سياسة

سفينة بَوْح

دعوة للتأمُّل والإنحياز ...!

هيثم الفضل

كل الدلائل الواقعية تشير إلى أننا لم نزل نخوضُ في ذات المُستنقع الآسِن ، وأن الثورة بكل ما فيها من زخم وتضحيات وأمنيات لم تكتمل أركانها بعد ، ولا أسوقُ هذا الحديث كما سيخطُر على بال الكثيرين لأستوفي المزيد من التخوين لجهةٍ دون أخرى ، فكلاهما عسكرييين ومدنيين ، على ما يبدو كانوا (دون) تطلُّعات الثورة ، و(ضد) آمال الجماهير التي قدَّمت الشهداء والجرحى قُرباناً للخلاص والإنعتاق والمُضي قُدماً نحو بناء السودان الجديد ، أستثني ولأجل العدالة فقط دولة رئيس الوزراء ، الذي وبالرغم من ما تم حصرهُ لهُ (بإجتهاد وتفاني) من عيوب ونقائص ، سيظل في نظري أكثر النافذين السودانيين على مر تاريخنا السياسي قُدرةً على المناورة والسباحة في خضمٍ متلاطم من الأمواج المتعاكسة في إتجاهاتها وتياراتها ، وقد نجح على الأقل في مضمار تهيئة البيئة الدولية لدعم الإقتصاد السوداني ، وكذلك في التسامي عن تحصيل الإنتصارات الشخصية لمصلحة الحفاظ على أمن ووحدة البلاد وتماسُك نسيجها الإجتماعي ، أما ما عداه فلا أستثني أحداً من مغبة التلاعُب والإستهانة بإرادة الشعب السوداني وآماله المُستحقة.

لم تنتصر الثورة بعد ، ما دام لم يزل على رأس قياداتنا الإنتقالية مَنْ يقول لشعبه عبر منبر جماهيري في عهدٍ يستشرف الديموقراطية وإحترام كرامة وحقوق الإنسان (الكلاب تنبح ونحنا ماشين) ، وما دام أعلى مستويات قيادات الدولة ممن يدَّعون حماية المسار الديموقراطي والدستور يُعلن أيضاً وعلى الهواء الطلق مخالفته للوثيقة الدستورية وعدم إعتدادهُ بنصائح ورؤى القوى الدولية الداعمة للتحوُّل الديموقراطي المدني قائلاً بكل جُرأة (لن نُسلِّم جهاز الأمن والشرطة للمكوِّن المدني) ، لم تنتصر الثورة بعد ، ما دامت قيادات شرق السودان لا تهتز لها شعره ولا يومضُ لها جفن وهي ترفع قضايا شعبها العادلة والمُستحقة عبر تجويع وتعريض حياة الشعب السوداني بأكملهِ للمخاطر والفِتن ، وما دامت التكوينات الحالية داخل قوى الحرية والتغيير (الأصل) ترفض مبدأ الإنفتاح على موجبات الإصطفاف حول الثورة عبر توسيع قاعدة المشاركين في الحكم الإنتقالي إذا ما أقَّروا بإلتزامهم بالوثيقة والدستور وعدم مشاركة المؤتمر الوطني المحلول وما سقطت معهُ من أحزاب موالية ، لم تنتصر الثورة بعد ، ما دامت قضايا ومُشكلات جرحى ثورة ديسمبر المجيدة ليست على قيد (أولويات) الحكومة ولم تزل تحتاج للوقفات الإحتجاجية أمام مكتب دولة رئيس الوزراء ، لم تنتصر ثورتنا ما دُمنا للآن نعتقل الصحفيين والمعارضين دون توجيه تُهمة ولا محاكمة عادلة ، لم تنتصر الثورة ولم ننتصر ما دمنا عاجزين منذ سنتين ونيف من عمر الحكم الإنتقالي عن تكوين المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية والبت في قضية مجذرة الإعتصام والقصاص للشهداء ، لم تنتصر الثورة بعد أن فشلنا في إيصال رسالتنا للعسكر القابعين الآن في مناصبهم السياسية بمجلس السيادة أن الكلمة الأخيرة للشعب وأن هيكلة القوات المُسلَّحة وعودتها إلى دورها الطليعي والطبيعي لا رجعة فيه وفق ما تُمليه قواعد النظام الديموقراطي المدني ، لم ننتصر بعد وجهاز الأمن الحالي لم يزل وللآن وبأوامر (عُليا) من جهات ليست ذات إختصاص يمنع وزراء دستوريين من السفر دون إخطار ولا توضيح أسباب ، وماذا إذا تقارع الجهاز مع (عامة) الناس والبُسطاء هل من شك في أنهُ سيكون أكثر صلفاً ودمويةً وساديةً من جهاز أمن الإنقاذ البائده ؟ ، هذه الرسالة ليست لنشر روح الإحباط ولكنها دعوة للتأمُّل والإنحياز اللا مشروط للرؤى المُنقذة لهذ الوطن.

داعِم وليست هادِم …!

عطفاً على المؤتمر الصحفي الذي عقدتهُ مجموعة قوى الحرية والتغيير (البديلة)  أول أمس الإثنين ، لماذا لا يخطر على بال رئيس الوزراء وما تبقى من (عقلانيين) أن فكرة التوحُّد والتعاضُد والإئتلاف خلف ملحمة التغيير والتحوُّل الديموقراطي هي في الحقيقة (داعِم) وليست (هادِم) لما يتم تحقيقهُ الآن من مطالب ثورية ؟ ، فالرؤية الحقيقية  (الشاملة) لسودان ما بعد الثورة لا يمكن إستنباطها فقط من وحي ما حدث في (خواتيم) الثورة السودانية أو يوم سقوط النظام ، لأن التاريخ البعيد والمتوسط والقريب شئنا أم أبينا سيظل واحداً من المُحدِّدات الإستراتيجية المُتحكِّمة في حسابات الخسائر والأرباح التي يُعالجها (المُتشدّدون) عبر جدلية (الإقصاء والتفكيك) ويُهملون في ذات الوقت مُوجبات البناء الجديد ، علينا أن (نُقيَّم) مكاسب التوحُّد مع الإحتفاظ بالجراحات وإرجاء أوجاعها إلى حين الخروج من الأزمة ، كما فعلنا في البدايات حين تواثقنا وتشاركنا الحُكم الإنتقالي مع قيادات اللجنة الأمنية لنظام البشير ، والتي ما زال بعض محدودي الرؤية في مجال إستكشاف المخاطر الكُبرى يعتبرها خطأاً تاريخياً في فعاليات الثورة ، في كل الأحول حينما تمثُل الكارثة يُفضِّل (العقلاء) إنقاذ ما يمكن إنقاذه والخروج بأقل قدرٍ من الخسائر ، ووفقاً لهذا المبدأ على قوى الحرية و التغيير (الأصل)  الإنحناء للعاصفة عبر الإنحياز للمنطق والحق ثم الحقيقة ، فضلاً عن (تخفيض) سقف الخطوط الحمراء التي تقف (حائلاً) دون التوحُّد والتعاضُد للوصول بالبلاد إلى بر الأمان ، فإن كانت مجموعة قوى الحرية والتغيير البديلة (تؤمن) بثلاثة أرباع ما أستهدفتهُ ثورة ديسمبر المجيدة ما الذي يمنع التوافُق معها على ذات الأسس التي تتحكًّم في الرؤية الكُلية لملحمة التحوُّل الديموقراطي؟ ، في إعتقادي الشخصي أن أهم (ثلاث خطوط حمراء) لا يمكن تجاوزها والتضحية بها (قُرباناً) للتوحُّد والتعاضُد بين قوى الثورة الحاكمة والمُتظلِّمة الآن هي : مشاركة المؤتمر الوطني المحلول ، وحل لجنة إزالة التمكين ، والتنَّصُل من الوثيقة الدستورية.

ما يُثير الخوف ويعمل على إتساع دائرة (الشك) ما حدث من تناقُض في المواقف إبان المؤتمر الصحفي المذكور ، وفقاً  لما ورد من تصريحات مُتناقضة (لقيادات) في قوى الحرية والتغيير(البديلة) ، وفي واحدة من أهم الشروط الإستراتيجية الداعمة لمبدأ التوافُق والتعاضُد المأمول بين الفُرقاء ، إذ قال محمد سيد أحمد رئيس مسار الشمال عندما سُئل عن مشاركة أحزاب الحوار الوطني وبعض الأحزاب التي آثرت عدم القفز من سفينة الإنقاذ الغارقة حتى إنتصار الثورة (أنهم يُقرّون بعدم مشاركة هؤلاء إسوةً بالمؤتمر الوطني المحلول) ، و في ذات الوقت أجاب التوم هجو رئيس مسار الوسط بأنهم يستمدون رأيهم في أمر مشاركة تلك الأحزاب من بنود الوثيقة الدستورية التي لم تستثني غير (المؤتمر الوطني) في إشارة واضحة إلى قبولهم بالتعامل مع تلك الأحزاب التي يعتبرها البعض في وضعنا الحالي (أكثر خطورةً) على الثورة من المؤتمر الوطني نفسه ، لأنهم ببساطة يمكن أن يكونوا (نواةً) جديدة ومُستنسخة من ذات الحزب البائد المحلول ، خصوصاً المؤتمر الشعبي وحزب الإصلاح الآن وتنظيمات وأجسام أخرى عُرفت تاريخياً و(آيدلوجياً) بضعف إيمانها بالمسار الديموقراطي ومناهضتها لمبدأ القبول بالآخر (تتدَّثر) الآن بأثواب ومُسميات جديدة لمُجرَّد التمكُّن من المثول في الواقع السياسي الراهن.

النَّاس الكويسين …!

* إذا جاز لنا أن نضع أُسساً (للتخوين) السياسي الذي بات هو العلامة الشائعة والفارقة التي تمُيِّز (يوميات) الشراكة بين العسكر والمدنيين في الحكم الإنتقالي الحالي ، لابُد أن نلتفت إلى (الدوافع) التي إنطلق منها الشعب السوداني مُمثلاً في أغلبيته الثائرة في ديسمبر المجيدة ، والتي بدأت بإعتبار أعضاء المكوِّن العسكري في مجلس السيادة إمتداد راسخ للَّجنة أمن المخلوع البشير ، حيث كان معظمهم يتمتَّعون بصلاحيات واسعة ومناصب نافذة حتى اللحظات الأخيرة لسقوط النظام البائد ، ولما كان الجميع يعلم مستوى (التداخُل) أو بالأحرى (الإحلال والإدماج) الذي حدث في شكل ومضمون سطوتي الدولة والتنظيم السياسي الحاكم في البلاد آنذاك ، بات من الطبيعي أن يتوطَّد (التشكيك) في نوايا وإنتماءات كل صاحب نفوذ وصلاحيات واسعة في ذلك الزمان البغيض ، ورغم أن اللَّجنة الأمنية العسكرية حينها قد إنحازت للثورة وأسهمت على الأقل (بالكف عن الأذى) وسفك الدماء ، إلا أن السؤال (الموجِع) يظل مطروحاً بلا (لف ولا دوران) ولا مواراة (ماذا إذا كان إنحياز اللَّجنة الأمنية لنظام الإنقاذ البائد صُّورياً ويُمثِّل تكتيكاً أقرَّهُ ذات النظام كمخرج من الأزمة ؟!) ، أما (الأُسس) الأخرى التى ساهمت أيضاً في دفع الديسمبريون إلى المزيد من الشطَّط في تخوين المكوِّن العسكري داخل مجلس السيادة فتتمثَّل في تداعيات الشواهد والوقائع والدلائل التي واكبت مجذرة القيادة بما حوت من مآسي وأحزان ومواجع وجراحات لا أظنها ستندمل دون القصاص ، بالإضافة إلى ما كان يعكسهُ المكوِّن العسكري داخل الحكومة الإنتقالية من مواقف جميعها تشير إلى دفع المكوِّن المدني للفشل في أداء مهمة الإنتقال ، وأقلها تأثيراً كان الإمتناع في أحوال كثيرة عن المساهمة ومد يد العون للحد من الأزمات التي ناوشت الحكم الإنتقالي ومنها الأزمة المُتعلِّقة بموجبات الإصلاح الإقتصادي وخضوع المؤسسات الإستثمارية العسكرية لولاية المكوِّن المدني ، ومنها أيضاً الإنفلات الأمني العام والمُهدّدات الوطنية الإستراتيجية خصوصاً فيما يحدث الآن من تطوَّات للأحداث في شرق السودان ، ثم ختاماً ردة الفعل (العكسية) التي عبَّر عنها رئيس ونائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي عقب إنقلاب سبتمبر الأخير والذي سددا فيه كُتلة من الغضب واللوم قاما بتوجيهها نحو المكوِّن المدني بدلاً عن القائمين بالإنقلاب.

* التفاني في الزود عن ما نؤمن به من قضايا ، يستلزم بالضرورة النضال من عمق لُجاج البحر الهائج ، وليس الهُتاف من (الشواطيء) الآمنة والقصية ، ذلك يؤهِّل (المُتفانين) للعب الدور الإستراتيجي والأهم فيما يجب أن يكون عليه حال السودان الآن ، وما يجب أن يكون عليه بعد إكتمال مُخطَّطات وبرامج التحوُّل الديموقراطي المدني ، خصوصاً إذا كان هؤلاء من المشهود لهم بالنزاهة والصدق في نواياهم وإنحيازهم غير المشكوك فيه للثورة وأهدافها ومراميها ، وكما أطلق عليهم أستاذنا الصحفي الدكتور / زهير السرَّاج في تعليق إسفيري (الناس الكويسين) مُتحسِّراً على إستقالة الأستاذة / رشا عوض عضو المجلس القيادي والمُتحدِّث الرسمي لمبادرة رئيس الوزراء لتوحيد قوى الثورة والمُضي إلى الأمام ، ومُشيراً إلى أن خروج الحزب الشيوعي السوداني من قوى الحرية والتغيير أفسح المجال للمُتربصين وأخلى المقاعد لغير المؤهلَّين ، وأضُم صوتي إلى صوت الأستاذ زهير في إشارته إلى أن خروج (الناس الكويسين) يُفسح المجال ويفتح الأبواب مُشرعة لدخول أصحاب القُدرات المتواضعة والإنتهازيين وأحياناً الفلول والمُتآمرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق