آراء

نحن بين الماضي و الحاضر

عبد الله فضول

نحن بين الماضي والحاضر
  عبدَ  الله فَضّول
حين كنا في مقتبل العمر، كانت رؤيتنا للعالم مسكونة بعدم اليقين، كنا نتوجس من الاحتمالات، لكننا لم نتراجع أمامها. لم يكن الفكر مستقرًا، بل كان ميالًا للتحولات، يبحث عن إجابة لم تُطرح بعد. أما المشاعر، فقد كانت ملكًا للتوق، تنجرف نحو المجهول وكأنها تشتهي ما لم يكن لها يومًا.
علاقاتنا الإنسانية لم تكن بذلك العمق، ولم تكن بالوضوح الذي يمنحها ثباتًا.
بل كان يلفها شيء من التردد، من المسافة التي لا تُحكى لكنها تُحَس.
إلا مع هؤلاء الذين لمسوا فينا شيئًا لم ندركه، الذين عبروا المسافة دون أن نسألهم كيف.
أما ثقافتنا، فكانت تميل نحو التشتت، تبحث عن أشكالها دون أن تستقر على واحد. لم تكن ثابتة، بل متحركة، تتغذى على التساؤل أكثر من الإجابات.
لو الدين  لم يكن يشكل هاجسًا،  بل ظل في الهامش، يراقب دون أن يكون مركزًا. أما التمرد، فكان ردَّ فعلٍ تلقائيًا، رفضًا لكل سلطة تحدد الاتجاهات، ولكل قاعدة تسعى لتأطير ما لا يقبل التأطير.
كنا منفلتين، لا نكترث للحدود التي تُرسم لنا، ولا نقبل بالقيود التي تُفرض علينا.
وكنا لا نرضى بالخضوع، ولا بالتصنيف، ولا بالتنازل عن تلك الفوضى التي كانت تمنحنا معنى.
بل كنا نبحث عن صوتنا خارج المألوف، عن طريقٍ لا يُملى علينا، عن شكلٍ لا يُصاغ إلا برغبتنا.
وحين كبرنا، رأينا العالم بعيونٍ غير التي كانت لنا. لم يعد بسيطًا كما ظنناه، ولم نعد ننظر إليه بذات الجرأة الأولى. ازدادت مساحة الخوف في وعينا، لا بوصفه عائقًا، بل كحكمةٍ متأخرة، تسائل كل خطوة قبل أن تخطو.
أصبحنا أكثر هدوءًا، لا لأنّا فقدنا الحماس، بل لأنّ الصخب لم يعد وسيلتنا في الفهم. وأوسع رؤية، لأن التجارب بدّلت زوايا النظر، وجعلت التفاصيل أكثر وضوحًا مما كانت عليه.
لم نعد متمردين بحجم اندفاعنا الأول، ولا بحجم رفضنا لما لا نفهمه. بل أصبح التمرد أكثر هدوءًا، أكثر عمقًا، وأقرب إلى العقل منه إلى الثورة الفارغة.
هل تغيّرنا نحو الحقيقة، أم أن الحقيقة كانت دائمًا متغيرة؟
لم يكن الماضي باطلًا، كما لم يكن الحاضر يقينًا. نحن فقط عبرنا مراحل، تركنا خلفنا رؤى قديمة، واستبدلناها بأخرى تبدو أكثر نضجًا، لكنها ليست بالضرورة أكثر صوابًا.
المسألة أكبر من تصنيفها بين حق وباطل. إنها حركة مستمرة بين الفهم والتجربة، بين الشك واليقين، بين رؤيتنا حين كنا نبحث بلا قيود، ونظرتنا اليوم وقد أصبحت مشروطة بما عرفناه.
ربما ليس هناك إجابة قاطعة، بل رحلة لا تنتهي بين الأسئلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق