آراءمجتمع

جدلية الهوية: من العرق والطائفة إلى الوعي الإنساني

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبو بكر الصديق علي أحمد مهدي
د. أبو بكر الصديق علي أحمد مهدي

جدلية الهوية: من العرق والطائفة إلى الوعي الإنساني

ما الهوية؟

هي مركب من المعايير، ذلك الذي يفسح المجال لتعريف موضوع أو شعور داخلي ما. ويحتوي هذا الشعور بالهوية مجموعة من المشاعر المتباينة، كالشعور بالوحدة، وبالتكامل، وبالانتماء، وبالقيمة، وبالاستقلال، والشعور بالثقة المبني على أساس من إرادة الوجود.

ويطلق مصطلح “الهوية” على نظام من المعايير التي بها يُعرف الفرد ويُعرّف، وينعكس ذلك على هوية الجماعة وهوية المجتمع والهوية الثقافية. ويعتبر هذا المفهوم من المفاهيم المركزية، التي لا تغيب عن المجالات العلمية المختلفة المتعددة ولا سيما في حقول العلوم الإنسانية التي تأخذ الطابع الاجتماعي. وينظر اليه، بالتالي، على أنه أكثر المصطلحات أو المفاهيم تغلغلاً في أحشاء حياتنا الثقافية والاجتماعية اليومية، ومن أعظمها شهرةً واستعمالاً.

وبالرغم من ظاهرها البسيط السطحي، الذي وضح فيها مفهوم الهوية، فانه، وعلى خلاف ذلك، يحتوي على مقدار عالي من الصعوبة ومن التعقيد ومن المشاكلة، ويعود ذلك الي أنه شديد التنوع في دلالاته وفي اصطلاحاته.

فالهوية لا تعتبر كياناً يمنح كتلة واحدة والي الأبد، ولكنها جوهر يُخلق ويتطور وينمو، ويتشكل ويتغاير، ويشيخ ويعاني من الصعوبات، ومن الأزمات الوجودية ومن الاستلاب. وعندما همّ الانسان يفتش في كينونته وفي جوهره وفي نفسه ليرسم هويته وقع في معمعة الثنائيات السطحية اللامتناهية، فهذا الانسان هو جسد وروح، وهو عقل وشهوة، وهو مادة ووعي، وما ذكرناه يعتبر شيء من الثنائيات المفترضة التي منها انطلق الانسان ليعرف نفسه ويعي ذاته.

وإذا كانت هذه الهوية حقاً تتطور وتنمو ثم تتكامل وتنضج، وإذا كانت، فعلاً، هي حقيقة وجودية تحتوي على عناصر وجودها، وعوامل نمائها، فإنها، (استناداً على منطق الأشياء)، تحتضن بذور فنائها وانشطاراتها، لأنها تتعرض، وبفعل مؤثرات عديدة تربوية واجتماعية وثقافية، للتشويه وللانكسار. (أليكس ميكشللي، 1993)

وكلنا نعرف بأن هذا الوجود الإنساني يكون في بدن، وهذا البدن لا بد أن يكون في مكان، ولكن وبالرغم من ذلك فهو مستقل عن البدن وعن المكان. فهو وجود مثالي في حيز أو في مكان مطلق. فالبدن هو الذي يحمل الروح ويحضنها، والمكان هو حامل البدن. وتكلم المتصوفة عن جغرافيا الروح، بمعنى أن الروح هي المكان وهي المناطق وهي الأقاليم.

والسؤال هنا.. هل تنشأ الهوية من العرق؟ فمثلاً الهوية الأمازيغية تنسب الي الامازيغ، والدرزية الي الدروز، والكردية الي الأكراد، وهكذا.  وتعتبر هي الأعراق الغالبة في المحيط العربي. فهل هذا العرق هو الماهية، وهل هو الوجود؟ الإجابة دائماً تكون: “لا”، ليس هو الماهية، وليس هو الوجود. فالعرق ما هو الا مادة طبيعية ما بقي الانسان موجوداً بيولوجياً. وكل الأحياء هي عبارة عن سلالات، ودائماً الانسان يتفوق عن بقية السلالات بأنه حيوان ناطق، بمعنى أنه حيوان عاقل. وليس من السهولة بمكان تحديد الأعراق، وذلك للتداخل بينها من خلال التزاوج ومن خلال الهجرات، بل أيضاً بسبب الحروب والغزوات.

أحياناً، قد يتحد ويندمج العرق بالطائفة مثل الدروز والدرزية. ويعتبر العرق بمثابة سلالة بيولوجية لا دخل للإنسان فيها قط. والإنسان أكثر من مجرد سلالة. والهوية لا علاقة لها بالسلالة، ولكنها على علاقة بالوعي الخالص. والوعي الخالص هو هوية خالصة، وعي ذاتي لا رابط له بالبدن ولا صلة.

ونجد أن كل النظريات العنصرية تستند على ربط الهوية بالعرق وربطها بالسلالة. وهذا ما كان هو الغالب وهو السائد في النظريات البيولوجية في القرن التاسع عشر في الغرب، عندما ازدهرت هناك عندهم العلوم الحيوية وذلك بفضل نظرية التطور والنشوء والارتقاء، وتحدت نظرية الخلق التي تقوم وتعتمد على أن الشيء يخرج من لا شيء، في الوقت الذي تقول فيه نظرية التطور أن الشيء يخرج من شيء، حتى في التطور غير المستمر أو التطور المنقطع الذي يسمح بوجود الطفرة. ومصير البدن الفناء ولكن تظل الذكرى باقية، ولا ينقطع العمل الصالح بعد الفناء وبعد الموت. نعم تتماثل وتتشابه السلالات في مادتها العضوية، ولكن يكون هناك تباين في الأعمال.

والسؤال الثاني الذي يفرض نفسه علينا وهو، هل تنشأ الهوية من الطائفية؟ فتوجد هناك الهوية الشيعية أساساً للدولة الشيعية. ولكن، أليس هذا يسبب خطراً على وحدة الأوطان، التي تتشكل من عدد من الطوائف، كلبنان وكسوريا وكالعراق.. وهمجرا؟ بل، تجدنا واجدين هناك في أوربا وفي دولها كثير من الطوائف، كالبروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس. وليس كفاية ولا شافي ذكر كلمة الإسلام ديناً رسمياً للدولة في بعض الدساتير، ولكن، أيضاً، تعيين الطائفة.

اذن! ما هي الطائفة؟ ومن أين جاءت أو من أين أتوا بها؟ ونقول بعد الحمد لله وشكره على نعمة العقل، بأن الطائفة هي نتاج خلاف تاريخي في الدين بين عدد من القوي السياسية المتنازعة والمتصارعة على السلطة.

وبعد، هل يمكن أن نحدد الهوية؟ ومم تنشأ؟ وهل هي هوية المكان؟ فالإنسان يخلق في قطعة من الأرض، في بلد، وفي دولة، وفي وطن. ينشأ هنا فيه ويترعرع فيه ويشب عن الطوق وهو منبت هذه الأرض وهو ابنها. هذه الأرض التي شهدت طفولته واستمتعت بصباه، وراقبت رجولته وحنت على شيخوخته، فبينهما علاقة انتماء وحب، كلما غادره، أي غادر الوطن، حن اليه وسريعاً عاد وارتمي في حضنه وفي احضانه. وطالما سُطرت الخطب ولُحنت الأغاني في الأوطان وفي الحنين اليها، وياما بكت الربابة تعبيراً عن آلام البعاد وعذاباته، وحتمية عودة “الطيور المهاجرة”. (حسن حنفي، 2012) …

غريب..

وحيد في غربتو

حيران..

يكفكف دمعتو

حزنان..

يغالب لوعتو

ويتمنى

بس لي أوبتو (عودته)

طال بيه الحنين

فاض بيه الشجن

والتغرب والتغريب أو النفي من الأوطان لفترة محددة يعتبر عقوبة وحماية للمجتمع من سوء أفعال صاحبها. وكتب الجاحظ الكثير عن الحنين الي الأوطان، نختار نتفات بسيطة مما خطه بالدمع السخين….

((ان لكل شيء من العلم ونوع من الحكمة وصنف من الأدب – سبباً يدعو الي تأليف ما كان فيه مشتتاً، ومعنى يحدو على جمع ما كان متفرقاً، ومتى أغفل حملة الأدب وأهل المعرفة تمييز الأخبار واستنباط الآثار، وضم كل جوهر نفيس الي شكله، وتأليف كل نادر من الحكمة الي مثله، – بطلت الحكمة وضاع العلم -وأُميت الأدب- ودرس مستور كل نادر، ولولا تقييد العلماء خواطرهم على الدهر، ونقرهم آثار الأوائل في الصخر، لبطل أول العلم وضاع آخره، ولذلك قيل، لا يزال الناس بخير ما بفي الأول يتعلم منه الآخر.

وان السبب على جمع نُتف من أخبار العرب في حنينها الي أوطانها، وشوقها الي ترابها وبلدانها، ووصفها في أشعارها توقد النار في أكبادها، – أني فاوضت بعض من انتقل من الملوك في ذكر الديار، والنزاع الي الأوطان، فسمعتهُ يذكر أنه اغترب من بلد الي بلد أمهد من وطنه، وأعمر من مكانه، وأخصب من جنابه، ولم يزل عظيم الشأن، جليل السلطان تدين له من عشائر العرب ساداتها وفتيانُها، ومن شعوب العجم أنجادها وشجعانها، يقود الجيوش ويسوس الحروب، وليس ببابه الا راغب اليه او راهب منه، فكان اذ ذكر التربة والوطن حن اليه حنين الابل الي أعطانها،  وكان كما قال الشاعر:

إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي

                                                                                                وأضحى فؤادي نهبةً للهماهم

حنيناً الي أرض بها اخضر   شاربي

                                                                                                وحُلت بها عني عقودُ التمائم

وألطفُ قوم   بالفتى أهلُ   أرضه

                                                                                                وأرعاهمُ للمرء حق التقادم

وكما قال الآخر:

يقرُّ بعيني أن أرى من مكانه

                                                                                                ذُرا    عقدات    الأبرق    المتقاود

وأن أرد الماء الذي شربت به

سُلمى وقد مل السري كلُّ واحد

وألصق أحشائي ببرد   ترابه

                                                                                                وان كان مخلوطاً بسم   الأساود

فقلت: لئن قلت ذلك لقد قالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفسُ الي مولدها مشتاقة، والي مسقط رأسها تواقة. وقالت الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك – لأن غذاءك منهما وأنت جنين – وغذاءهما منه.

وقال آخر: احفظ بلداً رشحك غذاؤه، وارع حمى أكنك فناؤه. وأولى البلدان بصبابتك اليه بلد رضعت ماءه، وطعمت غذاءه، وكان يقال: أرض الرجل ظئره ودارهُ مهده، والغريب النائي عن بلده المتنحي عن أهله – كالثور الناد عن وطنه – الذي هو لكل رام قنيصه، وقال آخر : الكريم يحن الي جنابه، كما يحن الأسد الي غابة، وقال آخر  الحالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعه كالعير الناشط عن بلده الذي هو لكل سبُع قنيصة، ولكل رام دريئة، وقال آخر: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة – كما تغرس الولادة في القلب رقة وحفاوة، وقال آخر: اذا كان الطائر يحن الي أوكاره فالإنسان أحق بالحنين الي أوطانه، وقالت الحكماء: الحنين من رقة القلب – ورقة القلب من الرعاية – والرعاية من الرحمة – والرحمة من كرم الفطرة – وكرم الفطرة من طهارة الرشدة – وطهارة الرشدة من كرم المحتد، وقال آخر: ميلك الي مولدك من كرم محتدك، وقال آخر: عسرك في دارك أعز لك من يسرك في غربتك، وأنشد:

لقرب الدار في الاقتار خير

من العيش الموسع في اغتراب))

أما بعد.. فالهوية السودانية تنسب الي السودان، واليمنية نسبة الي اليمن، والسورية نسبة الي سوريا، والمصرية نسبة لمصر، والهوية التونسية تنسب لتونس الدولة. وعلينا أن نعرف بأن الإقليم هو الجغرافيا وليس الدولة، اذ قد تتغير حدود الدولة مثل السودان، ولكن الإقليم لا يتبدل ولا يتغير. ومع قيام دولة جنوب السودان، أصبحت هويتهم هي الهوية “الجنوب سوداني” نسبة الي دولة جنوب السودان. ونقول تمييزاً ووصفاً، سوداني، مصري، تونسي، أردني، سوري، ليبي، تشادي، جنوب أفريقي، عُماني…. الخ.

أما الوطن، فهو يتجاوز الحدود الجغرافية كما عند فُشته، فهو الوطن المثالي، هو الوطن الفكرة، الوطن الروح، فمهما غابت الأرض أو اُستعمرت أو سُلبت أو اُحتلت، فان الروح لا تُحتل. الوطن شقيق الروح، هو وطن المتصوفة، الذي ترجع اليه أرواحهم في عالم الأرواح خارج سجن الأبدان.

فالصراعات في مصر تأخذ شكل العقائد المتباينة مثل السنة والشيعة، والكاثوليك والبروتستانت، والشيعة والسنة والمارونية في لبنان، وهكذا. اذن، الطائفية تنكر الوطنية وتعادي المواطنة، فهي تفرق بين المواطنين على أساس طائفي، مع أن الوطن الواحد يتشكل من عدة طوائف تتساوي في المواطنة.

فالطائفة ولاء ديني تاريخي وليس هوية. والطائفي ليس مسؤولاً عنه أي ليس مسؤولاً عن هذا الولاء الديني، يُخلق فيه ويموت فيه. ولكنه يقدر ويستطيع التحرر منها، من الطائفية، أذا بلغ من العقلانية حداً ومن الرشد كذلك. ونستطيع أن نقول بأن الطائفة ليست رابط ولا هي علاقة بين الانسان وربه. هذا هو الدين وهذا هو الايمان بلا علاقة بين الانسان والتاريخ باسم الله.

قد ولدت الطائفية وترعرعت في التاريخ نتيجةً للخلافات بين المؤمنين ونزاعاتهم وصراعاتهم على السلطة. والجميع الي الرسول منتسب. والايمان، ما هو الايمان؟ هو تجريد الطائفية من التاريخ وتحريرها منه حتى ترجع وتعود صافية رائقة كالدين.

والسؤال الثالث الذي يشرئب ليُرى، هو، هل تنشأ الهوية عن الدين؟ فلعلنا واجدين هناك الهوية اليهودية من الدين اليهودي، فاليهودية من خلال تفسيرها الصهيوني هي دين وسياسة، وهي، حقيقةً، سياسة تستغل الدين لتبرير السياسة. أما الصهيونية فهي عبارة عن دين وقومية، أي دين ودولة، وتريد من الآخرين الاعتراف بها ليس فقط كدولة وبس، ولكن كوطن قومي لليهود. فالدول تنشأ وتنهار. أما القوميات الدينية أو الأديان القومية تقوم ولكنها تبقى ولا تنهار.

وعلى نفس المنحى، يُحاجج أهل الدولة الإسلامية بذات المنطق الأعرج واللسان الأخرس، فالإسلام هو دين ودولة، وهو الدين الرسمي للدولة، والشريعة الإسلامية هي دستورها، والحاكمية فيها لله فقط، ومثل هكذا طرح يقلق غير المسلمين ويهدد وجودهم، ويلغي مبدأ المواطنة، ويكون هناك غياب للمساواة في الحقوق وفي الواجبات.

ولكن هناك سؤال مهم جداً وهو، هل ديننا الإسلامي يقر بهذا المفهوم الأيدلوجي المتحجر الماضوي، الذي يمثل دين مختلف عن الدين الصحيح. فلا اكراه في الدين تعني بأن لا سلطة للدين، وتعني أن الدين يقول “أنا لا أحكم”، لأن الحكم يتطلب الإكراه، ويعتمد على الاكراه، والدين لا أكراه فيه.

أما شريعتنا الإسلامية فهي تختلف عن شريعة سيدنا موسي عليه السلام التي كانت حدية، ولا مجال للحركة فيها، حيث يغيب فيها مبدأ الاجتهاد. أما شريعتنا الإسلامية السمحة فهي حدودية وليست حدية، وهذا يعني أن فيها مجال للحركة بين الحدين، الحد الأقصى وحدها الأدنى، وفيها الاجتهاد وله حضور بصورة دائمة ولا يغيب.

وعما يتعلق بالحاكمية، فتقتصر الحاكمية الإلهية على تحديد الحرام، فالله وحده هو من له الحق في التحريم، وذلك لأن التحريم أبدى شمولي، ومثل هذه الأبدية وتلك الشمولية تحتاجان لمن له علم بالغيب، ويكون كامل المعرفة وعلمه مطلق. ونقول بأن الصراع بين العلمانية والإسلامية ليس صراعاً فكرياً بقدر ما هو صراع حول السلطة، بين قوتين سياسيتين متعارضتين، ولا يوْدي مثل هذا الصراع الا الي الانشطار والي التمزق غير المطلوبين وغير الضروريين.

والسؤال الرابع يقول، هل تنشا الهوية من اللغة؟ كما معلوم وكما هو مفهوم لدي الكثيرين فالعروبة من اللغة العربية، فالعروبة ليست بأب وليست بأم، ولكنها هي اللسان، فكل من تحدث بهذه اللغة فهو عربي. ولا تنشأ القومية العربية من العرق، ولكنها تقوم على اللغة وعلى الثقافة وعلى الجوار الجغرافي وعلى التاريخ المشترك، ومن الملاحظ والمعروف أن معظم النحاة العرب كسيبويه وأبي على الفارسي كانوا من الفرس، ولكن نقول عنهم عرب بحق.

وقد كان الاستعمار حريصاً على نشر لغته في البلاد المُستعمرة، فخلقت الفرانكفونية والأنجلوفونية والهسبافونية. وكان من أولياتها القضاء على اللغات المحلية، وهناك أمثلة كثيرة لا يسع المجال لذكرها. ونستطيع أن نقول بأن اللغة عبارة عن أداة اتصال وهي أيضاً أداة تفكير.

خامساً، هل تنشأ الهوية من الثقافة؟ فاذا قلنا بأن هناك هوية إسلامية من الثقافة الاسلامية، فنحن نعني الرابط الذي يربط المسلمين جميعاً في كوكب الأرض على تباين لغاتهم واختلاف أعراقهم وتباعد أوطانهم. وتضم العلوم الإسلامية النقلية والعقلية، الكلام والفلسفة والتصوف والأصول والعلوم النقلية: القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، والعلوم العقلية الرياضية: الحساب والفلك والجبر والهندسة والموسيقي، أو الطبيعة: الطب والصيدلة والمعادن والنبات والحيوان. وهي العلوم التي ظلت وما زالت هي الرابط الذي يربط جميع انحاء العالم الإسلامي. ولكن هذا العالمي لا يقبل أن يسجن في إطار محلي او في سجن إقليمي.

فإذن، الهوية إنسانية، وعموماً أو عمومياً، هي تتجاوز الحدودية الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية. هناك دائماً قيم إنسانية عامة ومشتركة كالحرية وكالعدالة، تراضت عليها كل الإنسانية على مدار التاريخ ومساراته. جوهرها من داخلها، من الفطرة ومن الطبيعة، بلا حدود. ومع ذلك فهي وجودية أرضية يحملها الوجود الإنساني ويحققها في الزمان وفي المكان.

وبعد…

… ماذا عن هويتنا؟

وكخلاصة أخيرة ولكنها ليست أخيرة، يحدثنا د. أحمد البشري متفوهاً بأن السودان لم يكن عبر تاريخه القديم الطويل جزيرة معزولة نائية قصية، محصنة ضد المؤثرات القريبة والمؤثرات البعيدة، ولكنه على عكس ذلك كان لطيفاً وكان كريماً ولا يألوا جهداً ولا مجهوداً في الترحيب وفي الاستقبال، فكانت أبوابه لا توصد اطلاقاً ولا تغلق في وجه أي كائن من كان مهما كان غريباً ومهما كان بعيداً عن كل شعور وعن أي أحساس محلي أصيل.

وكانت صلات السودان مع حضارة مصر القديمة حاضرة دائماً ولم تغب ولو لغمضة من الزمن، وكان من طبيعته التفاعل مع مصر القديمة تأثراً وتأثيراً سلباً وايجاباً. وأيضاً كان لوادي النيل دوره المميز الذي لعبه في جذب العديد من المجموعات البشرية من الساحات القريبة منه بسبب التغيرات وعدم الاستقرار المناخي على مر الحقب وعلى مر الدهور، وغيرها من أسباب وغيرها من مسببات.

ونشأت في الساحة السودانية ممالك عديدة ومتباينة، كان أقدمها وكانت أشهرها على الاطلاق مملكة كوش، ويقال عنها بأنها الأقدم في تاريخ البشرية، ومنها كان ميلاد أصل البشرية -والعهدة على كثير من الرواة والعديد من الباحثين ودور الجامعات الغربية-، وغطت كوش وتمددت في رقعة بعيدة الآفاق لا يُعرف الي أين وصل عمقها جنوباً، وكانت نشيطة تجارياً مع شمالها الذي تقع فيه مصر، وكانت تبادل منتجاتها الأفريقية بالمصنوعات المصرية. وما خلفته من آثار كان دليلاً على أن تأثيرها وعلى ان نفوذها بلغ دارفور ووصل كردفان وأجزاء النيل العليا.

ومع دخول كوش في صيرورتها التاريخية، ظهرت مملكة مروي على خشبة المسرح السوداني، وشغلت مروي مساحة امتدت لغاية منطقة السديرة جنوباً. وبعدها نشأت ثلاثة ممالك مسيحية شغلت الناس وشغلت نفس الرقعة من البسيطة، التي كانت تغطيها مروي قبلها.

وبعد سقوط تلك الممالك، ونسبة لانهمار وتدفق القبائل العربية من مصر جنوباً ومن خلال طرق أخرى، وكان ذلك خلال ضعف مصر وهزالها وتفككها وتضعضعها، طفحت على صفحة الوجود مملكة الفونج -السلطنة الزرقاء- التي شملت أواسط السودان وأعماقه وعمت شماله.

وكان هذا التدفق الانسيابي العربي كقبائل وكبطون متدرجاً كجريان نهر النيل العظيم، وحصل هناك تزاوج وحدث هناك اختلاط وتمازج مع العنصر الزنجي أو مع أهل السودان الأصليين. وكان أن تتابع دخول العرب الي السودان أيضاً مع دخول الإسلام ومع انتشاره في الأرجاء وكذلك اللسان العربي فخلق الخليط الذي يعمر معظم اركان وارجاء وزوايا السودان الحالي.

الا أن الطبيعة وأوامرها فرضت على بعض المجموعات الاحتفاظ بطبيعتها وبعرقها واعتذرت الاختلاط وغابت عن التمازج مع العنصر العربي المتدفق الي داخل ساحات السودان الواسعة المترامية الأطراف، فكان نصيب هذه المجموعات الاحتفاظ بثقافاتها الزنجية وبمعتقداتها التقليدية وظلت أبوابها مقفولة ومغلقة وموصده أو مواريه في وجه المؤثرات الخارجية حتى أوائل القرن التاسع عشر.

وبهذا الفهم وبهذا الادراك واعتماداً على ما ذكرناه في صفحاتنا السابقات وفي السطور السالفات، نقول بأن تعدد الاثنيات والثقافات واللغات في هذا البلد المحب، يجب ان ننظر اليه بعين التكافل القائم على الحرية التعاقدية وعلى الفهم والنظام التربوي والاقتصادي الذي يعترف ويقر بهذه التعددية الجميلة، وكل ذلك في مساحة السودان وفي اطاره الموحد الذي لا تعتبر فيه مجموعة من المواطنين أقلية في وطنها وفي بيتها أو أن تُعامل على هذا الفهم وعلى هذا الأساس، بل تكون فيه المساواة التامة حاضرة بين المواطنين كالمساواة في الحقوق وفي الواجبات، والمساواة أمام القانون، والمساواة في فرص العمل من غير تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو بسبب الدين، وكل ذلك في إطار الديمقراطية الليبرالية، وبين جنباتها القائمة على التعددية الحزبية، والتعددية الاجتماعية المؤسسة على حق المواطنة المحمية بدستور لا يفرق بين المواطنين بسبب الدين أو بسبب العرق أو الجنس،  كافلاً للجميع كل الحريات الأساسية (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية).

ونؤمن بأن كل ذلك يُعبر عنه بأننا سودانيين وكفى، فينا وفي داخلنا التعدد، وفينا وفي داخلنا الاختلافات وتنوعها، فهذا هو حبل وحدتنا السري الذي يشدنا الي بعضنا البعض في وحدة متماسكة قوية راضية رضية مرضية، وهذا هو سر وجودنا وهذا هو سر قوتنا.

من بلادي

وبدافع حبي لها

أناديك أنت، أخي الذي لا غنى عنه

أيها المحترم ((………………………..))

ذو الأصابع الرمادية ،،

اذ بمساعدتك الخارقة

وببيت إثر بيت من الشعر

نبيدُ ………………………………..،

هذا “الرئيس” السفاح.                -بابلو نيرودا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق