ثقافة وفن

تقديم عبدالله الفكي البشير لكتاب: (5)

د. عبد الله الفكي البشير

هذا شعر يذوب رقّةً وحنانا، بجانب السّلاسة والقدرة الفائقة للتّعبير عن مكنونات النّفس ولواعجها بطريقة هي فعلاً ما تسمّى بأسلوب السّهل المتتنع.

ولمحمد جلال هاشم قصائد شعريه أخرى، كما علمت بأن  له ديوان شعر مجاز في دار جامعة الخرطوم للنشر منذ أكثر من 35 عاما، ولكنه قرر حبسه.  وهنا، أسمح لأنفسي، بأن أدعو محمد جلال هاشم بأن يفك الحبس عن هذا الديوان، وغيره من القصائد، كون الشعر تاريخ ومرآة وشاهد. وأرافع وأحاجج في دعوتي هذه، مستدعياً الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918 – 1982)، والفيسلوف الفرنسي ريجيس دوبريه Debray Régis. فالمجذوب (1981) يرى بأن الشعر قاض وشاهد، فقد كتب، قائلاً:

وأكتبُ شِعراً ليْسَ للشعرِ غايةٌ  **  سِوَى أنّهُ قَاضٍ عريقٌ وشَاهِدُ

كما أن دوبريه يرى بأن “الأوضاع التاريخية تُسلِّم نفسها بطريقة أفضل، من خلال عمل أدبي مهم” . ولهذا نرجو من محمد جلال هاشم أن ينشر أعماله الشعرية.

قدَّم المؤلفُ كل هذا الإنتاج وهو يقود معاركه وحيداً فسعى، كما أشار، إلى شرحِ وتمليك مفاصل احتجاج منهجه بالحُسنى للقطاعات العريضة من شعبنا، كما تبنى المواجهة واللا مساومة، فضلاً عن فضح تكتيكات الأيديولوجيا الإسلاموعروبية وكشفها. ولمَّا وصف البعض لغة المؤلف في بعض المعارك بأنها شديدة، نجده أوضح، قائلاً: “هي لغة شديدة بمقتضى شدَّة الحالة المراد علاجُها” (ص 186 – 187). وظل المؤلف يقود معاركه الفكرية والثقافية والسياسية بلا غطاء حزبي يحميه أو يدعمه، دخل الساحة فرداً، غير راكنٍ لتكتيك الاستعانة الحزبية أو خاضعاً للموازنات السياسية. فقد تجرع ــــ بعزة وشجاعة وكبرياء ــــ مرارة السجون والفصل التعسُّفي من الوظيفة، والحرب في معايشه، ولم يكن لديه سندٌ أو من يدعمه، سوى قناعاته وإيمانه بواجبه، فضلاً عن أسرته الصغيرة زوجته ورفيقة دربه الأستاذة هالة المغربي وأطفاله كمال وآنج وسَمَا، والقليل من الأصدقاء والصَّديقات والتلاميذ والتلميذات، والذين هم في ازدياد الآن. وقد تحملت أسرته الصغيرة العناء والأذى الجسيم، وتقاسمت معه قسوة الأعداءِ والأنظمة، وأعانته على الصبر والصمود والتحدي. وهنا أستميح القارئات والقراء عذراً بأن أحيِّي هذه الأسرة العظيمة على صبرها، وصمتِها، وصلابتها، وصمودها، وهي تراهن على رائدِها. ولأنَّ الرائد لا يكذِبُ أهلَه أقول لهم: إن رهانكم، في محله، لا ريب في ذلك، كما أن وقت الاحتفاء بأبيكم قد أزف، فقريباً سيكون الاعترافُ به وبإنتاجه، ليمثل نموذجاً إرشادياً يُحتذَى. فهو من الأعزاء الأحرار الذين قاموا بواجبهم تجاه الوطن وشعوبه خير قيام. وقريباً ستكون إنجازاته ومشروعه مصدراً لعزكم وفخركم.

محمّد جلال أحمد هاشم وإرهاصات الثّورةُ الشّعبيّة

لا يتجادل إثنان في أنّ محمّد جلال هاشم ظلّ مؤمناً بقدر الشّعب السّوداني المعقود بالثّورات الشّعبيّة وذلك منذ بداية ثمانينات القرن العشرين. فجميع كتاباتُه، وعلى رأسها كتابُه منهج التّحليل الثّقافي: القوميّة السّودانيّة وظاهر الثّورة في السّودان الذي ظهرت طبعتُه الأولى في عام 1986م إلى أن خرجت طبعتُه الثّامنة في عام 2018م (قبل شهرين من اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة)، ظلّ يحلم ويتنبّأ بالثّورة. وله في هذا نبوءات جميعُها صدقت وأصدقتها الأيّام. من ذلك أنّه كتب في حلقات بصحيفة أجراس الحرّيّة الغرّاءعام 2009م مجموعة مقالات جمعها في كتاب وصدر في عام 2014م تحت عنوان منهج التّحليل الثّقافي: صراع الهامش والمركز، أشار فيها إلى جملة محاذير تتعلّق بمصير الثّورة التي تنبّأ باندلاعها في يومٍ معلوم. مع يقينه بقيام الثّورة، جاءت تحذيراتُه من إمكانيّة سرقة الثّورة. وقد كان أوّل من تكلّم عن احتمالات الثّورة المضادّة لثورة شعبيّة لا تزال في رحم الغيبن وقد أسماها بمرحلة الإنقاذ (2). بل أكثر من ذلك، ذكر وبدقّة تستوجب الإعجاب تفاصيل سرقة الثّورة. فقد قال وبالحرف الواحد (صفحة 164) بأنّ قبول قيام مجلس عسكري يعمل تحته مجلس وزراء مدني يعني أنّ الثّورة قد سُرقت. وهذا ما حدث بالضّبط!

ولعلّ من الإرهاصات العجيبة والغريبة هذه القصيدة التي كتبها في الخرطوم في يوم 22 ديسمبر 2016م تحت عنوان “ثورتُنا الشّعبيّة الرّابعة” (باعتبار أنّ الثّورة المهديّة هي الأولى):

خرج الثّوّارُ ليلاً يهتفون،

وتنادوا لا يهابون المنون،

ثمّ ساروا مثلَ طُوفانٍ يدكّون الحصون.

                   **

ثمّ ها هم يكتبون،

بمدادٍ من دماءٍ ودموعٍ وشئون،

في جدار المجد والتّاريخ للدّنيا مُتون:

انطوى عهدُ الجنون،

واقبل الصّبحُ كوعدٍ لا يخون،

وأتى النّصرُ كأشهى ما يكون.

              **

ثمّ ها هم يهتفون!

              **

خرج الثّوّارُ فجراً يهتفون!

ومشوا نحو الأعادي بخطىً ثابتةٍ لا يجفلون!

               **

خرجوا يستنهضون الشّعبَ للزّحف المُريد،

ما راعهم هُذيانُ فرعونَ وقد أرغى وعيداً في وعيد،

هكذا قد استفاق الماردُ الغضبانُ ذو العزمِ الحديد،

وأطلّ الصّبحُ، صبحُ الثّورةِ الكبرى على وعدٍ أكيد،

خرجوا في ثورةٍ رابعةٍ تقفو خطى الماضي التّليد،

فأعادوا قصّةَ التّاريخِ والثّوراتِ والشّعبِ الفريد!

             **

غضبةُ الماردِ زلزالٌ أتى من عمق تاريخٍ مجيد!

                  **

ثمّ ها هم يهتفون!

في المدى يعلو هتافُ الشّعبِ يجتازُ السّكون،

والطُّغاةُ الغافلون،

إنّهم لا يسمعون!

إنّها لحظةُ النّصرِ ولكن هل تراهم يعلمون؟

إنهم لا يعلمون!

أفهلاّ تنظرون!

كيف يأتي النّصرُ في جزءٍ من الثّانية الأخرى وهم لا يشعرون!

                     **

إنّها لحظةُ النّصر الأكيد!

لحظةٌ عُظمى يُعيدُ الشّعبُ فيها كلَّ أمجاد القرون،

ينتفي الوقتُ فلا قبلُ ولا بعدُ ولا حزنٌ ولكن محضُ أفراحٍ وعيد.

لحظةٌ يأتي اليقينُ الحقُّ فيها ثمّ تنجابُ الظّنون.

لحظةٌ قاطعةٌ فيها التّماهي، إنّها لحظةُ النّصر السّعيد.

كيف فيها يلتقي الماضي مع الحاضرِ والقادم في سلكٍ نضيد!

                     **

ثمّ ها هم يهتفون!

                      **

خرج الثّوّارُ فجراً يهتفون!

ومشوا نحو الأعادي بخطىً ثابتةٍ لا يجفلون!

وبعد؛ ولا أجد أفضل ولا أجمل من أن أختم تقديمي لهذا الكتاب العظيم ببعض من أبيات هذه القصيدة التي يصعب أن يصدّق الواحد منّا أنّها كُتبت قبل سنتين كاملتين من اندلاع ثورة ديسمبر 2018م. فقد اندلعت الثّورة في يوم 13 ديسمبر 2018م بالدّمازين ثمّ انتقلت إلى عطبرة في يوم 15 ديسمبر لتصل الخرطوم يوم 18 ديسمبر 2018. وكتب محمّد جلال هاشم هذه القصيدة بالخرطوم في يوم 16 ديسمبر 2016م.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق