ثقافة وفن

همسة وصل

العزلة ... الداء الذي يختبئ خلف الداء

ياسمين فلاحي

الانسان بطبعه اجتماعي و بفطرته مائل للآخرين و بشخصيته فضولي في ما يخص غيره و ما يحيطهم من خصائص، فتجده يسعى لمعرفتهم من كل الزوايا، ما يحبون و ما يكرهون، ما يروق لهم و ما لا يستحملونه، ما يسعدهم و ما يحزنهم و في أحيان كثيرة يتعمق في ذلك أكثر مما ينبغي و ذلك حسب مكانة ذلك الآخر و مدى قرابته و أهميته عند الانسان فقد يصل به الأمر للتوغل في حيثيات حياتهم، أكلهم و نومهم و هواياتهم و ملامحهم، و دون شعور منه يصير نسخة عنهم إذا ما تجاوز الأمر مجرد فضول، فيصبح هدفه الأسمى أن يتشبع بأفكارهم و مواصفاتهم، و يتجرد عن شخصيته و مميزاته، بل و يصبح كالغريب على ذاته نفسها، و يتوغل في الأمر حتى يقع في الحيرة و التبعية التي لا تحمل بين طياتها ذرة تفكير أو بحث، فالإعجاب الأولي يضحي إدمانا، و الطبع الاجتماعي يغدو تفكير القطيع لا غير، و الميلان للآخرين يصبح سقوطا في هاوية الفراغ و الشك، أما الفضول و السعي في فهمهم يصير مهمة لا غنى له عنها، فلا هو قادر على اشباع فضوله و لا هو يستطيع التوقف عند حد ما.

“ما أن تفقد القدرة على الحد من فضولك لفهم الآخرين ستفقد نفسك أيضا”

و الانسان بعد خبرة طويلة من فهمه للأخرين و فضوله الذي لا ينضب ، يصل أخيرا لقناعة تكشف له المستور و تفضح تلك الافكار المسيطرة عليه ، فيتراجع خطوة و يسأل بينه و بين نفسه أسئلة من قبيل  “هل فعلا أنا أحب اللون الأحمر ؟ هل هو المفضل لدي؟ في الحقيقة كنت أميل للون الأخضر أكثر ، هل احلم أنا ايضا بالحصول على سيارة ضخمة؟ ليست هدفا أسعى إليه ، إنها مجرد وسيلة نقل!!، هل حقا أرمي إلى امتلاك مشروع يغنيني عن الوظيفة العمومية؟ أنا مرتاح في عملي هذا، أ أنا محب للكتب و القهوة؟ القراءة مفيدة لكنها غير مقترنة بسائل ما !! هل أعشق الأحصنة ؟ الحصان حيوان جميل لكني لا أشعر بشيء مميز حينما أراه ! هل أجد راحتي في سماع الموسيقى الكلاسيكية؟ أحيانا أجد السعادة في الاستماع للأغاني الصاخبة!”

كل هذه التساؤلات ما هي إلا نتاج التفكير المديد مع الذات التي و أخيرا تجردت عن رغبات الآخرين و ميولاتهم و انزاحت عن هواياتهم و أفكارهم و تشبعت بوحدانيتها و تميزها.

انتهت المرحلة الأولى و ها هو يرحل عن أرض التبعية ليستقر بذاته ، هو و هي، وحدهما في عالم فارغ سيملؤه بما يحب و ما يستشعر قرابته لنفسه، إنها العزلة إذن.

كثيرا ما تصادفنا أراء الناس عن العزلة و الوحدة، آراء سلبية مفعمة بالمشاعر التعيسة الأقرب للاكتئاب و الحزن بل و يرونها الباب الموصل للأمراض النفسية جمعاء، يعتبرونها الداء الذي يجعلك وحيدا، مفتقدا لأبسط طرق التواصل و الانفتاح و بعيدا عن القمة و النجاح، متغاضين عن ما توفره من مساحة لتعرف الانسان على ذاته حق المعرفة.

فإن كانت الوحدة الرداءَ الذي يخفيك عن المجتمع و يعرضك للتعاسة فتصبح داءً يتربص بك فإنها في خضم تلك التراكمات دواء يخلق صداقة بينك و بين نفسك و يجعلها الأقرب إليك،

و بعد حين، تستطيع العودة إلى المجتمع ما دام عاجزا عن السيطرة عليك و فرض تبعيته على تميزك.

“الوحدة أفضل من أن تعيش عكس نفسك لإرضاء غيرك”

الوسطية و الاعتدال مبدآن يكملان بعضهما البعض، و يشكلان الطريق المستقيم التي ما أن تحيد عنها حتى تسقط في المبالغة و الزيف، في الافراط و التفريط، لذا استمتع بعزلتك و كن اجتماعيا بالقدر الذي لا يجعلك تستغني عن نفسك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق