
النقد في مجال العلوم
ترجمة وتعليق: ذ. عز الدين لطرش
يمكن تناول النقدفي مجال العلوم من خلال المواضيع الثلاثة الاتية:
1ـ اثبات حقائق قديمة،
2ـ العرض المنهجي المنظم لهذه الحقائق،
3ـ اكتشاف حقائق جديدة.
فالحقائق القديمة إما واقعية وإما تأملية، وأن الحقائق الواقعية تكون إما أخلاقية وإما فيزيائية – مادية. إلا أن الحقائق الأخلاقية هي ما يشكل تاريخ البشر، والذي غالبًا ما يتداخل فيه الجانب الفيزيائي مع الجانب الاخلاقي، إلا أنه يظل أكثر ارتباطا بالجانب الأخلاقي.
وبماأنالتاريخالمقدسمُوحىبهـباعتبارهمعطىايماني” ـ فسيكون من الجحود إخضاعه لفحص العقل؛ لكن لعلها تكون طريقة لمناقشته بهدف الانتصار للإيمان ذاته. فمن خلال المقارنة بين نصوص الوحي والعمل على التوفيق يبنها؛ ثم السعي الى التقريب بين الأحداث التي جاءت بها النبوءات؛ وتغليب البداهة الأخلاقية على الاستحالة الفيزيائية؛ ثم الانتصار لقوة الادلة المتعالية لتجاوزتناقضات العقل؛ وأخذ التراث الديني من نبعه الصافي لتقديمه في كامل قوته؛ وأخيرًا، استبعاد كل حجة غامضة أو ضعيفة أو غير مقنعة للاستدلال على الحقيقة، باعتبارها من الأسلحة الشائعة والمشتركة في كل الأديان والتي يتم استخدمها كأسلوب للتضليل وبنوع من الحماس الزائف. تلكم إذن هي الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها الناقد في هذا المجال. ولقد قام العديد من الفلاسفة بمثل هكذا محاولة، بقدر من النجاح وليس بقدر من مجرد الحماس المتهافت، وسيتبوء باسكال المقام الأول من بين هؤلاء، لكنه سرعان ما سيتنازل عنه ـ لصالح من سينفد ما اكتفى هو بالتفكير فيه.
فيمايخصالتاريخ الدنيوي، ينبغي منح الحقائق درجةً من السلطة والأهمية تزيد أو تنقص بناءً على مستوى احتمالها، ومقدار معقوليتها، وشهرتها، أوفي ارتباط بقيمة الأدلة التي تثبتها: وذلك ممن خلال فحص طبيعة المؤرخين ووضعيتهم؛ هل كانوا أحرارًا في قول الحقيقة؟ وإلى أي حد كانوا يستطيعون إدراكها والتعمق فيها ودون أن تكون لهم مصلحة لتزييفها؟ ينبغي كذلك النفاذـ من ورائهم ـ الى مصادر الأحداث والوقائع العلمية، لتقييم تخميناتهم وفروضهم، ومقارنتها ببعضها البعض، وإصدار أحكام بناءً على ذلك… يا لها إذن من وظائف ومهام من المنتظر أن يقوم بها الناقد! وإذا قام بها على الوجه الأكمل، فكم من المعارف سيكتسب!
لعله سيتمكن من معرفة أخلاق وطبيعة الشعوب، أهدافهم الأساسية، ثرواتهم ومصادر قوتهم الداخلية، مواردهم الخارجية، مستوى تربيتهم وتعليمهم، تشريعاتهم وقوانينهم، أحكامهم المسبقة ومبادئهم؛ سياستهم الداخلية، وانضباطهم على مستوى علاقاتهم الخارجية، كيفية تصرفهم، طعامهم وشرابهم، مستوى تسليحهم وقتالهم؛ مهاراتهم، شغفهم واهتماماتهم، رذائلهم، وفضائلهم بل أيضا معرفة رذائل وفضائل أولئك الذين تولوا شؤونهم العامة؛ مصادر تمويل تلك المشاريع، وكذا معرفة مصادر الاضطرابات والقلاقل، والثورات، والنجاحات، والإخفاقات؛ بل معرفة طبيعة البشر، والأمكنة، والأزمنة؛ وأخيرًا ينبغي معرفة مختلف الجوانب الأخلاقية والعلمية وكل ما يمكن أن يسهم في تشكيل أو تغيير أو هدم وإعادة بناء وترتيب الشأن البشري، وبالتالي ضرورة استغلال كل ما من شأنه أن يسهم في الخطة والمنهجية التي يتبعها العالِم عند مناقشته للتاريخ. فكم من التفكير والإضاءة ستحتاج كل سمة من سمات هذا المجال ـ في كثير من الأحيان ـ لكي تصير واضحة وجلية؟ ومن ذا الذي سيجرؤ على اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان هانيبال قد أخطأ عندما توقف في كابوا، وإذا كان بومبيوس قد حارب في فارسال من أجل نيل الإمبراطورية أو من أجل الحرية؟
أما فيما يتعلق بالحقائق الفيزيائية البحتة فهي ما يشكل التاريخ الطبيعي، ويتم في إطارها إثبات الحقيقة وفق منهجيتين: إما من خلال تكرار الملاحظات والتجارب العلمية، أومن خلال تقدير قيمة الشواهد والأدلة المعتمدة خاصة حينما لا نتمكن من إجراء عملية التحقق التجريبي. ولعل غياب التجريب العلمي هو ما جعل العديد من الوقائع التي ذكرها بلينيوس (بليني) تُعتبر مجرد خرافات، في حين أن علماء الطبيعة ضلوا يثبتون صحة العديد من هذه الوقائع يوماً بعد يوم من خلال ملاحظاتهم العلمية.
فإذا ما كان القدماء شكّوا في أن يكون للهواء ثقل، فإن توريتشيللي وباسكال قد أثبتا ذلك. وحينما أعلن نيوتن سطحية الأرض، ضل الفلاسفة ينتقلون من مكان إلى الآخر لقياسها. أما مرآة أرخميدس فقد حيّرت عقولنا، إلا أن أحد الفيزيائيين، بدلاً من إنكار هذه الظاهرة، حاول إعادة إنتاجها، وأثبت صحتها من خلال العمل على تكرارها. بهذه الطريقة ينبغي علينا نقد الوقائع. ولكن باتباع هذه الطريقة، سيكون هناك عدد قليل من النقاد في مجال العلوم. فمن الأسهل والأسرع أن ننكر ما لا نفهمه؛ ولكن هل نحن من سيحدد إحداثيات وحدود الممكن، ونحن الذين نرى يوميا البرق يتكرر، وربما صرنا أقرب من إدراك سره لتوجيهه والتحكم فيه؟
فهذه الأمثلة يجب أن تجعل الناقد حذراً في أحكامه. فالتصديق الأعمى هو من نصيب الجهلاء؛ وعدم التصديق المقصود هو من نصيب أنصاف العلماء؛ أما الشك المنهجي، فهو ديدن الحكماء. ففي ارتباط بالمعارف الإنسانية، يُثبت الفيلسوف ما يستطيع إثباته؛ ويعتقد فيما أثبته؛ ويرفض ما يثير اشمئزازه؛ ويستنكف عن اصدار حكمه على كل ما تبقى.
هناك حقائق لا تسعفنا لا معطيات الزمان ولا المكان على أن نجري عليها التجارب، وهي بالنسبة لنا مجرد احتمالات لا يمكن ملاحظتها إلا بعين العقل. إما أن تكون هذه الحقائق مبادئ أولية للوقائع العلمية التي تثبتها، وهنا يجب على الناقد أن يصعد أدراجه إليها عبر تعقبه لسلسلة الأحداث؛ أو أن تكون بمثابة نتائج لها، وفي هذه الحالة عليه أن ينزل بنفس الدرجات للوصول إليها.
فالحقيقة غالبا ما قد يصل إليها المكتشف عبر مسلك واحد، إلا أنه غالبا ما لا يترك له – الطريق– أي أثر؛ في هذه الحالة سيكون من الأجدر البحث عن طريق جديدة نحو الحقيقة بدل السعي إلى اكتشاف ذلك المسلك السابق. حيث إنه أحيانًا لا يكون المخترع إلا مغامرًا ساقته العاصفة إلى الميناء؛ أما الناقد فهو ربان ماهر وفنان لا يقوده إلا فنه؛ على اعتبار أنه علينا أن نتحرى فيما إذا كان مسموحًا لنا أن نطلق اسم الفن – العلم– على سلسلة من المحاولات غير الأكيدة واللقاءات القائمة على المصادفة حيث يسير المرء بخطوات مرتجفة. ومنه فلكي يتم ضبط وتقليص قواعد استقصاء الحقائق الفيزيائية، يجب على الناقد أن يمسك بمنتصف السلسلة ونهاياتها؛ فإن أي حلقة تفلت منه هي بمثابة خطوة ناقصة تقف في طريقه – حائلة – دون الوصول إلى البرهان. لكن ستضل هذه الطريقة غير قابلة للتطبيق لفترة طويلة. لأن حجاب الطبيعة بالنسبة لنا يشبه حجاب الليل، حيث تضيء بعض النقاط في ظلام دامس؛ ومن المؤكد أن هذه النقاط المضيئة لا يمكنها أن تتكاثر بما يكفي لإنارة الفجوات بينها وليملأ النور المجال.
فما هي إذن مهمة الناقد؟ عليه إذن أن يدقق في الحقائق المعروفة مسبقا؛ من خلال تحديد، ما أمكن، طبيعة العلاقات والمسافات التي تربط بينها؛ وأن يصحح الحسابات الخاطئة والملاحظات المعيبة؛ وباختصار، عليه أن يقنع العقل البشري بضعفه، وأن يجعله قادرا على الاستخدام المفيد لما تبقى له من طاقة ضئيلة ضل يستنفذها هكذا هباء؛ وأن تكون له الجرأة لكي يقول لمن يريد أن يخضع التجربة لأفكاره: مهمتك هي مساءلة الطبيعة، وليس استنطاقها وجعلها تتكلم لصالحك.
ومنه،تضلالاكتشافات العلمية في حاجة إلى وقت لتصل إلى مرحلة النضج، والتي تضل الأبحاث دونها – تبدو– غير مثمرة. فالحقيقة لا تنبثق إلا حينما تجتمع مختلف عناصرها الأساسية. على اعتبار أنها هي بدورها لا تلتئم ولا تنتظم إلا عبر سلسلة طويلة من التوليفات؛ وهكذا، فما كان قد تم احتضانه خلال قرن معين، إذا جاز القول، سوف لن يتم جني ثماره إلا في القرن الذي يليه؛ فمثلا، نجد أن مشكلة الأجسام الثلاثة التي اقترحها نيوتن، لم تُحل إلا في عصرنا هذا، وقد حُلَّت في نفس الوقت بواسطة تظافر جهود ثلاثة رجال. هذا النوع من تخمر الفكر البشري، وعملية الهضم هاته لمعارفنا، هي ما يجب أن يراقبها الناقد بعناية: بحيث عليه أن يتتبع تقدم العلم خطوة بخطوة، وأن يشير إلى العوائق التي حالت دون تقدمه، والتفكير في كيفية تنحية هذه المعيقات والحواجز، وتبيان سلسلة الصعوبات والحلول التي تم من خلالها انتقال العلم من الشك إلى الاحتمال، ومن الاحتمال إلى اليقين.
هكذااستطاعالناقدإخراسأولئكالذينيعملونفقطعلىتضخيمسمكوحجمالعلمدونأنيقدمواإضافةنوعيةإلىكنههوجوهره. سيعمل على التنويه بخطوات التقدم الذي أحرزه العلم في منتوج علمي معين؛ أو سيعمد إلى إعادة العمل إلى نقطة الصفر إذا ما لاحظ أن المؤلف لم يقدم أي إضافة تذكر. تلكم إذن كانت مواضيع وثمار النقد في هذا المجال.




