
قيصر الواقعيّة وقيثارة النيلين
عبد الرحمن التكينة (2)
د. محمد بدوي مصطفى
ملهم، مبدع، كريم، حرفيّ، دؤوب، مثابر وحلو المعشر هذا الرجل. من أول وهلة تحدثنا فيها سويا أحسست فيه شيئا يندر عند الآخرين، شيء مثل الفخامة والإجلال وفي نفس اللحظة يلبس التواضع والكرم هنداما. عبد الرحمن التكينه رحالة في سبيل الفن، امتطى صهوة ريشته ليسافر في بلاد الله الواسعة من أجل العلم والعمل، لم تبطره الغربة ومراراتها والهجرة القصرية خارج موطنه وبعيدا عن الأهل والعشيرة في أن يضاعف طاقاته ويشمر ساعده وأن يضع كل نَفَس، ألم ودمعة على شاكلة أطياف تحتويها لوحات وأعمال فنيّة تنافس بدون أدنى شك أهل الفن الاحترافيّ في كل بقاع العالم. سافر إلى العديد من بلدان العالم العربي والغربي، رحل إلى بيروت وأقام بها وصلته الحرب نيرانها فترك كنوزه بها لاهثا إلى برّ الأمان وإلى الآن نتساءل: أين راحت كل تلك الثروة ومن حاز بها؟ يظل كل ذلك حلقة مفقودة في حياة الرجل تبعث فيه روح التحدي والطمأنينة على حد سواء، من ثمّة هاجر إلى السعودية وسافر معلما للناس في ردهات الدنيا الواسعة ليعقد ندوات وورش منها الأخيرة والمحكمة والتي أقامها لفنانيّ الألوان المائية بإيطاليا والتي استقطبت عددا كبيرا من الزوار وجذبت الرأي العام الإيطالي والعالمي إليها. فن التكينه لا يمكن حصره في ركن واحد فالرجل يحمل ذخيرة فن موسوعيّة وفي تطور دائم بمجهودات مقدرة وفوق هذا وذاك في سياقه الشخصيّ في مرحلة اكتشافات مستمرة ترتاد الأنماط المختلفة من معرفيات الفنّ والمواد. لا تقف نجاحاته المستمرة والخالدة في الفوز بالجوائز (الأخيرة هذا العام بالسعودية) أو الطلب الكبير المتوافد إليه في استقطاب لوحاته كأغلفة للمجلات والكتب أن يكتفي ويقف عند هذا الحد، بل يعمل بعقلية العالم المدرك أن الظلام يتفتق بالمعرفة وأن المعرفة هي أم الحكمة وأنه في النهاية سينصب كل هذا المخزون المعرفيّ بداخل اللاوعي التُكَينيّ في شكل لون وجرّة ريشة.


تجاوزت أعماله ما وراء الواقعيّة وطرقت أبواب السحر الفنيّ الراقي ذلك عند تأمل، من ناحية منتوجه الفنيّ الغزير، ومن ناحية أخرى ابداعه في صحن أعماله لا سيما الأخيرة واتقانه للتفاصيل المرهقة العميقة. لقد نافس بريشته التكينيّة فنانيّ العالم جمعا ورسم على سبيل المثال لا الحصر لوحة البنت الإثيوبيّة ذات الشعر المضفور وأنا أحس في عمله عندما أقارنه بالأعمال الأخرى لنفس اللوحة أن ريشته كانت الأقرب إلى روحي، أحسست فيها أن هذه الصبية تقف بهيئتها تلك بجانبي، تتبدى كاتمة لسرّ ما أو ربما لألم تعكسه عيناها البراقتان اللتان أبدعتهما ريشة عبد الرحمن التكينه. سوف تكون هذه أول حلقة معه في شكل أعمال البورتريه وسوف نعود إليه لنكتشف أنماطه الأخرى. هذا الرجل عملاق يستشف سلسبيل النيل ويستسقي مداد لونيه الأزرق والأبيض، ليخلق لنا بريشته العجب العجاب: التكينه فنان عالمي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان.




