
قلم رصاص
قلم رصاص:
فاطمة أنفلوس البوعناني
«ماذا يعني أن تكون لاجئا في ألمانيا؟»* (2)
الآن ومع موجة اللاجئين الجدد، المتزامنة مع حركة الربيع الديمقراطي، عدلت الحكومة الألمانية في الكثير من قوانينها في وجوه اللاجئين عموما، والسوريين خصوصا. فصار من حقهم تعلم اللغة الألمانية ومتابعة الدراسة الجامعية أو أحد التكوينات المهنية وحصلوا على رخصة العمل مما يسمح لهم بالبحث عن وظيفة في سوق الشغل الألمانية.
بل واستفاد العديد من الشباب السوريين بدعم مالي خاص لفتح مشاريعهم الخاصة.
ولا زال النقاش جاريا بخصوص الحق في تغيير محل السكن دون استشارة مصلحة الأجانب ومركز التشغيل وإدارة الشؤون الاجتماعية.
إن مثل هذا التضييق كفيل بضرب فكرة اللجوء بأكملها. فلماذا يغادر شخص ما وطنه؟ لماذا يترك وراءه تاريخه وجذوره وماضيه؟ لماذا يغامر في البر والبحر؟
أليس من أجل الحرية؟ *
سيقول قائل بل من أجل الأمان. سأرد: أي أمان سيشعر به أب لا يسمح له بزيارة أبنائه ولا إنقاذهم من أرض الخراب؟ أي أمان سيحس به من ينام في مخيم للاجئين هنا، وزوجته وأمه تحت القصف هناك؟ أي أمان!؟
إنه و من خلال عملي كمترجمة ومرشدة اجتماعية في ألمانيا، قابلت العديد من الأشخاص الذين توجهوا إلى مصلحة الأجانب أو إلى بعض جمعيات المجتمع المدني ليعبروا عن أمنية واحدة وهي: الرغبة في مغادرة ألمانيا.
وقد تم رفض طلبهم هذا لاعتبارات قد تبدو مذهلة عند البعض ومقززة عند البعض الآخر.
لقد رفضوا بحجة أن احترامهم لمبادئ حقوق الانسان تمنعهم من إرسال لاجئ هنا إلى بلد يعيش تحت القصف ليل نهار.
إن القادمين إلى ألمانيا بهدف تقديم طلبات اللجوء لا يعرفون الكثير عن هذا البلد وهذا يجعل اندماجهم صعبا جدا. غير أن الجدير بالذكر أن كل لاجئ (أقصد كل طالب لجوء) له رؤيته الخاصة به تختلف بحسب مستواه الدراسي وانتماءاته الدينية والسياسية وميولاته الجنسية ومدى استيعابه لألاعيب الإعلام الذي يسير العالم، وكذا تساؤلاته عن الأسباب الحقيقية وراء فتح ألمانيا أبوابها المشرعة أمام طالبي اللجوء من العالم عامة ومن سوريا خاصة.
هذا الاختلاف هو الذي يفسر لماذا البعض مكتئب والبعض الآخر يطير من الفرح.
فاللذين يطيرون من الفرح أغلبهم شباب يقبلون على الحياة بكونها مغامرة عيونها خضراء وشعرها أشقر طويل كليالي السهر الجميلة.
والمكتئبون حزانى على رصيف العمر يتابعون أخبار القصف ويعدون الموتى على أصابع الحسرة. يحنون إلى عرقهم الأصلي، لا تغريهم «البيرة» الألمانية ولا تغيرهم الأغاني الحالمات.
أوفياء لياسمين الشام وشجن بغداد وخبز الدار.
وبين هؤلاء وأولئك نخبئ الدمع ونرتل مع درويش:
{القمح مر في حقول الآخرين
والماء مالح، والغيم فولاذ، وهذا النجم جارح، وعليك أن تحيي وأن تحيي
وأن تعطي مقابل حبة الزيتون جلدك، كم كنت وحدك يا ابن امي، كم كنت وحدك»}




