سياسة

حرب الحلفاء الأمريكية “العادلة!” على العراق (3)

تحتفل بعيد ميلادها الثلاثين

بقلم فولف فتزِل ـــــ  Wolf Wetzel

تقديم وترجمة حامد فضل الله / برلين (أوراق ألمانية)

سلام مع قتلى أكثر من الحرب

أكد حلفاء الولايات المتحدة ومؤيدي الحرب مراراً وتكراراً، بأن هذه الحرب ليست موجهة ضد السكان المدنيين. لقد استمروا، حتى تحت حماية رقابة الحرب في تكرار هذه الكذبة. إن هذه الحرب، مثل أي حرب أخرى بعد الحرب العالمية الثانية، التي شنت باسم القيم الغربية، تعني التدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية لأي بلد. حرب جعلت السكان المدنيين، ليس من قبيل الصدفة، بل عمدا كارثة لسياسة الحرب التي لم تكن تريد كسب الحرب فحسب، بل أرادت قبل كل شيء إملاء السلام. “سلام”، الذي لا يمكن تحقيقه في معظم مناطق العالم إلا، إذا تم أخذ مصالح الغرب في الاعتبار وبأفضل طريقة.

رمزي كلارك، المدعي العام الأمريكي السابق، كان مع فريق تصوير في العراق خلال حرب الحلفاء الأمريكية على العراق. ثم أسس لجنة دولية أعلنت عن جرائم الحرب المرتكبة هناك. في كتابه “عاصفة الصحراء – جرائم الحرب الأمريكية في الخليج” الصادر في ألمانيا عام 1993، يسرد تدمير أهداف الحرب الأهلية التي تم الإعلان عن شرعيتها:

“تعطلت في الساعات الأولى من الحرب، إمداد الطاقة الكهربائية العراقية بأكثر من 90 بالمائة، دمر سلاح الجو الأمريكي أهم 11 محطة كهرباء و119 محطة طاقة أصغر. تعرضت أهم ثمانية سدود في العراق للضرب المتكرر ولحقت بها أضرار جسيمة، تم تدمير أربع، من أهم سبع محطات ضخ. أصابت القنابل والصواريخ 31 محطة لمعالجة المياه العذبة في المناطق الحضرية ومعالجة مياه الصرف الصحي – في بغداد وحدها، كان هناك 20 محطة، كما تم قصف شبكة الهاتف العراقية لتصبح غير صالحة للعمل في الأيام الأولى من الحرب. تم تدمير 400000 من 900000 خط. تضررت أربعة عشر مكاتب للاتصالات السلكية واللاسلكية بشكل لا يمكن إصلاحه، وتعطلت ثلاثة عشر أخرى لفترة غير محددة. في البلد الذي يقسمه نهرين كبيرين، تضرر 139 جسراً أو دمر. تعرضت الزراعة العراقية وإنتاج الأغذية وتخزينها وتوزيعها لهجمات مباشرة ومنهجية. يتم إنتاج نصف جميع المنتجات الزراعية في الأراضي المروية؛ تعرضت جميع أنظمة إدارة المياه المستخدمة لهذا الغرض للهجوم، بما في ذلك السدود والقناطر ومحطات الضخ وأنظمة الصرف الصحي. وتعرضت 28 مستشفى مدنياً و52 مركزًا صحياً للقصف بالقنابل. تم قصف العديد من منشآت الإنتاج: تضررت سبعة مصانع نسيج، بالإضافة إلى خمسة مصانع هندسية ميكانيكية، وخمس شركات إنشاءات، وأربعة مصانع لتجميع المركبات. صناعة النفط العراقية كانت أيضا هدفا ذا أولوية عالية. قصفت الطائرات الأمريكية 11 مصفاة نفط وخمسة خطوط أنابيب ومنشآت إنتاج والعديد من ناقلات النفط. وأغرقت ثلاث ناقلات، وأضرمت النيران في ثلاث ناقلات أخرى “.

لم يكن الأمر يتعلق بكسب الحرب، بل بإملاء “السلام”. اقتبس رمزي كلارك عن العقيد جون أ. واردن الثالث، الذي حدد استغناء العراق عن التصنيع كهدف واضح لحرب الحلفاء الأمريكيين: “صدام حسين لا يستطيع استعادة إمدادات الكهرباء بمفرده. يحتاج إلى مساعدة. إذا كان تحالف الأمم المتحدة يسعى بالفعل لتحقيق أهداف سياسية، فيمكنه أن يقول: “صدام، إذا وافقت على كل هذا، فسنسمح لخبرائنا بإعادة ترتيب إمدادات الكهرباء الخاصة بك، على المدى الطويل، هذا اسلوب ضغط جيد”. 

توصل البروفيسور نعوم تشومسكي إلى نتيجة مماثلة:

“لقد كان للهجوم على أنظمة المياه والطاقة والبنية التحتية الأخرى، نفس تأثير إدارة الحرب البيولوجية تماماً. أن هذا التصعيد ليس له علاقة له بالحرب بتاتاً. كان الغرض من الحرب البيولوجية والهجوم على البنية التحتية هو إيذاء السكان لفترة ما بعد الحرب حتى تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها السياسية في المنطقة. هذا هو الإرهاب الدولي على نطاق هائل”.

لم تكن هذه الحرب تستهدف إضعاف العدو عسكرياً فحسب، بل كانت تستهدف

السكان المدنيين أنفسهم أيضاً؛ تثبت الأرقام الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة، أنه يمكن قتل عدد أكبر من الناس بسلام، أكثر من الحرب نفسها: “تحدثت منظمة الأغذية والزراعة عن مليون حالة وفاة في عام 1995، وقدمت منظمة الصحة العالمية في عام 1996 تقريراً، يثبت بأن معدل وفيات الأطفال قد زاد ستة أضعاف وأن غالبية السكان يعانون من سوء التغذية”.

في السلام استمرار الحرب

لم يعد نظام صدام حسين “ابن الغرب” إلى أسياده. مما أدى ذلك إلى الحرب التالية ــ عام 2003، والإطاحة به وتغيير النظام والضم الفعلي، أي الاستحواذ على آبار النفط لصالح حلفاء الولايات المتحدة.

أصبح العراق منذ ذلك الحين، مشهداً خرباً. عائدات النفط، التي تشكل أكثر من 90 في المائة من الدخل القومي، تتدفق إلى أيدي قلة، كما هو الحال دائماً. الظروف المعيشية أسوأ مما كانت عليه في عهد صدام حسين. لقد انهار النظام الصحي الذي كان من بين الأفضل في المنطقة. الماء والكهرباء والحياة والمستقبل متوفرة لساعات فقط.

يمكن للمرء في العراق، أن يرى إلى أين تؤدي الحروب “العادلة”!. يجب على المرء أن يجعل هذا البرنامج إلزامياً لجميع المؤيدين للحرب ــ بدون حماية بوليسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- Wolf Wetzel, der US-alliierte Krieg gegen den Irak. Ein „gerechter Krieg“ feiert seinen 30. Geburtstag,  Nachdenken Seiten, 04 April 2021.

2 – فولف فتزل (مواليد 1956) كاتب وصحفي وناشر ألماني.

3 ــ أوشفيتز أحد معسكرات الاِبادة النازية (الاشتراكية القومية)، حوالي 90 في المئة من المعتقلين كانوا يهود، وتراوح عدد القتلى من 1.1 إلى 1.5 مليون.

4 – Hans Magnus Enzensberger

هانز ماغنوس إنزينسبرغر (مواليد 1929) شاعر وكاتب ومترجم ألماني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق