سياسة

اليمن البداية إدانة العدوانين

د. محمد عبد الواسع سرحان

“مازالت النخب اليمنية تنتج مزيداً من الأزمات على طريق الإنهيار الإجتماعي والإقتصادي، فهي منساقة وراء تحسين وضعها الإقتصادي، عوضا عن تقديم رؤى وتصورات للخروج من حالة الحرب ومخلفاتها الكارثية على المجتمع وإعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع (…)، قيادات جعلت من الأحزاب السياسية سلما ليس للتغيير، بل لتمرير مصالح الدول الاقليمية ..”!!

د. عبد الله عوبل

رفض الحرب أو المطالبة بإيقافها في أي مكان في العالم يتطلب حضور رؤية فكرية سياسية اجتماعية واضحة حول قضيتي الحرب والسلام، في المكان/ البلد، المطلوب ايقاف الحرب القائمة فيه، والأهم، بحث الأسباب الذاتية والواقعية المنتجة للحرب، بعيداً عن الشعارات السياسية الفضفاضة التي تستديم في الممارسة الفعلية الحرب ولا توقفها، كونها شعارات ذهنية مجردة وبلا معنى.

رفض الحرب قضية سياسية وعملية/كفاحية يومية ضد الاستبداد سواء جاء متلفعاً بالغطاء السياسي الوطني أو القومي أو الديني أو العسكري، أو مرتديا عباءة المذهبية والطائفية والقبلية، أو السلالية العنصرية (التفوق العرقي)، كما هو حالنا اليوم مع الجماعة الحوثية.

رفض الحرب والدعوة السياسية لإيقافها مرتبط ببحث دواعي ومقدمات أسباب الحرب.. أسباب كل حالة حرب على حدة، ومن يقف فعلياً وراء الحرب، للإمساك بالجذر السياسي الاجتماعي الاقتصادي للحرب، ولاجتثاثها – الحرب – من جذورها ومنع استمرارها.

رفض الحرب والدعوة لإيقافها في هذا البلد أو ذاك، وفي عقل هذا القائد السياسي أو ذاك، تعني قيماً ومعاني فكرية وثقافية وسياسية، وليست شعارات فضائلية لا تقدم ولا تؤخر، إن لم تكن مثل هذه الشعارات بالونات من كلمات تلهي الناس وتبعدهم عن وعي وفهم جذر الأسباب الواقعية لقيام الحرب واستمرارها.

رفض الحرب اليوم في بلادنا، تعني إدانة سياسية واضحة للعدوانين الخارجي والداخلي، خاصة وأن العدوان الداخلي هو من استدعى او سهل العدوان الخارجي، ضمن لعبة صراع إرادات إقليمية، ارادت تحويل اليمن الى ساحة صراع خدمة لمصالح خارجية (مصالح قوى العدوان الحقيقية) : السعودية والامارات وايران.. ولا نستطيع أن نفاضل هنا بين العدوانين، أيهما الأبشع والأخطر، أو الاكثر سوءا، فكلاهما عدوان على حياة ومصالح الشعب الفقير، وكلاهما يمنعان استقرار البلاد السياسي والاجتماعي، ويعوقان التنمية الاقتصادية والإنسانية، ويتفقان على هدف منع وجود الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة والحقوق!! فكل منهما يُخَدم على الآخر ويطيل في عمره، ولا مصلحة لأي منهما بإيقاف الحرب ما دامت مصالحهما الخاصة قائمة.. يختلفان فقط، على الوسائل وطرائق الأداء السياسي، ويتفقان على الهدف السياسي الاستراتيجي بمنع الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، ورفض حضور وقيام الدولة المدنية الديمقراطية المعبرة عن مصالح جميع مكونات المجتمع.

إن العدوانين الداخلي والخارجي جذرهما السياسي والمصالحي واحد: فرض العدوان على الشعب الاعزل، حصاره وتجويعه واذلاله وتعذيبه حتى الموت جوعا وقتلا وتشريدا .. العدوانان أصلهما الفكري والسياسي والمصالحي واحد، كلاهما يمتحان من معين، ومن منبع وأصل واحد: معاداة الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان، ولا يعنيهما أمر تماسك ووحدة النسيج الاجتماعي والوطني، اللذين يجري العبث بهما وتدميرهما في كل لحظة من لحظات وجودهما، فذلك أمر لا يعنيهما في شيء إلا بقدر ما يخدم مصالحهما الخاصة، وهدفهما المشترك في تفكيك المجتمع وتدمير ما تبقى من بنى الدولة، وهذا عملياً ما يحصل من سبع سنوات، يتجرع مراراتها فقراء البلاد في كل الأرض اليمنية (شمالا وجنوباً).

عدوانان مرتبطان ببعضهما البعض، بحبل سري، وتابعان للخارج ، وحين يجدان الفرصة سانحة سيتقفان على تسوية سياسية ترضيهما وتحقق مصالحهما السياسية والأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، وعلى حساب الطرف الأصيل(المغلوب على أمره في صورة ازمة قيادته السياسية), الذي حولت أرضه او صمتت وقبلت على تحويل ارضه، إلى ساحة صراع ونهب وحرب، وإلا كيف نفسر ونفهم مفاوضات إيران والسعودية لأكثر من مرة على مصالح ومستقبل اليمن، وأخرها المباحثات الجارية في العراق في الشهر الماضي، ابريل ٢٠٢٢م، دون وجود طرف يمني مشارك في المباحثات، في ما يخص الشأن اليمني، ذلك أن البند الأول والرئيس في هذه المباحثات، هو القضية اليمنية، كما يعلم الجميع!!

إن الشعب اليمني بأغلبيته الساحقة يعيش منذ سبع سنوات في خضم عبث وجنون عدواني هستيري يأتيه من الخارج ومن الداخل، في صورة عدوانين كبيرين: السعودية والإمارات من جانب، وإيران من جانب أخر. إلى جانب عدوانيات ميليشية صغيرة مرتبطة بالخارج وممولة منه كذلك، وفقا لمصالحها الصغيرة.. عدوانيات موزعة على كل خارطة الجغرافية السياسية اليمنية.. على أن أبشع وأقسى وأشد العدوان مرارة وقسوة على النفس والروح هو العدوان الداخلي، “ظلم ذوي القربى” .. العدوان الذي يستمد قوة استمراره من مصدرين:

الأول: غياب بوصلة الرؤية لدينا كنظام حكم، حتى لا أقول دولة، وكأحزاب، بعد أن ارتهنت قيادة الأحزاب لمصالحها الخاصة مع الخارج، قيادات حزبية لها مصالحها الخاصة، ولا تستحي من البهرجة السياسية علينا (سارق ومبهرر)، وبأنها وطنية ونظيفة، بل وتقدمية من طراز فريد ؛ ومن هنا ضعف الإطار السياسي الوطني البرامجي الجامع لنا كيمنيين. والمصدر الثاني: ارتهان إرادتنا، وبالنتيجة قرارنا السياسي للخارج، للأطراف الاقليمية المقررة نيابة عنا، والتي تتحاور اليوم حول قضيتنا ومستقبل بلادنا في غيابنا ،بسبب خذلان هذه القيادات. خارج اجنبي واحتلالي لجزء من ارضنا، ويحاور الطرف الآخر(القاتل), من العدوان، او شريكه في العدوان علينا/على بلادنا، ولا تخجل قيادات الأحزاب اليمنية في الخارج من القول وبكل صلافة طبع، انها تعمل من اجل الوطن والحزب/الأحزاب !!، وموقفهم هذا يذكرني بالقيادات التي هربت من صنعاء ايام حصارها والعدوان عليها، (مع الفارق التاريخي الذي يحسب لصالح القيادات القديمة)، ثم عادوا ليرفعوا راية الانتصار، ومن انهم من صنعوا الانتصار، في محاولة قذرة لسحق واذلال من قاوموا العدوانيين، الداخلي والخارجي، وهي قمة الوقاحة السياسية، تعبير عن موت الضمير الاخلاقي، انعدام الحيا السياسي، “موت القيم” ، أو كما يقول اخواننا في مصر: “الذين اختشوا ماتوا”.

إن بشاعة العدوان الداخلي أنه يحترب أو “يجاهد”، حسب تعبيره، بدم فقراء اليمن رغما عن إرادتهم، ومصالحهم، “مجاهدين بالقهر”، خدمة لأجندات اقليمية/ خارجية، ويفرض على من صودرت رواتبهم من سبع سنوات، جبايات متعددة الأشكال والأسماء، جبايات حتى على أصحاب العربيات اليدوية (المعدمين) الذين يمثلون ويجسدون الرمز، أو التعبير الاقتصادي الاجتماعي لمسمى “البطالة المقنعة”؛ زكوات وضرائب وجبايات ما أنزل الله بها من أمر، وخارج القانون، جبايات على ناس يعيشون في ما دون حد الكفاف، وصولا إلى الاعتداء على الطقوس الدينية للناس ومنع بعض صلواتهم عنهم(صلاة التراويح)، مع استمرار عدوان احتلالي أجنبي لا يتوقف، تطال حربه تدمير ما تبقى من البنية التحتية للدولة، ويقتل فيها الانسان في كل لحظة .. شعب فقير محاصر وأعزل من كل شيء: من الراتب/ المال، ومن الاقتصاد، ويعيش تحت عذابات القلق والجوع، وعدم الاستقرار، والخوف من الآتي، بعد أن غيبت الدولة ومؤسساتها، واستبدلت بالميليشيات (المشرفين) الذين صاروا هم، رمز النظام الجديد/ رمز السلطة..

الميليشيات المذهبية والطائفية والسلالية (العنصرية)، “مشرفون” هم من يوجهون ويأمرون الوزراء والقضاة وحتى رئيس الوزراء،جميع مفاصل السلطة والمجتمع تحت قبضتهم الامنية، ودأبهم لإعادة المرأة إلى عصر الحريم(الحرملك)،.. عدوانان يخدم كل واحد منهما الآخر، ويطيل في عمره في واقع الممارسة العملية.

إدانة الحرب ورفضها اليوم، يعني إدانة سياسية واضحة للعدوانين الداخلي، (في صورة الحرب الداخلية/ والنهب الداخلي الشامل)، وفي صورة العدوان الاحتلالي الخارجي. دون ذلك سنظل ندور ونتحرك في نطاق شعارات سياسية ، ومبادرات “تسويات”, هي بمثابة مخدر، هي في الواقع استدامة للحرب، وهذا عمليا ما يحصل منذ سبع سنوات.

إنها ليست حربنا، هي حرب علينا، ومن المهم والضروري أن نبلور رؤية وخطاباً سياسياً ووطنياً واضحين تجاه كل ذلك في اتجاه ادانة كلا العدوانيين: الخارجي والداخلي.

لقد قادتنا الحرب العبثية الانتقامية والثأرية، في صورة انقلاب صالح/ الحوثي، تحت وهم أحلامهما المريضة باستعادة دويلة المركز والعصبية، والتي تحولت الى حالة حرب سلالية عنصرية، مذهبية (إثنا عشرية)، بغطاء ايديولوجي /عسكري خارجي (ايران)، وخاصة من بعد قتل علي عبدالله صالح، الداعم السياسي والعسكري والأمني والمالي للانقلاب والحرب على كل العملية السياسية الحوارية السلمية.

إن الموقف من الحرب ورفضها، في تقديري، يبدأ من هنا، من رفض ونقد الأسباب السياسية التي انتجت الحرب منذ خطواتها الانقلابية الاولى، في صورة حرب 1994م التي لم يتم ادانتها سياسيا ووطنيا حتى اللحظة، وهو دليل سياسي وعملي على استمرار قوة، وقوى، فعل تحالف الجماعة السياسية والاجتماعية القديمة/الجديدة، الداعمة والمنتجة للحرب على راس قيادة تحالف “الشرعية القديمة”، والجديدة شكلا، التي تم استنساخها أو مسخها، في صورة “شرعية بديلة مطواعة/ المجلس القيادي الرئاسي”، وقبلها إعادة انتاجها – القيادة- في صورة “طارق عفاش” ، وغيره، وكلها خطوات ومحاولات لإ اعادة انتاج النظام القديم، وهو ما يحصل اليوم .

إن عدم إدانة الحرب الجريمة في العام ١٩٩٤م، هو الذي يعكس ويوضح الموقف العدائي للبعض من القضية الجنوبية منذ بعيد الحرب، حت اليوم.

وليست الحرب الجارية سوى امتداد سياسي موضوعي لتلكم الحرب.. فالحرب الجارية لمن يقرأ ويفهم التاريخ السياسي، أو “المشكلة اليمنية”، في تاريخيتها؛ هي استمرار سياسي/ تاريخي، لحروب “الردة الوطنية” على الدولة.

وبهذا المعنى، فان حرب 1994م، هي انقلاب سياسي جذري تاريخي على ثورة 26 سبتمبر 1962م، وعلى ثورة 14 أكتوبر 1963م، وحرب على جمهورية دولة الوحدة السلمية التعددية، وليست الحرب الجارية خاصة من بعد مقتل علي عبدالله صالح، سوى استمرار لحروب استعادة دولة العصبية، والمركز، والفردية (الإمامية)، هي ذهاب بالانقلاب الى مداه النهائي الذي تريده الجماعة الانقلابية الداخلية/ الحوثية والقوى الاقليمية الخارجية الداعمة لها، ومن هنا سير الجماعة الحوثية على منوال التجربة السياسية الايرانية في بناء النظام السياسي والدولة: المرشد الأعلى/ يقابله عبدالملك الحوثي، رئيس الجمهورية الإيرانية/ يقابله/ رئيس المجلس السياسي الأعلى المعين من قبل عبدالملك الحوثي، ومجلس وزراء معين- كذلك- من قبل ، عبدالملك الحوثي، ويتحكم به المشرفون. وفي المقلب الآخر: “مجلس قيادي رئاسي” معين من دولة أجنبية حددت نصابه وشكله ودوره المرسوم سلفا.

فاذا كان الرئيس المنتخب، عبد ربه منصور هادي، الذي كان يمتلك شرعية داخلية دستورية وقانونية وانتخابية وتدعمه قرارات الشرعية الدولية، لم يقدر على عمل شيء مع دولتي الاحتلال: السعودية والامارات، اللتين احتجزتاه/رهينة سياسية، في احد فنادقها، واستبدلته وقت شاءت، بجهاز سياسي رئاسي تابع لها، فماذا عسى بوسع مجلس “قيادة رئاسي” معين من الخارج أن يفعل؟!.. مجلس ضعيف، وغير متجانس، له مهمة سياسية مرحلية، وبلا موقف، ومرتبط ولائيا بالتبعية للخارج.. هو في الواقع مجلس لديه مهمات أنية : سياسية وأمنية بروتوكولية، لا تتعدى التوقيع الرسمي على بيع او التفريط بالجزر اليمنية، وما تبقى من الأرض اليمنية الغنية بالثروات، وبالموقع الاستراتيجي!!

يقول عبدالله العروي : في كتابه(مفهوم الدولة)،ط(٢)١٩٨٣م ص ١٤٥-١٤٦-“إن المحرك الحقيقي لصلابة أية دولة يكون في علاقاتها مع الخارج”, ونحن في اليمن مع الشرعية المزالة، او التي تم استبدالها/ او استنساخها، نعيش في أسوا حالاتنا في علاقتنا مع الخارج كدولة، بل لا تكاد تكون لنا علاقات دولية مع الخارج، لان اولياء الأمر لن يقبلوا بتصرفنا كدولة مستقلة ذات سيادة، إلا في الحدود التي يرضون بها وعنها، (تحركات سياسية محدودة لوزير الخارجية ،وتصريحات في نفس السياق لوزير الإعلام), وهنا يتجلى معنى عجزنا السياسي والوطني القيادي شبه الكامل، أمام شعبنا، وامام الدول الخارجية .

نحن اليوم ليس لدينا حتى جهاز دولة حقيقي (حكومة)، فما بالكم بالحديث عن الدولة مكتملة المواصفات والاركان .. ومن يتصور امكانية وجود آي حل سياسي واقعي قابل للحياة، من خلال استمرار هكذا وضع، أي خارج وجود الدولة ذات الإرادة، وصاحبة القرار، ومالكة السيادة على ارضها/ارضنا، فهو ليس فحسب واهم، بل وجاهل بالسياسة، والتاريخ، او انه مشارك ضمنيا في هذه اللعبة العبثية والكارثية!!

ومن هنا الضرورة السياسية والوطنية التاريخية لرفض الحرب الجارية، بإدانة العدوانين: الخارجي والداخلي.

إن البداية السياسية والعملية لمن يبحث عن الحل، للخروج من النفق، إنما تبدأ من هنا.

والله من وراء القصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق