غير مصنف

في حوار ثقافي، الكاتب عبد العزيز كوكاس يفتح قلبه لقرائه

ليست الحرية دائماً في قول كل شيء بل في ألا تقول ما لا تؤمن به، وألا تجعل قلمك أداة للتزييف

حاورته سعاد يعكوبي

يمثل مسار الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس تجربة مركبة لمثقف اشتغل في منطقة التماس بين الصحافة والأدب والنقد، وبين سؤال الكتابة وسؤال المجتمع. فقد جمع بين ممارسة الإعلام في لحظاته الأكثر حساسية مع السلطة، والانخراط في المشروع الأدبي والفكري بمختلف تجلياته السردية والشعرية والنقدية، بما يجعل تجربته مدخلا لقراءة تحولات المثقف المغربي والعربي، وأسئلة الكلمة في علاقتها بالسلطة والذاكرة والإنسان.
إن استعادة هذا المسار لا تقف عند حدود السيرة الشخصية، بقدر ما تفتح أسئلة أوسع حول وظيفة الكاتب، وتحولات الصحافة، وأزمة القراءة، وموقع الأدب في زمن السرعة الرقمية، وحدود قدرة الكتابة على مقاومة النسيان وفقدان المعنى.

المحور الأول: المسار الشخصي وبناء المشروع الثقافي

1. حين تستعيدون مساركم الممتد بين الصحافة والأدب والنقد والسينما، كيف تقدمون الخيط الناظم لهذه التجربة المتعددة؟ هل نحن أمام مجالات متجاورة أم أمام مشروع ثقافي واحد تتعدد أشكاله وتعبيراته؟

حين أنظر إلى هذا المسار من بعيد، أجد أن الذي وحّده هو القلق، لم أضع في البداية خريطة أوزع فيها نفسي بين الصحافة والرواية والشعر والنقد. كانت هناك أسئلة لا تستريح داخل شكل واحد، وكنت أذهب إلى الشكل الذي يمنحني قدرة أوسع على الإنصات إليها. سبق لأحد النقاد أن وصفني بالكاتب العابر للتخوم، إن عبور الحقول يتيح لي مساءلة ما ألفته في كل واحد منها. فعندما يعود الصحافي من قراءة رواية جيدة، يفترض أن يكون أشد انتباهًا إلى الإنسان الذي يختبئ خلف الحدث والخبر، وأن يعود الروائي من الاحتكاك بالواقع أقل اطمئنانًا إلى أفكاره الجاهزة عن البشر. غير أن هذا العبور يحتاج إلى وعي بالفروق. لا أمنح الخيال في التحقيق الصحافي الحرية التي أمنحه إياها في الرواية، ولا أطالب القصيدة بأن تقدم أدلتها كما يفعل الخبر. أرى وحدة المشروع في نوع الانتباه الذي يحركه: البحث عما تخفيه الصورة المكتملة والتصورات النمطية، فأنا ضد الألفة التي تخلق الاطمئنان. وربما كان الكتاب الذي أطارده موزعًا على هذه المحاولات، وكل نص يكتشف أن شيئًا منه لم يُكتب بعد. أكتب كي لا تصبح الحياة نسخة واحدة، وكيلا أصير، مع مرور الوقت، نسخة مطمئنة من نفسي.

2. كل تجربة إبداعية تنطلق من لحظة تأسيسية. كيف ولدت علاقتكم الأولى بالكتاب والكتابة؟ وهل كانت الكتابة لديكم اختيارًا واعيًا أم استجابة لحاجة داخلية إلى فهم الذات والعالم؟

لا أستطيع أن أستعيد البداية في هيئة مشهد أسطوري أقول بعده: هنا وُلدت ككاتب. الذاكرة تغرينا بأن تمنح حياتنا ترتيبًا لم يكن لها وهي تحدث. ما أستطيع قوله، وقد تحدثت عنه من قبل، أنني قرأت في المرحلة الابتدائية كتبًا كانت أكبر من قدرتي على الفهم. وأرى الآن أن في ذلك درسًا: يستطيع الكتاب أن يؤثر فينا قبل أن نستوعبه، أن يترك سؤالًا أو شعورًا بأن وراء العالم المرئي عالمًا آخر. كانت القراءة محاولة امتلاك مبكر للمعرفة، واكتشافًا لاتساع ما لا أعرفه زد على ذلك أنه لم تكن لدينا مكتبات في منازلنا، لذلك كنت ألتهم كل ما يسقط بين يدي، وقد قرأت كتبا عديدة: روايات وكتب دينية وفكرية ونقدية بدون أغلفة ومنزوعة البدايات أو النهايات، كيف كان عليّ أن أجتهد لأجد البداية والنهاية الملائمة لما قرأت، إن مخيلة أخرى كانت تقوم بإتمام الكتاب المنقوص والقصة المبتورة البداية والنهاية وحتى بعض صفحات الوسط التي تكون قد عبثت بها الفئران أو الأرضة….

ثم جاءت الكتابة بوصفها محاولة للمشاركة في هذا الاتساع. نشرت مقالًا في صفحة القراء وأنا في بداية السلك الثانوي، وكانت لرؤية اسمي مطبوعًا فرحة لا أنكرها. لكن المسافة بين تلك الفرحة وبين الكتابة بوصفها ضرورة طويلة: في البداية تريد أن يرى الآخرون اسمك، ثم تتعلم أن تضع الاسم جانبًا حتى تستطيع رؤية الآخرين. وما زلت أعتقد أن العلاقة الأخصب بالكتاب تبدأ من الحاجة، ثم يربيها الاختيار والعمل. الحاجة تمنحك نار البداية، أما الاستمرار فيتطلب أن تتعلم كيف تصنع من النار ضوءًا، وأن تقبل كثيرًا من المحاولات التي لا تضيء شيئًا.

3. ينتمي جيلكم إلى مرحلة ثقافية وسياسية اتسمت بصعود أسئلة الحرية والديمقراطية ودور المثقف. كيف أسهم ذلك السياق التاريخي في تشكيل وعيكم الفكري والجمالي؟

تعلمنا داخل أفق كانت فيه الكلمات الكبرى مرتبطة بمصائر حقيقية: الحرية، العدالة، التغيير، الالتزام. لم يكن النقاش الفكري منفصلًا عن السؤال: كيف ينبغي أن نعيش معًا؟ منحني هذا السياق إحساسًا بأن الكتابة شأن يتجاوز صاحبها، وأن للجملة مسؤولية حين تدخل المجال العام. لكنه حمل أيضًا إغراء اليقين، كان من الممكن أن نحب الفكرة حتى نكف عن رؤية الإنسان الذي لا ينسجم معها. لذلك أرى الوفاء لذلك الزمن في استئناف أسئلته، وفي القدرة على مراجعة أجوبته أيضًا.

جماليًا، قادني هذا الامتحان إلى الشك في الشخصية التي توجد داخل النص لإثبات صواب شعار ما. الإنسان أوسع من موقعه في الصراع، قد يكون عادلًا في موقف وقاسيًا في علاقته بمن يحب، وقد يحمل قضية نبيلة ويعجز عن الإصغاء إلى أقرب الناس إليه. تعلمت أن أترك لهذه التناقضات حقها في الوجود. فالنص الذي يمنح القضية إنسانًا حيًا يخدم المعرفة أكثر من نص يمنحها تمثالًا. وما أحتفظ به من وعي ذلك الجيل هو رفض اعتبار الظلم أمرًا طبيعيًا، وما أراجعه هو اعتقادنا أحيانًا بأن معرفة الجهة التي نقف معها تعفينا من تعقيد التفكير. لقد منحتني الصحافة المهنية هذا الوعي النقدي في حينه جعلني أنظر للاختلاف بعين الرحمة كما يقول المغاربة.

4. ولدتم في مدينة الرباط، وهي فضاء يحمل رمزية سياسية وثقافية كبيرة. إلى أي حد يمكن اعتبار المكان الأول ذاكرة عميقة ساهمت في بناء حساسيتكم الأدبية ونظرتكم إلى الإنسان والمجتمع؟

للرباط في نظري أكثر من وجه، ولا أريد أن أقرأ طفولتي بأثر رجعي كما لو أن الطفل كان يرى العاصمة بعين المحلل السياسي. المدينة الأولى تصل إلينا عبر البيت والحي والأجساد التي تمنحنا الأمان أو الخوف. وقد تحدثت عن نشأتي في أسرة متواضعة كثيرة العدد، وعن الحب الذي كان يحيط بي. هذه هي الطبقة التي تسبق الرمزية الرسمية للمكان: قبل أن أعرف المدينة بوصفها مركزًا، عرفتها بوصفها علاقات وأصواتًا وروائح ومسافات يقطعها الطفل الذي كنته في دوار الدباغ.

لاحقًا يصبح الكاتب قادرًا على قراءة التفاوت بين المدينة التي تُقدم في صور البريد الأنيقة والمجلات الصقيلة والمدينة التي تُعاش، بين الخريطة التي تظهر المباني في مجلات فاخرة، والخريطة الخفية والحقيقية. لكنني أحذر من أن أختزل المكان الشعبي في الفقر أو أن أجعل الحنان تعويضًا أدبيًا عن الحرمان. للمكان خصوبته وقسوته معًا. وهو يبقى في الكتابة أقل مما نتصور بوصفه وصفًا للشوارع، وأكثر مما نتصور بوصفه إيقاعًا للنظر: كيف أنتبه إلى شخص ينتظر، إلى بيت يحفظ غياب صاحبه، إلى مسافة قصيرة تقسم حياتين. ثم تأتي الأمكنة اللاحقة لتعيد تفسير المكان الأول، لذلك أعتبر الذاكرة الجغرافية طبقات متحاورة، لا هوية مغلقة يسلّمها لنا الميلاد مرة واحدة. الرباط رباطات، وأهلها بعضهم يشبه وظيفتها كعاصمة إدارية، أنيقون مليؤون بلغة مستعارة، وبعضهم يسير بجانب الحائط بحثا عن الأمان، وآخرون يردون على الإقصاء بعنف يعلو أو يخبو في شدة قسوته.. هنا مصادر حية للإبداع لا تحد.

المحور الثاني: التكوين وبناء الوعي النقدي

5. كيف تنظرون اليوم إلى العلاقة بين التكوين الأكاديمي في الأدب العربي بجامعة محمد الخامس وبين المعرفة التي صنعتها التجربة اليومية والاحتكاك بالواقع؟

أنظر إلى التكوين الجامعي بوصفه تعلمًا للمسافة النقدية وللتراكم المعرفي والكفاءة المنهجية. القارئ المحب ينفعل بالنص، والدرس الأدبي يساعده على أن يسأل: كيف صُنع هذا الانفعال؟ كيف ساهم الإيقاع ووجهة النظر وترتيب الزمن في إنتاج دلالة النص؟

حين التحقت بكلية الآداب في الرباط، كان انجذابي إلى الشعر والرواية جزءًا من هذا الطريق. المعرفة المنهجية تتيح للذائقة الإبداعية أن تشرح نفسها، وتمنع الانطباع من أن ينصّب نفسه حكمًا نهائيًا. لكنها تفقد خصوبتها عندما نعامل المنهج كما لو أنه يعرف النص قبل أن نقرأه.

أما الحياة فتضع أمامك ما لا يستقر في التعريف. قد تدخل إلى تجربة وأنت تحمل مفهومًا عن الهامش، ثم تلتقي نصا يربك كل ما تعلمته، وقد تظن أنك تفهم معنى السلطة حتى تراها تعمل داخل تفصيل عادي لا داخل قرار كبير. لهذا أحتاج إلى الاتجاهين: أعود إلى الكتب كي لا أظل أسير الانطباع، وأعود إلى الناس كي لا أحول المفهوم إلى مومياء محنطة. فالخبرة قد تكرر تحيزاتنا إذا لم نفحصها بوعي نقدي، مثلما قد تتجمد المعرفة الأكاديمية إذا لم نعرضها على أسئلة جديدة. يتكون الحس النقدي في هذه المراجعة المتبادلة، في أن أسمح لما أعرفه أن يتعلم مما لم أكن أتوقعه.

6. كيف تشكل وعيكم الأول بالكتابة؟ ومتى شعرتم أن الكتابة أصبحت مشروعًا لا مجرد هواية؟

ثمة فرق بين أن يعجبك أن تكتب، وأن تصبح مسؤولًا عما تكتب. أظن أن المشروع يبدأ عند هذه النقلة: حين لا تعود حرارة الانفعال كافية لتبرير نشر النص، وحين تستطيع أن تحذف فقرة تحبها لأنها لا تخدم ما تحاول قوله. لا أملك تاريخًا واحدًا لهذه النقلة، أراها تراكمًا في العلاقة بالقراءة والعمل والمراجعة. تصبح الكتابة مشروعًا عندما تنتظم حول أسئلة تعود بوجوه مختلفة، وتكتشف أنك تغير أدواتك باستمرار لفهم شيء يقاومك.

أما التمرد على النماذج فمرحلة ضرورية، لكنه قد يبقى مراهقة جمالية إذا اكتفى بعكس ما يفعله السابقون. من يكتب ضد نموذج في كل جملة يظل تابعًا له من الجهة المقابلة. الاستقلال أعمق: أن تقرأ من تحب حتى تعرف ما الذي لا تستطيع أخذه منه، وأن تتعلم من لغته دون أن تستعير موقعه في العالم. ما يعنيني هو الوصول إلى ضرورة تخص النص نفسه. وعندما أراجع ما أكتب، أسأل: هل اكتشفت هنا شيئًا، أم أعدت إنتاج الحركات التي صار القراء يعرفونني بها؟ أخاف من الأسلوب حين يتحول إلى توقيع آلي، فالكاتب قد ينجح في التعرف إلى صوته، ثم يفشل في سماع أنه صار يكرر نفسه.

7. كيف تقرؤون اليوم مفهوم المثقف؟ هل ما زال قادرًا على ممارسة دوره النقدي أم أن شروط إنتاج المعرفة تغيرت جذريًا؟

أتحفظ على استعمال «المثقف» كرتبة اجتماعية تمنح حاملها صلاحية الكلام في كل شيء. ما يعنيني فعل ثقافي محدد: أن يجعل الإنسان معرفته قابلة للفحص، وأن يربطها بأسئلة الحياة المشتركة، وأن يملك الشجاعة لمراجعة ما ينتفع به هو نفسه من صور العالم. يستطيع المثقف أن ينتقد السلطة ثم يعيد إنتاج منطقها داخل جماعته الصغيرة، وأن يدافع عن الاختلاف نظريًا ويضيق بمن يختلف معه. لذلك تبدأ وظيفته النقدية من مساءلة موقعه، ومن إدراك أن النية النبيلة لا تحصّن صاحبها من الوهم.

تغيرت شروط الحضور وإنتاج المعرفة وتداولها، وتراجعت قدرة المثقف على احتكار تفسير العالم بعد انتشار التعليم والثورة الرقمية التي منحت الكثيرين الحق في صياغة بلاغتهم الخاصة كما يقول فوكو. أرى في ذلك إمكانًا للتحرر من صورة المثقف الوصي، صار دور المثقف يحتاج أكثر إلى العمل المشترك وإلى التخصص المتحاور وإلى توضيح حدود المعرفة. وقد يمارس أستاذ أو مترجم أو باحث أو فنان أثرًا عميقًا دون أن يكون وجهًا دائمًا على الشاشة أو في المجالس الثقافية والمهرجانات والمواسم… السؤال الذي أفضله هو: أين تتكون اليوم قدرة المجتمع على التفكير في نفسه؟ وحيث نجد هذه القدرة، ينبغي أن نحمي شروطها. جدوى المثقف تقاس بما يتيحه للآخرين من استقلال في الفهم، لا بعدد الذين يتكلم بالنيابة عنهم.

المحور الثالث: الصحافة والسلطة: الكتابة في منطقة الاحتكاك

8. كيف تقيمون تجربة الصحافة الأسبوعية المستقلة في المغرب؟ وما الذي ميزها عن واقع الصحافة الحالية؟

أراها تجربة وسعت مجال السؤال والنقد واختبرت حدود ما كان يسمى الخطوط الحمراء، وجعلت جزءًا من القراء ينتظر من الصحافة تفسيرًا يتجاوز نقل التصريح. كان للإيقاع الأسبوعي أثر في طريقة العمل: وقت نسبي لتركيب الوقائع، وللبحث عما يصل حادثة صغيرة ببنية أوسع. وارتبطت بعض تلك التجارب بقدرة على مساءلة اللغة السياسية السائدة، وعلى تقريب قضايا حساسة من النقاش العام. لكنني لا أرغب في كتابة تاريخها بلغة المديح الذاتي. كانت فيها شجاعة ومغامرة، وكانت فيها أيضًا هشاشة في المؤسسة والتمويل، وأخطاء في التقدير، وتفاوتات مهنية ينبغي أن تدخل الحساب.

لا تصير جريدة مستقلة لأن اسمها يعلن ذلك، ولا لأن علاقتها بالسلطة متوترة دائمًا. الاستقلال امتحان للوقائع حين تخالف موقفك، وللمصدر حين يكون قريبًا منك، وللتمويل حين ينتظر مقابلًا. وما يمكن أن نتعلمه من تلك المرحلة هو الحاجة إلى تحويل جرأة الأفراد إلى ضمانات مؤسسية: قواعد تحرير وشفافية ومراجعة وحق في التصحيح. أما اليوم فقد اتسعت إمكانات النشر والوصول، وتغير اقتصاد الانتباه. توجد أعمال جدية تستفيد من الأدوات الجديدة ولا تنصفها المقارنة الحنينية. المطلوب أن ننقل ما كان خصبًا في التجربة إلى شروط الحاضر، وأن نتعلم من أعطابها بدل أن نقدسها ونحفظها في ألبوم الأبطال.

9. تحدث محمد سبيلا عن «الأسلوب الفاتن والأخاذ» في كتابتكم. كيف تحققون التوازن بين جمالية اللغة ودقة التحليل؟ وهل يمكن للصحافي أن يكون صاحب مشروع جمالي؟

أعتز بهذه القراءة التي يذكرها السؤال، وأفهمها مسؤولية أمام اللغة وأمام الوقائع. فالجملة الجميلة تملك قدرة إضافية على الإقناع، وهذا يجعل خطرها أكبر حين تكون مادتها غير دقيقة. من السهل أن ينساق الكاتب وراء صورة بليغة، ثم يكيف الواقعة حتى تلائمها. لذلك أرى أن أول شروط الجمال الصحافي أن يحتمل الاختبار: هل يوضح ما حدث؟ هل يميز بين المعلومة وتأويلي لها؟ هل أستطيع أن أشرح للقارئ ما أعرفه، وما أرجحه، وما لم أستطع التحقق منه؟

المشروع الجمالي ممكن في الصحافة، وتختلف مساحته باختلاف الجنس الصحافي. يتجلى أحيانًا في الاقتصاد والدقة، وفي ترتيب يفتح للقارئ طريقًا إلى مسألة معقدة، وفي استعارة تكشف علاقة دون أن تحل محل الدليل. ويجد مجالًا أوسع في البورتريه والعمود والروبورتاج السردي، بشرط صيانة العقد مع القارئ. لا أحتاج إلى تجميل الألم، ولا إلى جعل صاحب المأساة مادة لتألق الكاتب. تمنح اللغة التي أبحث عنها الشخص حضوره وتمنح الفكرة وضوحها. وحين تزاحم بلاغتي حقيقة بسيطة، ينبغي أن تتراجع البلاغة. أريد للقارئ أن يتذكر ما فهمه، لا أن يظل مأخوذًا بقدرتي على إخفاء نقص المعرفة داخل موسيقى الجملة. لا تعجبني الكتابة التي تخفي فراغها حتى ولو كانت من رخام ومرمر لغوي.

10. كيف واجهتم سؤال الاستقلالية؟ وهل يستطيع الكاتب الحفاظ على حريته كاملة داخل فضاء تحكمه الإكراهات السياسية والاقتصادية؟

لا أقدم نفسي بوصفي كائنًا عاش خارج الإكراه أو عرف دائمًا الجواب الصحيح. الاستقلالية ممارسة تحتاج إلى يقظة دائمة، وتبدأ من التعرف إلى التبعيات الممكنة. هناك الضغط المباشر، وهناك ما هو أكثر التباسًا: القرب من المصدر، والخوف من فقدانه، والحاجة إلى الخبر، والرغبة في إرضاء الجمهور الذي ينتظر منك موقفًا بعينه في مجال الكتابة الصحافية، أما في مجال الكتابة الإبداعية فقد يتحرر الكاتب من سلطة ويقع في أسر صورته لدى محبيه. أو يجري صاحبه وراء العابر، المال والدعم المادي، والشهرة والجوائز، الكتب العظيمة مات أصحابها وهم مفلسون وفقراء، لم يكن يهمهم سوى الصدق الفني.

واجهتُ سؤال الاستقلالية بوصفه سؤالاً يومياً. فالكاتب لا يشتغل في فراغ، فهو يعيش داخل مجتمع، وتحيط به علاقات السلطة، وضغوط السوق، وإكراهات المؤسسة، وأحياناً حاجته البسيطة إلى العيش. لكن الاستقلالية، في تقديري، لا تعني الانفصال المتعالي عن العالم، ولا ادعاء نقاء مستحيل. إنها القدرة على ألاّ تتحول هذه الإكراهات إلى وصاية على الضمير أو إلى رقابة داخلية تُفسد الكتابة. يمكن للكاتب أن يشتغل في الصحافة أو في مؤسسة أو في فضاء عام، وأن يعي حدود الممكن في كل لحظة، من دون أن يتنازل عن حقه في السؤال، وعن حسّه النقدي، وعن وفائه للحقيقة الإنسانية. ليست الحرية دائماً في قول كل شيء دفعة واحدة، بل في ألا تقول ما لا تؤمن به، وألا تجعل قلمك أداة لتزييف الوقائع أو لتبرير القسوة أو لإرضاء السلطة، أياً كان شكلها: سياسية كانت أم اقتصادية أم رمزية.

أما الحرية الكاملة، فهي ربما أفقٌ أكثر منها حالة متحققة. لا أحد يتحرر نهائياً من شروط عصره وموقعه ومصالحه ومخاوفه. لكن الكاتب يستطيع أن يوسّع مساحة حريته بالمعرفة، وبالمسافة النقدية، وبالشجاعة الأخلاقية، وبالقدرة على مراجعة نفسه. لهذا أؤمن أن استقلال الكاتب يُنتزع ويُصان كل يوم بدون ادعاء بطولة فردية، إنه وفاء عميق للإنسان ولحقه في أن يرى العالم كما هو، لا كما تريد القوى المتحكمة أن يبدو.

11. في زمن المنصات الرقمية والمحتوى السريع، هل نحن أمام تحول في وظيفة الصحافة أم أمام أزمة في المعرفة والقراءة؟

نعيش تحولًا في وسائط المعرفة واقتصادها معًا. أتاحت المنصات الرقمية لأصوات كثيرة أن تظهر، ولسكان أماكن بعيدة أن يوثقوا ما كان يصعب وصوله إلى الجمهور. هذه مكاسب لا يجوز إنكارها. لكن سرعة التوزيع لا تمنح المادة صحة تلقائية، والقدرة على الانتشار لا تعني القدرة على التفسير. ما يقلقني هو أن يصبح نجاح الخبر مقاسًا باستجابته الفورية قبل أن يقاس بما يضيفه إلى فهم الناس، وأن يتحول الصحافي إلى مراقب لرد الفعل الذي يثيره بدل أن يكون مسؤولًا عن المعرفة التي ينتجها.

وظيفة الصحافة تزداد ضرورة حين تتكاثر المواد المتاحة، يحتاج القارئ إلى من يفحص ويربط ويضع الحدود بين الثابت والمجهول. كذلك لا أرى أزمة القراءة مسألة طول فقط. يمكن لنص قصير أن يكون كثيفًا ودقيقًا، ولنص طويل أن يستنزف الوقت دون إضافة. المسألة في نوع الانتباه: هل يسمح النص بالتوقف والمراجعة، أم يصنع إثارة تستدعي إثارة أخرى؟ وينبغي أن نسأل عمن يمول الوقت اللازم للتحقيق، وعمن يملك قواعد التوزيع. تستلزم حماية المعرفة حماية العمل الذي ينتجها، وتعليم القارئ أدوات فحصها، فالوعظ ضد الهاتف وحده لا يبني ثقافة نقدية، كما أن تسليم الحكم للخوارزمية لا يعفي المؤسسة الإعلامية من مسؤوليتها.

المحور الرابع: السرد والذاكرة: الكتابة ضد النسيان

12. في «ذاكرة الغياب»، هل يمكن اعتبار الرواية محاولة لاستعادة ما يعجز التاريخ الرسمي عن حفظه؟

يجذبني في هذا السؤال أن الغياب قد يصبح طريقة في الحضور. من يغيب يترك ترتيبًا مختلفًا للمكان، ويغير لغة من ظلوا فيه، وقد يستمر أثره في قرار يتخذه شخص بعد سنوات. في قراءتي الآن لـ«ذاكرة الغياب»، أجد أن الذاكرة تتصل بما فعلته التجارب بالإنسان: كيف تستقر الخيبة في الجسد، وكيف يواصل الحب قوة وجوده في ظل مناخ خانق وغير حر، وكيف يحمل الفرد زمنًا جماعيًا داخل يومه الخاص. وقد التقطت قراءات للرواية هذا التوتر بين جراح صالح البشير، والأحلام التي يحملها، وتحولات العالم المحيط به.

لكنني أتحفظ على منح الرواية صفة الأرشيف البديل الذي يصحح التاريخ. الرواية لها حقيقة تتكون عبر التخييل، وتحتاج الوقائع التاريخية إلى وثائقها وتحقيقها الخاص. تستطيع الرواية أن تجعلنا نرى ما يصعب على التقرير تسجيله: انتظارًا، أو ترددًا، أو أثرًا نفسيًا طويلًا لحدث قصير. بهذا توسع أسئلة التاريخ وتقاوم اختزال الحياة في النتائج. وما أرجوه أن تمنح من يقرأ القدرة على الإصغاء إلى ما لم يدخل الرواية العامة للزمن، دون أن تفرض عليه رواية مضادة مغلقة. فالذاكرة نفسها تنتقي وتنسى وتعيد البناء، والنص يصبح أكثر صدقًا حين يترك هذا الاضطراب ظاهرًا.

13. كيف تتحول الوقائع اليومية من مادة صحافية إلى مادة أدبية تحمل أبعادًا إنسانية وفلسفية؟

تولد الواقعة الصحافية عادةً من سؤال مباشر: ماذا حدث؟ من قام به؟ متى وأين؟ وهي مطالبة بأن تكون دقيقة، واضحة، أمينة لما جرى. أما الأدب فلا يكتفي بالواقعة في ظاهرها، بل يسأل عمّا تخفيه: ماذا فعل هذا الحدث في الإنسان؟ أيّ خوف أو حلم أو فقدان أو أمل يكشفه؟

حين أكتب صحافياً، أكون معنياً بإنصاف الوقائع، وبالتحقق من أصواتها وتفاصيلها وسياقها. لكن حين تعبر تلك الواقعة إلى الأدب تصبح أثراً في الذاكرة، ومادة للتأمل في هشاشة الإنسان وقوته، في علاقته بالزمن والمكان والآخرين. قد تكون صورة امرأة تنتظر أمام إدارة، أو عامل يعود منهكاً في آخر النهار، أو طفل يبيع المناديل عند إشارة المرور أو شيخ يتسول العابرين، تفاصيل عادية في ظاهرها، لكنها تحمل أسئلة كبرى عن الكرامة والعدالة والوحدة والحلم…

يقتضي التحول الحقيقي احترام التجربة الإنسانية، والقدرة على الإصغاء إلى ما لا يُقال فيها. الأدب يتجاوز الخبر، يمنحه زمناً آخر ومعنى آخر، يحرره من استهلاكه السريع ويعيده إلينا بوصفه مرآة لذواتنا. أعتقد أن الصحافة تعلّم الكاتب الانتباه إلى العالم، بينما يعلّمه الأدب الإصغاء. وبين الانتباه والإصغاء تولد الكتابة: كتابة تجعل من اليومي نافذة على الكوني، ومن الحادثة المحدودة سؤالاً مفتوحاً عن الإنسان.

14. ما الذي يجمع الرواية والقصة والنصوص التأملية؟ وهل يختار الكاتب الشكل أم تفرضه التجربة الداخلية؟

أميل إلى اعتبار الشكل تفاوضًا بين ما يلح في التجربة وما أستطيع صنعه باللغة. لا تصل التجربة ومعها بطاقة تجنيسية تقول إنها رواية أو قصيدة. يبدأ الأمر بنبرة أو مشهد أو سؤال، ثم أختبر المسافة التي يحتاجها. ثمة ما يتطلب زمنًا وشخصيات ووجهات نظر متعارضة، وثمة ما يفقد توتره إذا شرحته أكثر مما يحتمل. وفي النص التأملي أحتاج أحيانًا إلى إبقاء الفكرة قريبة من لحظة تولدها، قبل أن تتحول إلى نسق يطمئن إلى نفسه.

غير أن القول بأن الموضوع يفرض شكله قد يخفي مسؤولية الصنعة. الكاتب يجرب ويخفق وينقل المادة من بناء إلى آخر، ويحذف ما كان يظنه ضروريًا. والشذرة خاصة تغري بالسهولة: جملة لامعة تبدو مكتفية، بينما قد تكون مجرد خلاصة لم تُختبر. أطلب منها أن تفتح احتمالًا يتجاوز حجمها، وأن يظل حولها فراغ منتج. وما يجمع الأجناس عندي هو محاولة العثور على درجة القرب المناسبة من التجربة. تسمح الرواية بمساكنة عالم، والقصة تضبط لحظة تغيره، والتأمل يفحص حركة الفهم، والشعر يختبر ما يحدث عندما تعجز الأسماء المألوفة عن حمل ما نحس به. عبور هذه الأشكال يقتضي تعلم إنصات مختلف في كل مرة.

15. هل الرواية فعل معرفة بالإنسان أم مقاومة للزمن والنسيان؟ وإلى أي حد تستطيع إعادة بناء الذاكرة الجماعية؟

معرفة الرواية بالإنسان تحدث عبر تمكيننا من معاشرة احتمالاته. تُدخلنا في تجربة يصبح معها التعريف أقل كفاية. نرافق شخصية، ونفهم بعض دوافعها، ثم تفاجئنا بما يعجز فهمنا الأول عن احتوائه. هذه المعرفة بالتعقيد يمكن أن تغير علاقتنا بالآخرين، تجعل الحكم أبطأ وأكثر انتباهًا، دون أن تلغي المسؤولية الأخلاقية. ولعل مقاومتها للزمن تنبع من ذلك: تمنح لحياة مفردة وقتًا لم يمنحه إياها مرور الأحداث.

أما الذاكرة الجماعية فلا تتكون من رواية واحدة، ولا ينبغي للأدب أن يسعى إلى توحيدها قسرًا. تتشكل من أصوات ووثائق وشهادات وصور وصراعات حول ما يستحق التذكر. يستطيع النص الأدبي أن يعيد فتح باب أغلقه الاعتياد والألفة، وأن يمنح شكلًا لتجربة ظلت صامتة، لكنه قد يكرر التنميط أيضًا. لذلك لا أعد كل استدعاء للماضي فعل مقاومة، قد يكون الماضي ملاذًا نتهرب فيه من سؤال الحاضر. يهمني أن تحمل الرواية أثر المسافة: ما الذي نعرفه الآن ولم يعرفه الذين عاشوا الحدث؟ وما الذي عرفوه بأجسادهم ولا نستطيع استعادته كاملًا؟ احترام هذه الفجوة يمنع الكاتب من ادعاء امتلاك حياة الموتى، ويجعل التذكر علاقة إصغاء لا استحواذ.

المحور الخامس: الشعر والبعد الروحي.. البحث عن المعنى

16. في «رائحة الله» و«لو يخجل الموت قليلًا» تبرز الأسئلة الوجودية والروحية. هل يمثل الشعر عودة إلى الذات بعد صخب الانشغال العام؟

يجمع هذين الكتابين سؤال الموت والحب، مع اختلاف طبيعتهما ومسالك الكتابة فيهما، لذلك أفضل ألا أجمعهما تلقائيًا داخل تعريف أجناسي واحد. أما العودة إلى الذات فلا أفهمها انسحابًا من العالم. الذات التي أعود إليها محمولة بما وقع فيها: بالخسارات والوجوه واللغة التي جرحنا بها الآخرون أو داوونا. وحين أكتب عن الفقد، أحاول أن أعطي هذه العلاقات حقها في الحضور.

في «رائحة الله» يتيح لي اقتران المحسوس بما يتجاوز الحواس أن أقترب من السؤال الروحي دون أن أدعي إحاطة بالمطلق. الرائحة أثر يأتينا، ولا نضع يدنا عليه، وقد تفتح فينا ذاكرة كاملة قبل أن نعرف من أين جاءت. وفي «لو يخجل الموت قليلًا» يهمني ما يتركه الرحيل في الأحياء، وما تفعله اللغة أمام غياب لا تستطيع إلغاءه. لا أطلب من الكتابة برهانًا على خلود أحد، بل أختبر قدرتها على صون تفرد العلاقة به. ومن هنا يكون الشعر، في أوسع معانيه، انتباهًا إلى ما لا تستطيع اللغة الوظيفية استنفاده. الصخب العام يدخل الذات، والكتابة تحاول أن تعيد إليه وجهًا وصوتًا واسمًا.

17. كيف تفهمون العلاقة بين التجربة الصوفية والكتابة الشعرية؟ هل هي بحث عن المطلق أم محاولة لإنقاذ الإنسان من هشاشته؟

أقترب من الأفق الصوفي بوصفه تدريبًا على خلخلة الأنا التي تتوهم أنها مركز الوجود، وعلى الإنصات إلى اللغة عندما تبلغ حدود ما تستطيع قوله. لا أدعي بهذه القرابة تجربة سلوكية أو مقامًا روحيًا، فاستعمال المعجم الصوفي لا يجعل صاحبه صوفيًا، مثلما لا تجعل كثرة الأسئلة الفلسفية النص فلسفة. ما يهمني شعريًا هو تلك الحركة التي تسمح للذات بأن ترى أنها لا تملك العالم بمجرد تسميته، وأن في العلاقة بالآخر وبالمجهول ما يتجاوز رغبتها في السيطرة.

والهشاشة هنا ليست عيبًا ينبغي محوه حتى نستحق الحياة. منها تنشأ حاجتنا إلى العناية والحب والمعرفة… لأننا لا نكتفي بأنفسنا. قد يصبح طلب المطلق عنيفًا حين يريد امتلاكه وفرضه، وقد يصبح خصبًا حين يعمق تواضعنا أمام ما لا نعرف. أبحث عن هذه الإمكانية الثانية، عن انفتاح لا يحتقر العقل ولا يغلق باب الدهشة. يحق للقصيدة أن تحمل توتر السؤال الروحي، وأن تظل سؤالًا.

18. هل الصمت موقف معرفي وجمالي، أم قد يتحول إلى عجز أمام قسوة الواقع؟

للصمت وجوه لا يجوز أن نخلط بينها. هناك صمت يحمي حق الآخرين في الكلام، وصمت يتيح للفكرة أن تنضج، وصمت ينتج عن الخوف أو الصدمة، وصمت يستفيد منه صاحبه لأن غيره يدفع ثمن الجهر بالحقيقة. لا تمنح قلة الكلام حكمة تلقائية، كما لا تجعل كثرة التصريح صاحبه شجاعًا. ما يحدد القيمة هو السياق: عمن أصمت، ولماذا، ومن يملك الكلام في غيابي؟ وهذه أسئلة ينبغي أن أوجهها إلى نفسي قبل أن أحول الصمت إلى صورة جميلة.

في الكتابة، قد يكون الفراغ جزءًا من المعنى. حين أترك ما لم تقله الشخصية ظاهرًا في ترددها، أمنح القارئ فرصة أن يشارك في الإصغاء. لكن الغموض المصنوع لإخفاء ضعف الفكرة أمر آخر. وفي الحياة العامة ينبغي أن أميز بين حق الإنسان في حماية نفسه وواجب صاحب الموقع في ألا يخفي معرفة يحتاجها الناس. لا أطالب المهدد ببطولة مجانية، ولا أعفي المستفيد من مسؤوليته تحت اسم التعفف. ما أرجوه من الصمت الجمالي أن يجعلنا أرهف سمعًا، ومن الكلام الضروري أن يقلل ما يُفرض على الناس من صمت. فهناك حق في أن نسكت، وهناك ألم كامل اسمه ألا يُسمح لنا بأن نتكلم.

المحور السادس: النقد وسؤال القراءة

19. في مفهومكم «مداعبة النص»، كيف تميزون بين النقد الذي يكشف جماليات العمل والنقد الذي يصادره؟

أقصد بالمداعبة طريقة اقتراب تتجنب امتلاك النص قبل الإصغاء إليه. أدخل إلى العمل لأعرف ما الذي يحاول صنعه، وبأي أدوات، وما الذي ينجح فيه أو يتعثر. القراءة المحبة لا تعني المجاملة، فالمجاملة قد تتجاهل الكتاب لتعتني بصاحبه، بينما تقتضي المحبة الجمالية أن أعطي البناء واللغة والصور والزمن ما يستحقونه من تدقيق. وقد يكون الاعتراض على عمل قرأته بعناية أصدق اعترافًا به من مديح يصلح لأي كتاب.

النقد الذي يصادر يبدأ بالنتيجة، ثم يجمع من النص ما يخدمها. أما القراءة التي أبحث عنها فتقبل أن يغير العمل أدواتها، وأن يصحح توقعاتها، وأن يترك فيها منطقة لا تنتهي منها. لا يعني ذلك غياب المعايير، ينبغي أن أبين من أين جاء حكمي، وأن أميز بين نفوري الشخصي وبين تعثر فني أستطيع شرحه. بذرة الجمال قد تكون في تركيب لم نألفه، في اضطراب منتج، أو في اقتصاد لا يلفت الانتباه من الوهلة الأولى. وظيفة الناقد أن يجعل رؤيتها ممكنة وأن يفتح النقاش حولها. أريد للقارئ أن يعود إلى العمل بعد قراءتي أكثر حرية، لا محملًا بتعليمات عما ينبغي أن يشعر به.

20. هل يحتاج النقد العربي إلى إعادة بناء وظيفته؟ وهل أزمته في المناهج أم في العلاقة بين الناقد والنص والقارئ؟

لا أطمئن إلى الحديث عن النقد العربي كما لو كان ممارسة واحدة أصابها العطب نفسه. توجد أعمال جادة، واجتهادات أكاديمية وثقافية تستحق أن تُقرأ، وتوجد في المقابل فجوة في وصول هذا العمل إلى جمهور أوسع. تتوزع المشكلات بين التكوين، وفضاءات النشر، واقتصاد الكتاب، ونظم الاعتراف، والعلاقة بين الجامعة والحياة الثقافية. واختزالها في فساد منهج أو غيابه يمنحنا خصمًا سهلًا ويترك البنية التي تنتج الممارسة خارج السؤال.

ما أتمناه هو تجديد العقد بين أطراف القراءة. من حق الناقد أن يجرب مفهومًا مركبًا، وعليه أن يوضح ما الذي يتيح هذا المفهوم رؤيته. ومن حق الكاتب أن يختلف مع التأويل، دون أن يجعل نيته المحكمة النهائية لمعنى كتابه. وللقارئ حق في أن يجد طريقًا إلى النقاش، فلا يعامل بوصفه متلقيًا أقل شأنًا. نحتاج إلى دراسات معمقة وإلى وساطة نقدية أمينة تصلها بالحوار العام، وإلى استقلال عن علاقات المجاملة والخصومة. ولا يكفي أن نستبدل المصطلح الصعب بعبارة سهلة، ينبغي أن تبقى وراء السهولة معرفة حقيقية. النقد يكتسب ضرورته عندما يغير ما نستطيع ملاحظته في النص، وحين يبين أن القراءة فعل يمكن تعلمه ومناقشته، لا امتيازًا غامضًا يحتكره بعض العارفين.

21. هل ما زال الجمال قيمة مركزية في زمن تتحكم فيه السوق والانتشار؟

أفهم الجمال بوصفه قدرة الشكل على تغيير علاقتنا بما نرى ونحس ونفكر، ولذلك لا أحصره في الانسجام أو الزينة. قد يكون النص جميلًا لأنه يزعج عادة مستقرة في نظرنا، أو لأنه يمنح تجربة مهملة كثافة لم نكن نراها. يظل الجمال مركزيًا، إنه يمس الحرية التي نملكها تجاه الصور الجاهزة. لكن علينا أن نتذكر أن التذوق يحتاج إلى وقت وتعليم وإمكان وصول، وأن حرمان الناس من هذه الشروط يجعل الحديث عن الجمال امتيازًا طبقيًا إذا لم ننتبه.

السوق لا تنتج الرداءة حتمًا، والانتشار لا يبطل قيمة عمل. الخطر يبدأ حين يصبح معيار الرواج هو المعيار الوحيد، فيدفع إلى تكرار ما ثبتت قابليته للبيع، وتختفي مساحة التجريب البطيء. أرى مسؤولية المؤسسات الثقافية في صون تعدد المقاييس، وفي توفير فرصة لوصول أعمال لا تستطيع الدعاية وحدها حملها. وعلى الكاتب أن يقاوم إغراء تحويل صوته إلى سلعة متوقعة، دون أن يحتقر رغبة الناس في المتعة. أكتب وأنا أرجو أن أُقرأ، غير أن الوصول إلى القارئ يفقد معناه إذا لم أحمل إليه سوى ما يعرف سلفًا أنه ينتظره مني.

المحور السابع: المثقف والمستقبل.. سؤال الأثر والجدوى

22. كيف تنظرون إلى مفهوم الأثر؟ ما الذي يبقى من الكاتب بعد انطفاء اللحظة الإعلامية؟

كلما فكرت في الأثر، بدا لي أقل خضوعًا لإرادة صاحبه. يستطيع الكاتب أن ينشر وأن يعمل على وصول نصه، لكنه لا يستطيع أن يقرر ما الذي سيبقى منه في حياة قارئ مجهول. قد يبقى سؤال في كتاب قليل التداول، أو جملة ينسى قارئها اسم من كتبها، أو طريقة في النظر تصبح جزءًا من حساسيته. لذلك أميز بين الظهور الذي يمكن قياسه سريعًا، وبين الأثر الذي يعمل أحيانًا دون أن يعلن عن نفسه. وأتحفظ على تحويل هذا الخفاء إلى عزاء سهل، فالكتاب يحتاج فعلًا إلى شروط تداول تحفظ إمكان لقائه بالناس.

ما أستطيع أن أتحمل مسؤوليته هو جودة العمل وأمانته وصدقه، وكيفية وجودي مع الآخرين في المجال الذي أنتمي إليه. يبقى من الكاتب أيضًا ما ساعد على ظهوره من أصوات، وما منحه من وقت لقارئ أو نص، وما امتنع عن إفساده من علاقات. ولا أرى الأعمال والأفعال عالمين منفصلين تمامًا، وإن كان من الخطأ مطالبة الأدب بقداسة صاحبه. أرجو أن يبقى من الكتابة شيء يواصل الحوار بعد أن يغيب صاحبها، وأن يجد القارئ فيها حرية للاختلاف معه. الخلود الذي نستطيع العمل من أجله متواضع: أن نعطي لما كتبناه فرصة أن يظل حيًا في سؤال إنسان آخر.

23. هل تؤمنون بقدرة الأدب على تغيير الإنسان والمجتمع، أم أن وظيفته أصبحت الحفاظ على المعنى؟

أؤمن بقدرة الأدب على تغيير شروط الانتباه، ومن هنا يبدأ أثر محتمل في الإنسان والمجتمع. قد يجعلنا النص نرى في شخص كنا نختزله حياة لا تشبه الحكم الذي أصدرناه، وقد يكشف عنفًا مألوفًا لم نعد ننتبه إليه. لكنه لا يضمن أن يصير كل قارئ أكثر عدلًا، فالإنسان قادر على الفصل بين معرفته وسلوكه، وعلى استعمال الثقافة نفسها لتبرير التعالي والسيطرة والاحتيال حتى. لذلك لا أحمّل الأدب وعدًا بالخلاص يعجز عن الوفاء به، ولا أستنتج من محدودية أثره أنه بلا جدوى.

كما أن الحفاظ على المعنى ليس وظيفة بسيطة أو ثانوية، بشرط أن نسأل: أي معنى؟ ثمة معان موروثة يحتاج الإنسان إلى التحرر منها، لأنها تجعل الظلم طبيعيًا وتغلق باب الاختلاف. أرى الكتابة مشاركة في إنتاج المعنى ومراجعته، لا حراسة لمخزون ثابت باستثناء القيم الكونية الإنسانية المشتركة. ويتحول أثرها إلى قوة اجتماعية حين يجد صلات بالتعليم والنقاش والمؤسسات والعمل الجماعي. لا تقوم قصيدة مقام إصلاح مستشفى، لكنها قد تساعد مجتمعًا على ألا يعتاد تحويل المتألم إلى رقم أو هامش أو مجرد كلفة باهظة. وما أرجوه أن تحافظ الكتابة فينا على قابلية التأثر والمساءلة، وأن تجعل بعض ما نقبله تلقائيًا محتاجًا إلى تفسير. التغيير الكبير يحتاج هذه التحولات الصغيرة، وإن لم يكن مجموعها كافيًا وحده لصنعه.

24. كلمة أخيرة للقراء والجيل الجديد من الكتاب.

أقول للقراء: امنحوا أنفسكم حق الاختلاف مع الكتاب، لا تجعلوا القراءة امتحانًا في عدد العناوين التي أنجزتموها، قد يفتح نص واحد، إذا منحتموه انتباهكم، أكثر مما تفتحه رفوف تمرون بها مسرعين. وللكتاب الجدد أقول: لا تستعجلوا صنع الصورة التي سيعرفكم الناس بها. تعلموا الصنعة، ووسعوا خبرتكم بالحياة، وأصغوا لمن لا يشبهكم، واتركوا للنص فرصة أن يفاجئكم قبل أن تطلبوا منه مفاجأة الجمهور.

اقرأوا خارج المنطقة التي تؤكد ذائقتكم، وراجعوا اللغة التي تبدو لكم جميلة من أول مرة، فقد يكون جمالها أثر اعتياد لا أثر اكتشاف. لا تقدسوا الجرح ولا تفتعلوه، فالألم لا يصبح أدبًا بقوته وحدها، وإنما بالعمل الذي يمنحه شكلًا ويحفظ كرامة من عاشه. اقبلوا المراجعة دون أن تتحولوا إلى نص يكتبه رضا الآخرين. وحين تشعرون بأنكم لا تعرفون ما يكفي، اعتبروا ذلك بداية للعمل لا سببًا للصمت الأبدي. أما أنا فما زلت أتعلم كيف أكتب جملة تستحق وقت قارئ لا أعرفه. وإذا كان لي أن أترك وصية واحدة، فهي أن تظل الكتابة مكانًا تستطيعون فيه اكتشاف ما لم تكونوا تعرفونه عن أنفسكم، وأن تعودوا منها إلى الحياة أكثر انتباهًا وأقل يقينًا بحقكم في اختزالها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق