا تثق بالجامعات الوطنية، بل إنها تسعى بالمقابل كي يبقى أبناءها منفصلين عن كل ما يحدث داخل البلد، وإذ تنظر إليهم كزعماء نيوليبراليين في المستقبل فهي ترى من الأصوب ألاّ يعرفوا شيئا عن بلدهم.
إن الجامعات العمومية لا يمكنها الصمود والاستمرار دون دعم الطبقات الوسطى والطبقات الشعبية التي تم التعامل معها بازدراء شديد خلال مدة طويلة، فقد ظلت الجامعة بعيدة عنهم وحان الوقت لتتواصل معهم، لذا يجب تقوية الأقسام الخارجية ليس فقط لربط الجامعة بالهامش، ولكن أيضا لجذب الهوامش إلى داخل الجامعة.
إن أحد الأسلحة الرئيسية للهيمنة يتمثل في إخفاء الحقيقة عنك حتى تتأقلم أنت مع فكرة عدم وجود بديل، و إذا ما أمعنت النظر فإن كل أخبار الصحف و القنوات التلفزية تسود فيها توقعات سلبية، فاليوم هو سيء لكن الغد سيكون أكثر سوءا، و من ثم عليك أن تكون حذراً و ألا تقاوم و ألا تحتج، بل عليك بالتأقلم، و هذه الأسلوب هدفه خلق حالة الخوف و تدمير الأمل، لذلك فإن قسما كبيرا من شعوب العالم اليوم تعيش في حالة خوف مستمر… تخاف من الاغتصاب، من التلوث، من فقدان العمل و من كل شيء.
ولأجل هذا يتعيّن على الجامعات العمومية والحركات الاجتماعية ووسائل الإعلام البديلة أن تتحرك لتزرع الخوف قليلا في الجهات المهيمنة وبالمقابل تحيي الأمل في الجهة المقهورة.
■ لقد شهدنا هذا العام انفجارا اجتماعيا في العراق، ايراند الجزائر، لبنان وهونغ كونغ علاوة على حالات أمريكا اللاتينية، فكيف تفسرون تزامن هذه الحركات التي تنشد المثل العليا على مستوى العالم؟
¤ هذا يرجع لكون النظام النيوليبرالي هو نموذج عالمي، وقد مر بمراحل متعددة، يتعلق أولها بقلب المجتمع ضد الدولة وخلق فكرة المجتمع المدني الصالح مقابل الدولة الطالحة، بالتالي يجب حصر الديموقراطية في الحقوق المدنية والسياسية واعتبار الحقوق الاجتماعية عبئا ثقيلا على كاهل الدولة ومن ثم يجب خوصصة الخدمات.
أما المرحلة الثانية فهي التي نعيشها الآن، فبالنسبة لهاته النيوليبرالية فإن الديموقراطية الليبرالية القليلة الكثافة والتي تم حصرها في الحقوق المدنية والسياسية، لم تعد تخدمها بوضوح بل تتعارض معها عندما تتصادم الحرية الاقتصادية مع الحرية السياسية.
إن ما تريده النيوليبرالية هو الحصول على امتيازات شاملة للحرية الاقتصادية و لحرية المستثمرين الدوليين، و كلما تصادمت الحرية السياسية – أي الديموقراطية – مع تلك الامتيازات فيجب التضحية بها، و هذا ما حدث بالبرازيل حيث كانت الحرية الاقتصادية الشاملة مطلوبة حتى تلج الثروة الطبيعية البرازيلية إلى السوق العالمية، فلم يعد يكفي أن تربح في الانتخابات، لأنهم قد لا يسمحوا لك بهذه الحرية الشاملة و من ثم عليك أن تقوم بانقلاب، وهذا الانقلاب حدث ضد ديلما Dilma ويحدث الآن ضد ايفو موراليس، بمعنى أن النيوليبرالية الان تُظهر لنا مرحلتها الجديدة، أي أنها لم تعد متوافقة مع الديموقراطية حتى في صيغتها المنخفضة الكثافة.
وإذا ما استمرت فكرة أهمية الحرية الاقتصادية على باقي الحريات، فإن الديموقراطية لن تستطيع التحمل كثيرا، ويمكنك أن تموت ديموقراطياً وأنت تختار بين أعداء الديموقراطية، فترامب كما بولسوناري هم أعداء للديموقراطية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق