
العلاقات المغربية-الجزائرية … أي جوار مغاربي؟ (1)
عبد الفتاح الزين *
“من المزعج، أنه منذأن تمّ تعويض أسماء المقاطعات [الترابية] بالأرقام، ذلك أنالتلميذ الذي يحُصل على درجات سيئة في مادةالحساب،سيحصل أيضا على أصفار في الجغرافيا “بانجمانوينستونBenjamin Winston
تعقيبا على مقالة الأخ عبد القادر لطرش المنشورة بتاريخ 09 شتنبر/أيلول 2021، والتي سعدت بالتوصل بها من طرفه في إطار التواصل بيننا كزميلين ينتميان للفضاء المغاربي. فبعد أن قرأتها بتمعن، وأنا أوافقه الرأي على أن “لا نُورِّث، كما ختم مقالته، الأجيال المقبلة من [المغاربيين] كراهية الآباء والأجداد وأحقادهم وإخفاقاتهم”، والتي اكتوت أجيال ما بعد الاستعمار بكل من البلدين بنارها، ومن أجل حوار مواطن هادئ يستند إلى مواصفات أكاديمية تنتصر لوطن ديموقراطي حداثي لا يشترط تقدمه هيمنة على جيرانه أو قطبية أحادية متمنيا أن يتأسس هذا الحوار على مقتضياتواجب الذاكرة بما يتضمنه من أهداف تروم إلى جعل الماضي يمضي بعد قراءته دون تشنج أو شوفينية، بما يجعلنا جميعا نعمل على دفن هذا الماضي مستثمرين الاستفادة من أخطائه لإرساء شروط الانتقال نحو مستقبل أفضل يجعلنا قادرين على الاستمرار في مواجهة احتمال تكراره صونا لحق الشعبين في العيش المشترك ضمن فضاء مغاربي جدير بتعدديته المجتمعية، وضامنا لكرامة شعوبه دون شعبوية أو تملص من مسؤولية البناء المشترك،وأملا في أن يساهم مواطنو البلدين ومثقفيهم قبل غيرهم في إصلاح ما خربه هذا الماضي الذي لازال يتحكم في الحاضر ويرهن المستقبل المغاربي ككل. وهي دعوة كنت قد تبادلت حولها أفكارًا أولية مع الأخ عبد القادر لطرش. ولعل هذه المقالة التعقيبية، قد تسهم في انطلاق هذا الحوار الهادئ المنشود، وفي بلورة فكرة حول الموضوع تثمينا لتجارب سابقة مغاربية أو مغربية-جزائرية لرأب الصدع، وصون المشترك، والنهوض به من أجل تحرير الأجيال المقبلة من منطق وتمثُّلات تمَّ تأسيسها واستدامتها بناءً على اجترار أخطاء الأسلاف وصراعاتهم.
في البداية لا بد من التذكير بأن مساهمتي الحوارية هذه تأتي امتدادا لعمل مغاربي نشره مجموعة من المثقفين :تونس (8 مثقفين)، والجزائر (10 مثقفين)، والمغرب (9 مثقفين). وقد تأسفوا لعدم مشاركة النساء ولعدم تناول قضية المرأة ضمن هذا الملف. وأشرف عليه المرحومون : عبد الكبير الخطيبي من المغرب، ونور الدين عبدي من الجزائر،وعبد الوهاب المؤدّب من تونس. وكلهم راحلوا عنا. كما نُشر هذا العمل باللغة الفرنسية ضمن عدد خاص بمجلة الأزمنة المعاصرة Les Temps Modernes التي كان مديرها آنذاك جان بول سارتر. وصدر في عدد خاص حمل رقم 375 مكرر لشهر أكتوبر/تشرين الأول 1977، وتحت عنوان “حول المغارب / Du Maghreb”. وأقتطف من تقديمه هذه المقاطع التي أسترشد بها في هذا المقال :
“هذا العدد سيرى النور رغم كل شيء.
في الوقت الذي توجد المغارب – ككيان سياسي – على حافة تحلُّل حقيقي، يتناول الكلمة هنا مثقفون جزائريون ومغاربة وتونسيون. ويندرج أخذ الكلمةبعيدا عن العنف الذي يخترف المغارب.
تتكلم الدول وتتخبط وفق حركية حفظ النظام والقمع التي تؤسسها. لقد رأينا أنه من الضروري فتح نقاش حول المغارب خارج أي تحالفات تتطلب أو تفترض هذا النوع من الحديث المؤسسي، وذلك في إشارة لقطيعة نقدية، وإطلاق تفكير يسير نحو مغارب بما هي كذلك. فالمغارب الجِذرية تبقى غير مُفكَّر فيها. جذرية بالمعنى المزدوج للكلمة : الجذور والقطيعة.
[…]
مغارب تتطلب التاريخ رغم بروز تناقضات دموية أحيانا كنتاج لوطنيات تحركها بعض المصالح. كل واحد يعرف أن هناك معارك في غرب الصحراء. حتى لو تناسيناها، فإن الأخبار تذكرنا بها. وإذا لم نثر هذه المسألة التي تفرق، فليس أبدا عن جهل ذليل. هذا الصمت وظيفي : إنه يحفظ مواقف كل واحد، ويؤجل بالضرورة الحوار دون إلغائه أو كَبْته. فالادعاءات جد متعارضة، والخلافات جد متباعدة حتى أن صمتا من هذا القبيل يصبح ضمانة ضرورية لإنجاز هذا الملف.
[…]
وكوَسْم للمواقف المتبنّاة من طرف مختلف الكتّاب، نفتتح هذا العدد بإثبات مزدوج :
نتضامن مع المناضلين الذي يصارعون حتى تأتي الحريات الديموقراطية، مدخلُ المغارب الجذرية؛
ضرورة احترام الثقافات والأقليات التي تُشكِّل المغارب والدفاع عنهما. فكل مجتمع يرفض الأقليات، هو غير متسامح على كل حال.”
بعد هذه المقتطفات المرجعية، لابد من الإشارة إلى أنني اخترت مفردة مغارب كمقابل للفرنسي Maghrebاعتبارا من أن هذا الفضاء كما أفكره قائم على احترام تعددية مكوناتها المتعددة والعابرة للأقطار الخمسة (ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا)، والتي تنضوي ضمنه ككيان سياسي إقليمي، وليس كما أسسته فرنسا في خطاباتها الاستعمارية ولا زالت تجتره حتى الدراسات والأبحاث الأكاديمية دون روية وتمحيص.كما أنه لا يمكن إدراكه أبدا انطلاقا من الموروث الكولونيالي الفرنسي فقط وبالضرورة. إنه مشروع مضاد يتم الاجتهاد في بناء تاريخه المشترك أخذا بعين الاعتبار تناقضاته وفي تثمين لإرثه الذي ليست كل عناصره ومكوناته مشتركا بالضرورة.
وسنخصص هذا المقال للعلاقات المغربية الجزائرية حصريا ضمن فضائها المغاربي في محاولة لاستجلاء نقط القوة في هذه العلاقات لبناء هذا الفضاء ونقط الاختلاف – حتى لا أقول الضعف – التي تعيق بروز هذا الفضاء كقيمة مضافة وقاطرة ليس للفضاء الإفريقي فحسب، ولكن أيضا للفضاء العربي وكقوة إقليمية فاعلة في الفضاء المتوسطي أيضا. وأنبه القارئ إلى أنني أميز في كتابتي بين صيغتي “المغرب الجزائر” و “المغرب-الجزائر”. فالصيغة الأولى تجاوُريّة، وتعترف بكينونة كل مكوِّن في معزل عن الآخر؛ بينما الثانية تدمجهما في زيجة واحدة المهم فيها العلاقة لا الأطراف. وهي كتابة لمستويين من التفكير بغضّ النظر عن استعمال مفردتي مغرب وجزائر كصفة أو اسم أو غيرهما.
*****
وسأقدم عناصر هذا التحليل كالتالي، وهذا التقديم ليس تراتبيا بل عناصره مترابطة بشكل عضوي :
إن تجاوز التركة الاستعمارية التي تتحمل مسؤوليتها فرنسا أولا، وعدم الوفاء بالترتيبات السياسية المغربية-الجزائرية سواء قبل الاستقلال أو بعده تتطلب الوقوف عندها لاستجلاء سوء الفهم الذي ترتبت عنه خصومات ونزاعات، ناهيك عن حروب توظفها القوى السوسيوسياسية في هذا البلد أو ذاك خدمة لتوازنات سياسية داخلية في احتماء بمعسكرات النظام العالمي الذي ساد خلال الحرب الباردة، وهو ما رهن الأمن المشترك والتنمية البشرية المأمولة في البلدين. لقد ذبلت فكرة الاتحاد المغاربي التي تبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية في طنجة في 28 – 30 أبريل/ نيسان 1958، بالرغم من دعوة عدد من الشخصيات المغاربية التي كانت وراءها إلى تحكيم مصلحة الشعوب المغاربية غير أن الممسكين بزمام السلطة في الجزائر أصموا آذانهم ناهيك عن صمت مريب للعديد من الكيانات السياسية في هذا الفضاء المغاربي لمصالح مرتبطة بأنظمتها القائمة أكثر منها خدمة لمصالح شعوبها. إن عدم تصفية هذا الإرث بما يضمن قيام كل كيان في حدوده الترابية الآمنة، هو أمر يرهن ليس فقط مستقبل العلاقات بين البلدين وإنما مستقبل الفضاء المغاربي ككل لما يخلقه من توظيف مفرط للإرث الاستعماري بين مكونات هذا الفضاء واستنزافها. فالحدود الموروثة عن الاستعمار – بشهادة المختصين – قنابل موقوتة، وعدم التحكم في لُغمِيتها، ونزع فتيل كل توتر محتمل في إطار توافق متفاوض حوله، قد يفجر أي بناء مغاربي لا تأتي قوته من داخله ومن القناعات السوسيوتاريخية لشعوبه أو في تجاهل لتعدديته المتعددة والعابرة لأقطاره ولحدوده. وهو أيضا ما سيجعله رهين التوترات الإقليمية والدولية. ولنا في انشقاقات دول أوروبا الشرقية على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي خير مثال. فالأقطار التي لا ترعى تعدديتها ولا تعتني بتنوعها وأقلياتها تبرز هشاشة بنائها الوطني أمام أول امتحان، وقد لاحظنا أنه نفس المصير الذي عرفته تكتلات إقليمية في فضاءات مختلفة.
لا يمكن بناء فضاء مغاربي ضمن قطبية أحادية أو هيمنة إيديوثقافية أو سوسيوسياسية. إن طوباويات عصر الحرب الباردة قد ولت، كما أن ما بشّر به ما يسمى بالنظام العالمي الجديد قد أبان عن محدوديته. وحتى ما نادى به ما اعتُبر “ربيعا عربيا” قد ظهر زيفه. وعليه، فإن تناول العلاقات بين المغرب والجزائر يجب أن يستحضر الدينامية الداخلية لكل قطر وسيرورته المجتمعية. فالمغرب بما يميزه ككيان سياسي له فرادته داخل هذا الفضاء المغاربي كنظام ملكي اختاره المغاربة، وهو ما أكده دستور 2011 على عكس الجزائر التي بدأ تاريخ دولتها الحديثة بانقلاب على طابعها المدني. وقد قوبل دستورها الأخير بمقاطعة شعبية واسعة، رغم أن المراجعة الدستورية في البلدين جاءت في سياق توترات داخلية وإقليمية، وإن كانت هذه التوترات غير متزامنة خلال اعتماد الدستورين. وهو نفس ما نلاحظه فيما يتعلق بالممارسات الديموقراطية من خلال الانتخابات في البلدين كمثال ليس إلآّ. فأمام مقاطعة واسعة للانتخابات الأخيرة، وفي غياب ملاحظين دوليين بالجزائر، حظيت الانتخابات في المغرب بمشاركة مكثفة. وهو ما جعل الملاحظين الدوليين يرون فيها بروز وعي وطني بما يحدق بالبلد من مخاطر وتكالبات، كما شهد الملاحظون الداخليون والأجانب بمرورها في ظروف عادية وطبيعية رغم ظروف جائحة كوفيد19 والإصلاحات التنظيمية التي عرفتها. غير أن هذا وإن دل على تفاوت في المشاركة في الحياة السياسية وفي قوة التجربة الديموقراطية بين البلدين، فإن الديموقراطية المغربية لازال أمامها تحديات كثيرة، ذلك أن من “ينام في الديموقراطية، يستيقظ في الديكتاتورية” إضافة إلى رهان النموذج التنموي الجديد الذي تم اعتماده وصدر في شأنه ميثاق سياسي جماعي بين الأحزاب المغربية. وفي هذا الصدد، لابد من الإشارة إلى أن المغرب يشتغل بنفس تنافسي ضمن الفضاء المغاربي، بينما النظام الجزائري يشتغل من موقع صدامي يحركه مبدأ الصراع للتحكم في موازين القوى الداخلية من خلال دفع المجتمع إلى الالتفاف حوله عبر العمل على صناعة عدو خارجي؛ حيث وجد النظام الجزائري الحاكم في المغرب ضالته السياسية رغم ما يحفل به التاريخ من شهادات حول احتضان هذا البلد الجار للمقاومة الجزائرية إبان الثورة التحرير بل أن أصول عدد من هؤلاء مغربية، وآخرون قضوا فيه طفولتهم.
لئن صمت المثقفون المغاربيون في الملف المشار إليه أعلاه عن سؤال الصحراء، فإن هذا الصراع ظل ممتدا منذ تبني الدولة الجزائر لأطروحة “تقرير المصير”؛ حيث أن هذا الإصرار الرسمي الجزائري المحفوف بعدم اكتراث جماهيري جزائري، وبتجاهل مريب من أغلبية معارضي هذا النظام والذين يذيبونه في حلّ “مغرب الشعوب”، ويصدرونه نحو هذا المشروع المأمول دون اجتهاد فكري. وهذا ما يجعلنا نسائل كل هؤلاء عن كيفية إعمال هذه الأطروحة في السياق المغربي والاعتراض عليها في السياق الجزائري، خاصة وأن الحراك وبعض مكونات المجتمع في الجزائر يجاهرون بحقهم في تقرير المصير ضمن أجنداتهم النضالية؟ كما يجب لفت الانتباه إلى توظيف الشرعية الدولية من طرف الماسكين بالسلطة ومؤيديهم في قراءة ساذجة وسطحية من أجل إقامة عوائق أمام المغرب دعما للقطيبة الجزائرية، وبهدف الاستفادة من العوائد المالية والسياسية المرصودة لهذه العملية وتحويلها لفائدة مجموعة من جنرالات الجزائر، والتي قال عنها الباحث محمد حربي أحد مؤسسي المعارضة السرية (منظمة المقاومة الشعبية) ضد انقلاب بومدين “إذا كنا نريد حقاً أن نفهم مستقبل الجزائر، فيجب أن نشير إلى تَشكُّل دولة عسكريةarmée-Etat”؛ وهو ما جعله يصرح في أحد كتاباته (1975) حول النظام الجزائري أيضا بما أصبح متداولا كتوصيف للنظام السياسي القائم : “للدول جيوش، ولكن للجيش الجزائري بلد”. وهو ما يلخص بدقة الموقف الذي يناضل من أجله الحراك في أن تكون الجزائر دولة مدنية وليست دولة عسكرية.وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن هذا النوع من الأنظمة التي أفرزتها المجتمعات العربية رهن مصيرها ووحدتها، وخنق كل فضاءات الحرية بمختلف تمظهراتها وتجلياتها. لقد كان نوعا من الشعبوية الثورية التي قطعت الطريق على كل أمل تحرري واعد في عالمنا العربي بل وحتى في مختلف دول ما يسمى بالعالم الثالث. وكما يقول السياسيون “من يزرع الريح يحصد العاصفة”. إن فرض قطبية أحادية مغاربية خطر على المشروع المغاربي وعلى أي مشروع وعلى أي مستوى.
ومما يؤكد التوظيف السياسوي لقضية الصحراء المغربية، فإنه علاوة على إقحام جمهورية تفتقد كل المقومات ككيان سياسي في منظمة الاتحاد الإفريقي، ناهيك عن احتضان ميليشيات البوليساريو وتحويل مخيمات تندوف إلى سجن مفتوح لتفريخ جيل من معذبي هذه المنطقة دون احترام لقوانين اللجوء ولا أبسط حقوق الإنسان المدنية وحتى الواجبات التي على الدولة المحتضنة الوفاء بها، فإن الرئيس الجزائري هواري بومدين قامبطرد أكثر من 350.000 مغربي بشكل تعسفي من الجزائر، وهو نفس عدد المشاركين في المسيرة الخضراء التي تحركت سنة 1975 لإنهاء عملية الاحتلال الإسباني للصحراء المغربية. وكان هذا الطرد يوم عيد الأضحى الذي تزامن مع شهر دجنبر/كانون الأول، في عز فصل الشتاء، وفي ظروف استلهم فيها ممارسوها قيم النازية. وإلى يومنا هذا لازال هناك صمت مطبق من طرف كل الفاعلين في المجتمع الجزائري سياسيين ومدنيين ومثقفين، وجهل مُحيِّر من لدنهم بهذا المس بحق من حقوق المهاجرين الأساسية والتي هي جزء لا يتجزأ من الحقوق الإنسانية من طرف هؤلاء إلا لدى فئة محدودة تعد على رؤوس الأصابع وفي مقارنة مخاتلة لما يقال إنه معاملة بالمثل لما تعرض له عدد من الجزائريين في إطار سياسة المغربة سنة 1973 والتي همت كل الأجانب دون استثناء.وهي مقارنة لا تستقيم. ومن خلال إعلان رمطانلعمامرة بتاريخ 24 غشت/أغسطس 2021 كان يتم تذكير المغرب بالأحداث الإرهابية لفندق أسني بمراكش، والتي وقعت في نفس التاريخ. إنه توقيت يسائل أصحابه عن رمزيته إلى جانب الرمزيات الأخرى لا من حيث اختيارات الجزائر للتوقيت ولكن خاصة من حيث عقلية وسيكولوجية الحاكمين في الجزائر. ومع ذلك نحن مطالبون في إطار واجب الذاكرة ببسط كل المعطيات تنويرا للرأي العام الجزائري-المغربيوالمغاربي والإنساني في إطار مكاشفة شفافة ومن أجل حوار عام وشامل دون رقابة أو رقابة ذاتية إلا ما كان من الرغبة في عدم البصق على المستقبل والاستهتار بحقوق الأجيال المغاربية في الانعتاق من منطق هؤلاء الأسلاف. والأدهى من ذلك، تمادى النظام الجزائري في إنكاره لحقوق المطرودين إلى حد عدم وفائه والتزامه بالتوصية الواردة في الفقرة 25 من تقرير لجنة حماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم المنضوية في هياكل منظمة الأمم المتحدة، في دورتها الثانية عشرة أيام 26-30 أبريل/نيسان 2010، في إطار مناقشة التقرير الوطني الجزائري المقدم لها؛ حيث أوصت اللجنةُالدولةَالجزائرية”بأن تتخذ جميع التدابير اللازمة لإعادة الممتلكات المشروعة للعمال المهاجرين المطرودين، بمن فيهم العمال المهاجرين المغاربة الذين طردوا في الماضي، أو لتعويضهم بشكل عادل ومناسب وفقاً للمادة 15 من الاتفاقية”. ويتعلق الأمر بالاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم والتي صادق عليها كل من الجزائر والمغرب. هذا، ناهيك على أن هذا الطرد يقع تحت طائلة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والذي لم يراع لا حرمة عيد الأضحى، ولا الأواصر العائلية التي تمزقت بطرد من هو مغربي من أفراد الأسرة الواحدة وفصله عن الجزائري زوجا كان أو زوجة، واقتياد الجميع صغارا وكبارا دون مراعاة لظروفهم الصحية أو غيرها إلى مراكز اعتقال كمجرمين وفي ظروف لا إنسانية ومهينة لكرامتهم دون ترك الفرصة لهم لأخذ ممتلكاتهم المنقولة (نقود، دفاتر الشيكات، حلي ومجوهرات …) بل وتم تفتيشهم ونزع حتى وثائقهم الشخصية (بطائق الهوية، الدفاتر العائلية، شهادات الملكية العقارية … ومختلف العقود والوثائق الثبوتية …). لقد تم الاعتداء عليهم ليس فقط ماديا بل وحتى رمزيا ونفسيا من خلال محو ذاكرتهم. والأدهى من كل هذا، فقد تم تسليم بعض الذين انتفضوا منهم في مراكز التفتيش صونا لكرامتهم للبوليساريو في ضرب سافر لأبسط القوانين المعمولبها حتىفي الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية. ومع ذلك ظل المغرب الرسمي ينأى بنفسه عن الخوض في هذا النوع من الملفات لا عن عدم التزام بالدفاع عن حقوق مواطنيه، ولكن في انتظار توفير شروط مواتية لحوار هادئ ومتزن دون قيد أو شرط ضمن آليات ترتضيها الدولتان.
وقد طالبت في عدة مناسبات أعلى سلطة في الدولة المغربية علانية بحوار مفتوح ودون شروط، وهو ما قوبل بالتجاهل وبدعوة شاردة لعقد اجتماع مغاربي. “إنه محاولة إغراق السمكة” كما يقول المثل!! وهو ما ظلت أيضا تنادي به وتدعو إليه مختلف القوى السياسية والمدنية مغربية وجزائرية ومغاربية وأجنبية ودولية، لكن الطرف الرسمي الجزائري ما كان يقبل بالأمر حتى يرتد عليه باحثا عن أي عذر مهما كان وفي تصعيد متهور ومتواتر يضر بمصالح الشعبين.
ولعل بسط هذه الأحداث التي عمقت جروح الشعبين ومعهما انتظارات شعوب المنطقة في محاولة لجعل هذين الشعبين يدخلان في خصومات وأحقاد بالوكالة رغم أنهما ليسا مسؤولين عن هذه المشاكل.وهكذا، فبعدأن فرض المغرب التأشيرة على إثر أحداث مراكش 1994، ردّ الجزائر بإغلاق الحدود. وهذا ما يجعلني أجيب على سؤال الأستاذ لطرش معتمدا صياغته بأن هذه “القطيعة الدبلوماسية المعلنة أخيرا [ومن طرف الجزائر لا] تشبه ما سبقها، [ولا] يمكن اعتبارها غمامةً عابرة أو حدثا [معزولالأنها تختلف عن تلك التي أنتجت التوترات السياسية في الماضي، وهو ما قد يترتب عليه] تحول في طبيعة العلاقات [ليس] بين النظامين ” فقط بل وحتى تعميق جراح الشعبين ومشاكل شعوب المنطقة المغاربية. وهذا يتطلب ضغطا شعبيا مغربيا-جزائريا وحتى مغاربيا وإن استطعنا دوليا لفتح الحدود التي طال غلقها من جانب واحد (الجزائر). ولعل عريضة “نداء إلى العقل” التي أطلقها مغاربة وتبناها مغاربيون عقيدةً من مختلف الأقطار، تعتبر أحد الآليات من بين آليات أخرى اعتمدها فاعلون مغاربيون في ظروف مختلفة، ونتمنى أن تكون مدخلا لهذه المكاشفة الشعبية. ومن المفيد الإشارة للحقيقة والتاريخ إلى أن غالبية المبادرات جاءت من المغرب أو تونس على الخصوص.
إن فض الخلاف الحدودي بين المغرب والجزائروعدم استكمال ترسيم مقرراتهتعثر بفعل عدم احترام بنود اتفاقية معاهدة حسن الجوار بين البلدين، حيث لم يكتف النظام الجزائري بدعم ميليشيات البوليساريو سياسيا بل وتسليحها وتوفير التأطير العسكري والسلاح انطلاقا من ترابه مع حشد الدعم الدولي في إطار ما يمكن أن نسميه “محسوبية إيديوسياسية” في تجاهل فهم بناء لمشكل الصحراء المغربية؛ حيث أن تغير مواقف الدول التي تحثها الجزائر على مساندة أطروحتها يتغير بتغير القوى الحاكمة في دول العالم الثالث. وأكثر من هذا قاد الجيش الجزائري فعليا هجومات بالوكالة على الجيش المغربي بل وأطرها أحيانا في عديد من المحطات. وتعتبر فصول حرب أمكَالا (1976) نقطة سوداء في الذاكرة الجزائرية-المغربية. ويتطلب الوقوف على تفاعلاتها المغاربية نقاشا لإبراء الذمم وجبر الأضرار، ذلك أن الدم المغاربي الذي أسيل حفر شرخا أمام ردود أفعال جزائرية غامرت بمصالح الشعوب المغاربية من أجل خدمة النظام العسكري في الجزائر وفرض قطبية أحادية، ناهيك عما خلفه الطرد التعسفي لمهاجرين مغاربة بل وتسليم عدد منهم إلى قيادات البوليساريو في محاولة لليِّ يد الدولة المغربية. فمبدأ “الاستفتاء لتقرير المصير” الذي اقتنع مختلف الفاعلين الدوليين بعدم قابلية إجرائه لأسباب قانونية وحقوقية وإجرائية (انظر تقارير مجلس الأمن) يتم استغلاله من طرف النظام الجزائري في محاولة هروب إلى الأمام؛ ذلك أن البوليساريو كحركة انفصالية ليست الممثل الشرعي والوحيد لما يعتبره النظام الجزائري شعبا، وهو ما أقرت به أحكام المحكمة الأوروبية، ناهيك عن حضور ممثلين عن مواطنين مغاربة من أصول صحراوية الموائد المستديرة التي عقدها الممثل الشخصي للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السيد هورست كولر، الرئيس السابق لألمانيابالإضافة إلىمشاركة ممثلين منتخبين للأقاليم الجنوبية للمغرب في عدد من الاجتماعات التي تتم ضمن هياكل منظمة الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية مع غياب مثير للتساؤل لممثلي الجمهورية الوهمية العضوة عنوة في الاتحاد الإفريقي. وكامتداد إضافي لهذا الأمر؛ هناك صحراويون آخرون يعتبرون أنفسهم مغاربة – كما يوضح ذلك السيد البشير الدخيل أحد مؤسسي البوليساريو والذي كانت له الجرأة لمراجعة مواقفه إلى جانب عدد كبير من المؤسسين والقيادات؛حيث انتقل إلى مجال البحث دفاعا عن قناعاته -عندما قال بأن هناك “الصحراويون، والبوليساريو التي ليس لها تمثيلية حصرية ومعترف بها”، ويشارك هؤلاء المغاربة الصحراويون – بمن فيهم مؤسسون للبوليساريو تراجعوا عن انخراطهم وعادوا إلى حضن وطنهم الأم – مشاركة كاملة إلى جانب إخوانهم المغاربة من مختلف المناطق في البناء الوطني للمغرب بما يضمنه الدستور المغربي للجميع من تعددية واحترام للاختلاف، ويتقاسمون معهم المسؤوليات. فلماذا لا تقبل الجزائر بإحصاء ساكنة مخيمات تندوف، وتعاملهم كلاجئين مع تمتيعهم بحرية التنقل والتعبير، وتعاملهم وفق القانون الجزائري في احترام للاتفاقيات الدولية ذات الشأن؟ لقد أصبحت مخيمات تندوف عبئا على مالية الشعب الجزائري كما جاهر بذلك المعارضونقيادات الحراك والمشاركون فيه.إن حكام الجزائر يوظفون مساندة البوليساريوفي نهب أموال الشعب الجزائري وفق تصريحات عدد من المعارضين المنفيين الجزائريين.
صحيح أن هناك اختلافات عقائدية بين النظامين المغربي والجزائري إلا أن النظام المغربي قام بمبادرات إصلاحية عميقة وتوافقية سواء على مستوى بنياته الداخلية وسياساته العمومية أو من حيث علاقاته الجيواستراتيجية متلافيا تعميم وتبني وتشجيع السلوكاتالعنيفة التي قد تصل إلى حدّ التهجم والتطاول على مؤسسات الدولة الجزائرية ورموزها.ولعل مقارنة بسيطة – على سبيل المثال – بين الإعلام الجزائري المهني والرسمي منه على الخصوص مع نظيره المغربي، تبين أن الخط التحريري للإعلام الجزائري مؤسس على تغذية الكراهية بين الشعبين، وتعميم الأخبار المفبركة سعيا إلى بناء رأي عام زائف لإعطاء صورة مغلوطة عن التفاف جماهيري حول النظام الجزائري، كما أن المسؤولين الجزائريين قاموا بنسب عدد من مشاكلهم الداخلية وكوارث حلت بالبلد الجار إلى المغرب دون تقديم حجج مقنعة في تجاوز مريع لكل الأعراف الديبلوماسية ودون محاولة فتح برامج تعاون لمواجهة إشكالات جديدة تهدد البلدين كالإرهاب بمختلف أشكاله وتجلياته، والأمن والسلم، والجريمة العابرة للحدود من قبيل المخدرات، والتهريب، والاتجار بالبشر … وبغَضّ النظر عن التهم التي توجهها الجزائر الرسمية والإعلامية للمغرب، فإن عددا من المعارضين الجزائريين والإعلام الجزائري يتحدثون عن تورط عدد من رؤوس النظام العسكري وأبنائهم في قضايا المخدرات (انظر ملفات أطنان الكوكايين التي أطاحت بعدد من الرؤوس وتم استعمالها في تصفية حساب دون أن يتم الإخبار بمصير المحجوزات)، ناهيك عن توقيف حرس الحدود المغاربة لتدفقات الأقراص المهلوسة من الجزائر. ولعل تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب ستنزع ورقة التوت عن ادعاءات النظام الجزائري. وبالنظر لهذه القضايا والتلاسُن حولها، نرى أن التنافس التنموي بين الدولتين مشروع غير أن التوافق حول تدبيره مغاربيا في الفضاءين الإفريقي والعربي مطلوب لكن دون إضرار بالمصالح الجزائرية-المغربية في إطار المصلحة المغاربية؛ إذ يجب أن يكون التنافس رافعة للتكامل والتدامج المغاربي خاصة في العلاقات المتوسطية، وفي التعامل مع التكتلات الإقليمية والدولية.
من خلال هذا العرض الموجز والمكثف لهذه المجموعة من العناصر الأولية على سبيل المثال لا الحصر، يمكنني القول بأن التاريخ لا ينتظر المغربأو الجزائر أمام “عالم متحوّل ومعقد” وفق ما كتبه الأخ لطرش. فالمفكر المغربي عبد الله العروييذكِّرنا في أحد استجواباته بأن “قدر المغرب أنه جزيرة مُطوَّقة … ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة”. ولهذا فإن المغرب ظل متشبثا بأفقه المغاربي رغم المحاولات الأخيرة لإقصائه من هذا الأفق (راجع رد المغرب بدبلوماسية على دعوات مجلس التعاون الخليجي في إطار ما عُرِف إعلاميا بتحالف الملكيات العربية)، وقد اختار كسر تعنت الجغرافية للدفاع عن مصالحه الحيوية دون “وضع حصاة في حذاء أي مكون من مكونات الفضاء المغاربي” أو التحالف مع أيه قوة ضد مصالح شعوب المنطقة. فالعلاقات المغربية الإسرائيلية لا يجب أن ينظر إليها كتهديد مغاربي لأنها علاقات سيادية، وتدخل ضمن حوار وطني حصريا، كما أنها غير معيبة مادام حل الدولتين معتمدا، وصون حقوق الشعب الفلسطيني معلنة من طرف المغرب، وأن توظيفها لتقريب وجهات النظر بين السلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل التي أعتبرها دولة احتلال شخصيا (راجع التصريح الأخير للرئيس الفلسطيني محمود عباس، واستقبال إسماعيل هنية بُعيد ترسيم العلاقات بين المغرب وإسرائيل). وهو ما يبين أن الفلسطينيين محتاجون إلى أفعال تساعدهم في الاستمتاع بحقوقهم على الأرض لا مواقف ونوايا وشعارات جوفاء، والعمل معهم لبناء حلول يتم الضغط بها على إسرائيل. كما أن للمغرب جالية يهودية وفلسطينية، وبغض النظر عن حجم كل منهما وعراقتهما، وهو ما تفتقده غالبية الدول العربية أو أنها قطعت أواصر التواصل مع جاليتها في خلط إديوسياسي بين اليهودي، والعبري، والإسرائيلي، والصهيوني …فإن المغربظل يتعامل مع جاليتيه اليهودية والفلسطينية (انظر ديباجة الدستور المغربي)ضمن حقوقهما المواطناتية كمغاربة إلى جانب مساعدتهالأطراف الدولية الفاعلة على بناء مواقف تيسر الانتقال نحو الحلول المتوافق حولها بين الإسرائيليين والفلسطينيين أساسا. وفي هذا السياق، لا ننسى أن استقدام إيران من طرف الجزائر إلى المنطقة كان قبل ما سماه الأخ لطرش “استقدام إسرائيل”، مع ما طرحه من تأزيم للعلاقات الجزائرية المغربية المأزومة أصلا إلى حد أن القطيعة أصبحت تتعفن يوما بعد يوم. إن هذا الاستقدام كان بالنسبة للمغربخيارا من بين خيارات أخرى لفك الطوق وتجاوز عائق المعاكسة الجزائرية للمغرب ليس فقط في استقدامه لإيران، ولكن أيضا في التصعيد إلى حد الهوس في قضية الصحراء المغربية، وفي طعنه المستمر لإمارة المؤمنينونظام الملكية التي ارتضاهما المغاربة كشرعية تاريخية ضاربة عمقها في التاريخ إلى جانب شرعية وطنية،والتي أصبح معها الانتقال الذي تعددت توصيفاته (انتقال توافقي/انتقال سياسي/انتقال ديموقراطي …) يبشر ببروز مشروعية مجتمعية قد تغير حتى ملامح الملكية ومكانتها في إطار استثمار للتاريخ المغربي الغني، وحفاظا على رمزيات لها عراقتها الحضارية في المغرب وتحظى باعتراف عالمي، وذلك نتيجة للإصلاحات المتواترة والحوارات الوطنية التي أطلقت منذ بداية العهد الجديد.لقد صدر فيقضية الصحراء رأي استشاري لمحكمة دولية وليس حكما كما يصرح بذلك النظام الجزائري (وفقهاء القانون الدولي يفهمون الفرق الشاسع بين التوصيفين)؛ حيث تم فيه التنصيص على أن الصحراء لم تكن أبدا أرضا خلاءً، وأن ساكنة الصحراء كانت لهم روابط بيعة للسلطان والولاء للمغرب عبر مؤسساتهم المعتمدة. وكمثال على ذلك تمكن الإشارة إلى حدث تجديد البيعة من طرف المرحومخطري ولد سيدي سعيد الجماني للمرحوم الملك محمد الخامس على إثر استقلال المغرب سنة 1956؛ حيث ترأس وفدا لممثلي قبائل الصحراء. وكذلك تقديم البيعة يوم 3 نونبر/تشرين الثاني1975 ثلاثة أيام فقط قبل عبور متطوعي المسيرة الخضراء الحدود الوهمية، وكان ذلك أمام المرحوم الملك الحسن الثاني وبحضور جمع غفير من المسؤولين الكبار والدبلوماسيين والصحفيين، تجاوز عددهم 500 شخصية جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، وكان ذلك بصفة السيد خطريرئيس الجماعة الصحراوية والتي كانت تعتبر برلمان الصحراء الذي أنشأته إسبانيا، وانتدبت من بين أعضائه 7 ممثلين عنه إلى الكورتيس الإسبانيCortes Generalesأي برلمان المملكة الإسبانية بغرفتيه، وكان على رأسهم المرحوم خطري؛ حيث كانت إسبانيا تتحايل من أجل ضم الصحراء أو إنشاء دويلة تابعة لها وبتنسيق خفي مع الجزائر – كما اتضح فيا بعد – وهو ما رفضته الجماعة الصحراوية التي تم حلها على إثر هذا الرفض قبيل مرض فرانكو. فتقاليد البيعة وطقوسها لازالت ممارسة في تقاليد المغرب بشكل مؤسسي إلى يومنا هذا كما هو الأمر في أعرق الدول بأشكال مختلفة. وبما أن قضية الصحراء المغربية ليست قضية نظام سياسي، وإنما هي قضية شعب بأكمله، فإن المغرب يعرف أن صاحب الحق عليه الدفاع عن حقه، لأن الحقوق لا تعطى وإنما تنتزع، كما يعلمنا التاريخ. لهذا انتقلت المملكة المغربية في إطار التحولات الدولية الراهنة إلى إسماع صوتهامعبرة عن عدم قبولها بالدوس على حقوقها المكتسبة بحجية التاريخ ومواثيق القانون الدولي والتعبيرات الشعبية الممأسَسة. كما أنه تبنى استراتيجية لا علاقة لها بمنطق “الخطة المضادة” وفي شفافية تامة لمواجهة كل معارضة لمصالحه في ضرب لقيم التعاون، وبنود الشراكات الموقَّع عليها من طرف الفرقاء، ودون احترام للأعراف الدولية وحسن الجوار.
في هذا السياق، أقول للأخ لطرش،أن توتر علاقات المغرب مع ألمانيا ليس بسبب موقف هذه الأخيرةمن قضية الصحراء المغربية أساسا، ولكن لتحركها بهدف نسف اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المغربية، وذلك سعيا لاستمرار استنزاف المغرب واستغلال وضع التشرذم في المنطقة المغاربية برمتها. وللتذكير، فإن مؤتمر برلين لسنة1885 والذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية لتقاسم القارة الإفريقيةبشكل رسميهو الذي صادق على منح اليد الطولى لإسبانياعلى أراضي الصحراء وفصلها عن المغرب. إلى جانب هذا، لم تحترم ألمانيا أعراف وتقاليد التعاون الأمني؛ ذلك أنها في ملف أحد الإرهابيين من أصل مغربي، لم ترفض فقط تسليمه وفق الإجراءات المعمول بها؛ حيث ما زال يروج لخطاب الكراهية وسفك الدماء والتكفير ضد المغرب دولة ومواطنين على اليوتوب، بل أكثر من هذا إنها أطلعته على معلومات تعتبر حساسة وفق التصريح الرسمي المغربي.وقد انضافت الأزمة الإسبانية المغربية إلى المشكل المغربي الألماني، والتي اعتبر فيها المغرب استقبال زعيم البوليساريو بهوية مزورة (بن بطوش) في تكالب مريب مع السلطات الجزائرية، ودون استشارة المغرب طعنةً في جوهر التعاون المغربي-الإسباني مع ما تلا ذلك منفسخ مؤقت لترتيبات تنظيم العبور فيما يعتبره المغرب رسميا مدينة محتلة. وحتى نضع القارئ في الصورة، فإن مدينتي سبتة ومليلية غير مشمولتين بقوانين الهجرة المتعلقة بتراب الاتحاد الأوروبي، ولا تخضعان لإجراءات مراقبة الحدود الأوروبية الرسمية لأنهما لا تعتبران ترابا أوروبيا بل إن قرار البرلمان الأوروبي عقب أحداث مدينة سبتة لا تترتب عليه أية آثار قانونية لأنه تعبير عن تضامن سياسي أكثر منه موقف قانوني. كما أنه لقي معارضة ولم يحظ بالإجماع؛ حيث رأت فيه بعض القوى الأوروبية تدخلا في صراع غير أوروبي، وأن تداعياته على العلاقات المغربية-الأوروبية غير محسوبة العواقب، وتفتح الأبواب أمام تعقيدات قد تضر بمصالح الاتحاد الأوروبي ككل في المستقبل. كما أنه علينا ألاّ ننسى أن المدينتان كانتا موضوع عدد من المفاوضات بين المغرب وإسبانيا في إطار لعبة شد الحبل؛ حيث سبق للمغرب أن قدم فيها اقتراحات تقوم على التراضي والتوافق صونا لحسن علاقات الجوار وللتاريخ المشترك. ولعل مؤسسة الثقافات الثلاثFundaciónTresCulturas التي تقوم بعمل جبار في الحوار الثقافي المغربي-الإسباني إلى جانب لجنة ابن رشد التي تنتظر صحوة الضمير السياسي الإسباني والتي اقترحها المرحوم الحسن الثاني إلى جانب أنشطة أخرى متفرقة لكن متواترة تعمل على إنضاج ظروف التوافق الممهد للوصول على سلام الشجعان.وفي هذا السياق، تعتبر أزمة دخول سبتة إشارة إلى أن المغرب ليس دركيا تحت الخدمة، وأن التعاون القائم بين البلدين كل لا يتجزأ. وتجدر الإشارة إلى أن الذين عبروا الحدود أغلبهم مغاربة، وهي رسالة إلى أن هؤلاء يتنقلون ضمن التراب المغربي. ويمكن اعتبارها تحذيرا لإسبانيا التي يبدو أنها فهمت الرسالة. واليوم، يعود الدفء للعلاقات المغربية الإسبانية، وسيتم الإعلان عن أسسها الجديدة عما قريب، غير أن العودة المذِلَّة لابن بطوش قبل إتمام فترة علاجه هروبا من العدالة الإسبانية والتي لازال ملفه مفتوحا أمامها، والذي لطخ رذاذه سمعة عدد من المسؤولين الإسبان عن هذه الأزمة التي لا زالت تداعياتها لم تتوقف رغم مغادرة أرانشاغونزاليسلايا منصبها كوزيرة للخارجية الإسبانية لسوء تدبيرها لملف ابن بطوش، ناهيك عن متابعة مسؤولين إسبان قضائيا لا زالت المساطر جارية ضدهم.بينما الأزمة الألمانية-المغربية لازالت موضوع تفاوض سري … وقد تنفرج سحابتها في القادم من الأيام.
وتنصيص الأستاذ لطرش على أنه “لم تستثن هذه المقاربة الجديدة للدبلوماسية المغربية الجارة الجزائر” صحيح بالنظر لما تمت إثارته أعلاه لكن دون خرق لقواعد السلوك الديبلوماسي من طرف المغرب. فتصريحات السفير المغربي في الأمم المتحدة، السيد عمر هلال، في اجتماع دول عدم الانحياز، يومي 13 و14 يوليو/ تموز، لم تكن دعوة صريحة وموقفا معلنامن “استقلال شعب القبائل” في الجزائر مثلما تقوم به الجزائر الرسمية في تحد سافر لأعراف العلاقات الأخوية والجوار حتى، وإنما تنبيه لشرود وزير خارجية الجزائر، السيد رمطانلعمامرة، عن جدول الأعمال إلى جانب تمادي الجزائر في انتهاكها لقدسية وحدة التراب المغربي أينما حلت وارتحلت، والشيء بشيء يذكر.كما أن تصريحات وزير خارجية إسرائيل في الدار البيضاء في 12 أغسطس/ آب الموجهة ضد الجزائر ليست ملزمة للمغرب، والقول بأن المغرب محرض عليها هو محض تخمين لأن ضربات الجزائر للمغرب تحت الحزام كثيرة ومتنوعة فلائحتها أطول من تصريح وزير الخارجية الجزائري الذي تلاه عند إعلانه عن قطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب وفي استغلال لأبسط المناسبات الداخلية والأجنبية التي قد تستضيفها الجزائر. وفي هذا السياق، لا ننسى التأييد والدعم الإيراني لخطوة قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب الجزائر مع المغرب، ناهيك عن التأطير العسكري الإيراني عن طريق أذرعها للبوليساريو بموافقة من الجزائر، بالإضافة إلى إدخال التشيع إلى منطقة سُنية ليس فقط كمذهب عقدي ضمن الإسلام، ولكن على الخصوص كتبعية إديوثقافيةلولاية الفقيه والتي أصبح لها لبوس سياسي. وأمامنا على سبيل المثال معاناة الأقلية الإباضية بغرداية (الجزائر) التي غطى فيها البعد العقدي والعرقي على المشاكل السوسيوسياسية لساكنة المنطقة. وقد تم توظيف هذا البعد من طرف القوى الحاكمة في تأليب للجزائريين على بعضهم البعض ضمن سياسة فرق تسد (حالة المغدور به جمال بن اسماعيل في أحداث الأربعاء ناث إيراثن).وقد صرّح غالبية المعارضين والمنفيين أن السلطة الحاكمة اختارتها كسياسة لتظل ماسكة بزمام السلطة. “فمن يلعب بالنار لا بد أن يصاب بلهيبها” كما يقول المثل. زد على ذلك، في السياسية لا عدو دائم ولا صديق دائم بالنسبة للدول، لكن ما يحركها منطق المصالح، غير أن المصالح الضيقة والتي لا تترك أمام صاحبها خيارات تساعد على استدامة العلاقات أو تجديدها مضرة للكل بما فيها الجوار. وهذا ما تمادت فيه الجزائر الرسمية. فقد تعمد النظام الجزائري ضرب المصالح المغربية دون تروٍّ مستعملا في ذلك حتى المواطنين مغاربة وجزائريين سواء كأدوات أو كأهداف للضغط على الدولة المغربية إلاّ أنه لم يسجَّل على المغرب أي معاملة بالمثل مع ذلك، بل إن المغرب نأى بنفسه دولة وحكومة وإعلاما حتى عن التعامل مع الحراك وتطوراته والحديث عنه حمايةً للحراك نفسه من اتهامه بأن النظام المغربي يدعمه أو أنه صنيعة “المخزن المغربي” كما حدث في الربيع الأمازيغي أو الربيع الأسود (1980). كما أنه لم يتم التعامل مع المعارضة سواء في المنفى أو في الداخل في احترام تام للشأن الداخلي الجزائري. ورغم ذلك أعلن النظام في تصريحات تفتقد إلى أي حس مسؤول عن اتهام المغرب بالتخابر مع كل من منظمتي رشاد التي يتواجد غالبية أعضائها بالمملكة المتحدة، والحركة من أجل الحكم الذاتي للقبائل التي يوجد هي أيضا جل أعضائها بل وقيادتها بفرنسا.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن المغرب اختار منذ استقلاله مبدأ التفاوض على حقوقه واللجوء إلى المساطر القانونية وإعمال المسارات الدبلوماسية والتدرج في توطيد وحدته الترابية لأنه لم يكن مستعمَرا من طرف قوة واحدة، كما أن استعماره يختلف عن استعمار عدد من الأقطار. لقد خضع المغرب بعد مفاوضات الجزيرة الخضراء للحماية الفرنسية مع الاعتراف بأن السلطان المغربي ممثلا شرعيا للدولة المغربية. وهكذا بسطت فرنسا نفوذها على جزء كبير من التراب المغربي، أما المنطقة الشمالية المتاخمة لمدينتي سبتة ومليلية فكانت منطقة نفوذ إسباني، بينما منطقة البوغاز مع طنجة فكانت منطقة دولية. وهذين المنطقتين الأخيرتين كانتا تحت إدارة خليفة السلطان الذي يختاره ويعينه السلطان. أما الساقية الحمراء ووادي الذهب مع ثغري طرفاية وطانطان فكانت كلها تحت الاحتلال الإسباني. وكانت فرنسا ممثلا لهذا المغرب في العلاقات الدولية. وفي إطار هذا التدرج الذي استنه المغرب لنفسه، شرع منذ 1956 في توطيد وحدته الترابية عبر الوسائل السلمية ومفاوضات ضمن أطر منظمة الأمم المتحدة. ورغم وعي النظام الحاكم في الجزائر بهذا التاريخ، فإنه لم يتوانى في تحريض لأبواقه (ما تسميه المعارضة الجزائرية “صحافة بودورو” أي الصحافة المأجورة) على الحديث عن مشاريع خطوط بحرية وتنظيم رحلات سياحية بين الجزائر والثغرين المحتلين (سبتة ومليلية) نكاية في المغرب، وتأجيجا للأزمة الإسبانية-المغربية. وهنا أشير أنه لا دخان بدون نار.
وعن فضيحة التجسس التي ساقها الأستاذ عبد القادر لطرشحول استخدام برنامج بيغاسوسPegasus الإسرائيلي منذ 2017، وبالنظر لتاريخ كتابة مقالته، فإنه لم تتم الإشارة إلى أن المغرب لم ينف التهمة عن نفسهفقط بل إنه رفع دعاوى على مروجي هذه الأكاذيب أمام المحاكم الألمانية والفرنسية مطالبا الهيئات التي كانت وراء هذه التلفيقات أن تدلي بما يفيد تورطه في هذا الأمر، ومستعملا في ذلك حقه في المتابعات القانونية لكل من سوّلت له نفسه تلويث سمعة المغرب، كما صرح بذلك عدد من المسؤولين المغاربة. ومن المفارقات، ها هي الصحافة الألمانية تصرح بتاريخ 7 شتنبر/أيلول 2012 أن الشرطة الفيدرالية الألمانية اشترت البرنامج إياه، وهي التي لم تكن ضمن قائمة الدول التي قيل إنها حصلت على هذه الخدمة. إن ما هو مؤكد يحتاج إلى إثبات، هذا ما يعلمنا إياه البحث العلمي والمنطق السليم، وما تحثنا عليه قيم واجب الذاكرة ومقتضياتها دون لوك للأحداث والوقائع أو اللجوء لعبارات فضفاضة ومبهمة لا تقدم معلومات للقارئ بما يساعده على بناء رأي يكون فيه الاقتناع داخليا ونابعا من الفهم.
وأنبه الأخ لطرش أن إسرائيل ليست عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأفريقي بل هي عضو ملاحظ تم اعتماد عضويتها في 22 يوليوز/تموز 2021 من طرف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وهذا من صلاحياته واختصاصاته. كما أن إسرائيل سبق وأن كانت عضوا ملاحظا أيام منظمة الوحدة الإفريقية التي انسحب منها المغرب على إثر إقحام ما يسمى “الجمهورية الديموقراطية العربية الصحراوية” في ضرب لكل القوانين والأعراف التي قامت من أجلها هذه المنظمة التي أصبحت تحمل اسم الاتحاد الإفريقي منذ سنة2002 والتي كان للجزائر يد باعتراف دبلوماسيين مغاربيين وغيرهم، وتربطها علاقات مع 46 دولة في إفريقيا. فالمغرب لم يعبر عن موقفه من هذا الموضوع مثل غالبية الأعضاء والذين انبرت من بينهم دول عربية على رأسها الجزائر، وهي :مصر وليبيا وتونس وموريتانيا وجزر القمر وجيبوتي؛ محتجة في رسالة موجهة لرئيس المفوضية موسى فكي محمد. إنه تبرير للجوء الجزائر لقطع علاقاتها مع المغرب إلى جانب شيطنته في محاولة لقطع الطريق أمام الطرد المنتظر لهذا الكيان المزروع في الاتحاد الإفريقي.
وفي إطار المساندة الفلسطينية، أرجو أن ينورنا النظام الجزائري الحاكم عما قدمه عمليا وميدانيا للفلسطينيين في محنتهم، وكيف تمت ترجمت شعار حكام الجزائر “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” ميدانيا حتى ندعمه ونسانده؟ وذلك اقتداء بما قاله محمود درويش، والذي لا زال صداه يترددفي أذني، وأعمل به : “لا نريد أن نكون أبطالًا أكثر، لا نريد أن نكون ضحايا أكثر، لا نريد أكثر من أن نكون بشراً عاديين”. وأشير هنا – على سبيل المثال لا الحصر – إلى أن الجزائر احتضنت انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني سنة 1987 غير أنها استغلته بإقحام حضور زعيم البوليساريو عبد العزيز المراكشي (سمي كذلك لأن والده المرحوم الشيخ البشير محمد الركيبيعضو جيش التحرير الوطني المغربي ومتقاعدا عسكريا عاش في المغرب نواحي مراكش ومات ودفن بها) عبر الضغط على المرحوم ياسر عرفات كما صرحت بذلك قيادات فلسطينية؛ حيث ألقى خطابا، وهو ما أشعل أزمة مغربية فلسطينية، حاولت أن تستثمرها الجزائر غير أن وسطاء عرب على رأسهم المرحوم خالد الحسن الذي كان حلقة الوصل بين المغرب ومنظمة التحرير الفلسطينية لما كان له من حظوة لدى الملك الحسن الثاني استطاع رأب الصدع وعودة العلاقات المغربية-الفلسطينية إلى مجاريها.
أشاطر الأستاذ لطرش الرأي، على أنه”بدلا من السعي وراء تحالفات مع البعيد [بالنسبة للجزائر التي كانت المبادِرة، والمغرب الذي كان متريثا إلى حد اليأس]، أن تعزّز قواعد العمل المشترك في كل المجالات مع القريب [الفاعل والمدرك لعواقب الأمور]، أي أن تعزز قواعد الدبلوماسية المرنة والمتوازنة وضبط النفس. ولا عيب في مراجعة الخيارات الحالية، إذا كان ذلك يخدم العلاقات المشتركة بين الدول المغاربية”، وهو رأي حكيم طالما أعلنته أعلى سلطة في المغرب وعلى الملإ في خطابات رسمية، لكن لا حياة لمن تنادي.
وأنا أنهي مقالتي، يصلني خبر إعلان وزير خارجية الجزائر عن رفض أية وساطة لعودة العلاقات مع المغرب، فأستقصي الأخبار من مصادرها فأجد ضالتي على موقع جريدة الشروق الجزائرية التي أوردت على موقعها الإلكتروني بتاريخ 10 شتنبر/أيلول خبرا تحت عنوان “لعمامرة: قرار قطع العلاقات مع المغرب غير قابل للنقاش ولا رجعة فيه”، والذي أقتطف منه للقراء ما يلي :
أكد لعمامرة على هامش أشغال اجتماع وزراء الخارجية العرب المنعقد بجامعة الدول العربية بالقاهرةفي إطار لقاءاته التشاورية التي سبقت الاجتماع الرسمي لوزراء خارجية العرب “على أن موضوع قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب لا ولن يندرج ضمن جدول عمال الاجتماع الوزاري، وأن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية ليس قابلا للنقاش أو التداول باعتباره قرارا سياديا ونهائيا مؤسسا لا رجعة فيه”. وشدد “على أن التفكير في أي مبادرة مهما كان طبيعتها تعتبر اختزالية وسطحية لا تعي بل تتجاهل المسؤولية التامة للمغرب في التدهور المزمن للعلاقات الثنائية وتحجب مدى الضرر السياسي والمعنوي الناجم عن الوقائع والآثام التي تؤيدها الأوساط المغربية”، مشيرا إلىأن استضافة الجزائر للقمة العربية حق وواجب. حق عملا بالأحكام المنصوص عليها في ميثاق الجامعة ولوائحها الداخلية والممارسات السابقة ذات العلاقة بمشاركة الدول الاعضاء، وواجب لأن الجزائر لن تتخلى على مسؤوليتها للتجاوب مع الطموحات المشروعة للشعوب العربية التي تعتبر الجزائر تحت قيادة الرئيس تبون مصدر إلهام لترميم وتعزيز التضامن وتفعيل العمل العربي المشترك لا سيما في ظل الأوضاع الجهوية والدولية الراهنة”.
ونحن اليوم أمام تصعيد جديد يتعلق بإغلاق المجال الجوي الجزائري أما الطيران المغربي بشقيه المدني والعسكري بل وكل طائرة تحمل رقم تسجيل مغربي … فما عسى أن يفعله المغرب أمام العناد والتعنت وديكتاتورية الجغرافيا … لننتظر الانتقال الديموغرافي لعله يجود بخشبة النجاة للحلم المغاربي … وإننا نكن كل الود والاحترام للشعب الجزائري الذي تربطنا به أواصر نادرة في عالمنا العربي وحتى المغاربي، وندعو له بتقرير المصير وحسن العاقبة …
واضح من التصريح الوارد أعلاه أن النظام الجزائري الحاكم ضرب بعرض الحائط كل الأعراف الديبلوماسيةمتعاليا على وساطات عربية تسعى لوحدة الصف في مواجهة تحديات ورهانات صعبة. ويترأى لنا من هذا الموقفومن بين ثنايا صياغته دفع المغرب لعدم حضور هذا المؤتمر العربي الذي تستضيفه الجزائر، وأتنبأ جازما أن قيادتنا الحكيمة لن تفعل، لأنها لم تعد تؤمن بسياسة الكرسي الفارغ الذي يترك أمام حكام الجزائر فرص القيام بمزيد من “الحرائق الديبلوماسية” وفق قول الأستاذ لطرش. وهذا يذكرنا بالتخرصات الإعلامية الرسمية الجزائرية التي واكبت استضافة المغرب بالملعب الكبير بمراكش لمقابلة بوركينا فاسو ضدالجزائر يوم اليوم الثلاثاء 7 شتنبر/أيلول الجاري وفق قوانين كل من الاتحاد الأفريقي لكرة القدم والفيفا باعتبارهما الهيئتان المشرفتان على المقابلة وفق اختيار بوركينا فاسو لاستقبال الفريق الوطني الجزائري بهذا الملعب. إنه النظام العسكري الحاكم وأبواقه التي نميزها عن الشعب الجزائري الشقيق. ولا بد من التنبيه بين الفرق في المعارضتين المغربية والجزائرية في البلدين، إننا لا نعارض المؤسسة الملكية باعتبارها الضامنة للوحدة والسيادة المغربيتين، ولكنه حوار مفتوح حول مكانتها في النسق السياسي المغربي، وحول المزيد من الحريات، ونوعية السياسات العمومية من أجل مزيد من الديموقراطية التشاركية، والتوزيع العادل للثروة، والعدالة الاجتماعية. والانتخابات المغربية الأخير أبانت عن الانخراط الجماعي والمشاركة الواعية. إن المغرب ليس جنة كاملة الأركان، لكنه بلد ومجتمع ينعم بالأمن والاستقرار، وتنجز فيه مشاريع رائدة قاريا ودوليا … هناك مكاسب نطمح إلى المزيد من استثمارها وإغنائها وتوسيع الاستمتاع بفوائدها، وهناك أيضا عوائق نعمل بشكل جماعي على تجاوزها بما يوفره لنا الدستور المغربي من آفاق رحبة قابلة للتطوير. لقد استفاد المغرب من كوارث ما يسمى “الربيع العربي” الذي تم نزع فتيله بالإعلان عن مراجعة دستورية كانت موقفا سياسيا سجله التاريخ لقادة الشعوب، وتجربة لا زلنا كمواطنين منهمكين في تحويل مكاسبها السياسية إلى مكاسب اجتماعية واقتصادية. إننا شعب لا يزايد على أحد في المواقف، لكنهيؤمن بالمنجزات، والثقة في المؤسسات المغربية، ويطمح إلى تكتلات جهوية توسع من مساحات الأمل المشترك في المستقبل الذي يجب العمل بجد وتفان لتحقيقه.
وخلاصة القول، إن النظام العسكري الحاكم في الجزائر اختار منذ الاستقلال فرض قطبية أحادية على المغرب في استثمار لموروثه الاستعماري الذي كان من الممكن استعماله قاطرة لبناء الفضاء المغاربي في احترام للتعدديات والأقليات على مختلف مستوياتها وفي تنوع تمظهراتها محترما اختيارات شعوب هذه الأقطار بعيدا عن توظيفها في كسر كل معارضة لقطبيته الأحادية المنشودة وبما يقويها ويفرضها. لقد ولى زمن شعارات الحرب الباردة، وجاء زمن البناء الوطني الفعليضمن تكتلات إقليمية تضمن العيش الكريم لمواطنيها وفق حقوقهم الإنسانيةفي احترام لخصوصيات كل قطر واختياراته. ولنا في سيرورة بناء الاتحاد الأوروبي خير مثال. كما أن درس ثورات وحروب دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي يجب استحضاره في هذا البناء المغاربي. كما أن مجريات الأحداث الداخلية للجزائر وفق ما يصرح به المعارضون تتطلب يقظة مغاربية لأن ما تعيشه الجزائر شعبا ودولة بفعل مخاطر صرعات أجنحة النظام العسكري الحاكم يعني كل جوارها لصون ما يمكن صونه، فلا فضاء مغاربي دون أقطاره الخمسة القوية ليس ضد بعضها البعض، ولكن في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
كما أن مطلب”إطفاء نيران الدبلوماسية الهجومية[…] يمكن أن يفتح أمام البلدان عهداً جديداً في علاقاتهما خالياً من التوترات والتهديدات والأزمات المتكرّرة، لأن التحدّيات التنموية والأمنية والبيئية المشتركة لن يتم التغلب عليها بالتحالفات البعيدة أو الحلول المحلية، بل فقط بمقاربة جهوية وإقليمية” كما يقول الأخ عبد القادر لطرش. وهذا إن كان ضروريا فإنه غير كاف؛ إذ على مكونات هذا الفضاءأن تعمل على طمأنة كل مكوناتها على مصيرها ضمن هذا المشترك بما يجعلها تقتنع بأهمية الحلول المحلية عن التحالفات البعيدة وسياسة المحاور. كما أن التخلي عن عقليات القطبية الأحادية وعمليات التطويق من هذا الطرف أو ذاك كفيل بإعادة الثقة في الحلم المغاربي وبجدواه كمشروع قابل للإنجاز ضمن جوار متكامل في تنافسية تقوم على التضامن المغاربي.
وبما أني اعتمدت مبدأ واجب الذاكرة الذي تطرقت فيه لبعض القضايا دون لف أو دوران، وفي احترام لطرف الحوار الذي لم يكن بالضرورة قد كتب المقالة لفتح حوار، غير أن إرسالها إليّ كجواب على إرساليات سابقة مني إليه عبر الواتساب، وشاكرا له صنيعه، وداعيا مثقفينا وباحثينا من إخوة جزائريين ومغاربة أولا، ومغاربين وآخرين غيرهم إلى هذا الحوار الذي أريده مفتوحا وشفاف فيما بيننا باعتبارنا كأحد وسائل إنجاز حلمنا المغاربي المهدور وأول المستفيدين منه. أجد نفسي راغبا في اختتام مقالتي بهذا الاقتباس منالأنثربولوجيمارك أوجيMarc Augé “إن واجب الذاكرة هو الذي يحدثنا عن الماضي”. ذلك أن الحاضر ليس فقط مرحلة للانتقال بين إرث للماضي وتوقّع لمستقبل سواء ضمن التقدم أو غير ذلك فهذه الخطية التبسيطية والاستمرارية اهتزت أمام ظلامية المستقبل بما أصبح يبرز في الأفق من تحديات في مواجهة للمجهول والمفاجئ . هل نقول مع مظفر النواب : “كوني عاقرا […] فهذا الحمل مخيف”؟ لا نتمنى ذلك، ولن يكون الأمر كذلك بإرادة مغاربة وجزائريين نساء ورجالا عقلاء ومع كل المغاربياتوالمغاربيين.




