
ابتسام الهاشمي*
لطالما استوقفتني الكتابات النسائية، بمختلف صنوفها، بحثا عن إجابة شافية لسؤال: لماذا تكتب المرأة، ولمن تكتب؟
أستحضر في هذا السياق ، تعبير الكاتبة “سيلفيا بلاث”: “أنا أكتب لأن بداخلي صوتا لا يصمت”.. إنها إجابة مؤقتة تتفرع بدوها لأكثر من سؤال:
– هل الكتابة متنفس للإفصاح عن هواجس ودواخل النفس؟
– إلى أي حد استطاعت المرأة المغربية تحرير صوتها عبر فعل الكتابة؟
يبدو أن محاولة الإجابة عن السؤال السابق وما يمكن أن يتشعب منه، يتطلب فهم فهم علاقة المرأة بالكتابة، حيث لا تنظر لها بوصفها فنا تعبيريا فحسب، بل بوصفها خلاصا أخيرا أيضا، فلجوء المرأة إلى الكتابة –خاصة إلى الرواية- يعكس رغبتها القوية في إثبات ذاتها خارج الجسد، و الانعتاق من الوعي الجاهز وقيود المجتمع والمصير، وقد استطاعت –بالفعل- أن تضمن لنصها حضورا أساسيا في المشهد السردي المعاصر.
على هذا الأساس؛ تشعبت قضايا الكتابة الروائية النسائية المغربية لتشكل لوحة فسيفسائية تبرز كل قطعة منها مشهدا من مشاهد العالم المتخيل بمنظور الأنثى الفاعلة، والمؤثرة، والقادرة على البوح بالمسكوت عنه.
هذا الحضور الأنثوي في الرواية المغربية تحديدا، وفي الرواية العربية عموما، أكد باستمرار على تحول كبير في صياغة الذات وفي بناء الواقع الذي أعادت المرأة الكاتبة تشكيله في نص يحمل بين طياته أصداء الوعي الجريح.
من الجميل أن نستحضر هذه النصوص الإبداعية ليس لرفع شعارات التهليل بحقوق النساء وواجباتهن، كما جرت العادة ، بل لتأمل حضورهن في عالم السرد وكتابة التاريخ وتجديد الأفكار، فالتاريخ يشهد للنساء على قدراتهن على فرض خطابهن، والتنقيب عن دورهن فيه.
نتوقف في هذا السياق عند تجربة الروائية المغربية لطيفة حليم، في نصها “دنيا جات”، الصادر عام 2007، ضمن منشورات زاوية للفن والثقافة، الرباط.
نتأمل في “دنيا جات” الحضور الثقافي للمرأة المغربية ودورها الأساس في الحياة اليومية، والاجتماعية، والسياسية، مع أنها لم تعامل المعاملة نفسها في محطات التاريخ، هنا وهناك، ولم يكن لها الوضع الاجتماعي نفسه مقارنه بالرجل، بل عرفت أنماطا متباينة من الحياة الثقافية ، وتعرضت لصنوف من المعاملات، ومع ذلك ظلت المرأة، الزوجة ، والأم، والأخت، والبنت، والقريبة، المرأة التي لا حياة قبلها، ولا بعدها، فكانت بذلك تاريخا يمشي بيننا، وكان ماضيها وحاضرها ثقافة يستحيل تجاهلها.
نعيش في الرواية مع الكلمات والعبارات وهي تعلن عن رصيد من الأنساق الثقافية، تتحول عبر السرد إلى فسيفساء رواية تترجم لغة خطابية قوية، تمظهرت في لغة المرأة المتنقلة من طقوس الحكي و السرد الليلي (ص:66) إلى روعة الإبداع و التأليف النهاري، من السكون إلى الحركة، من الخمول إلى التأمل، من الحياة التقليدية الروتينية إلى البحث عن سبل للانعتاق ، من السكينة المؤقتة إلى القلق الفكري المتوقد.
تقول الساردة على لسان فدوى وهي تحكي حكايات من أجمل الحكايات التي حكتها جدتها “حكاية صمت بنت السلطان” “جدتي تهوى حكايات ألف ليلة وليلة ماهي بقارئة، لم تقرأ مورفولوجيا بروب ولا موباصا كريماس، ولا المعاجم اللغوية. لكن كانت تحكي حكايات ألف ليلة وليلة. يلذ لها الحكي، وتختفي أثناء حكيها كل أسلحة الدمار الشامل، ويوظف حاملو الشهادات، ويسقط الدم، ويتزوج الرجل الفقير بنت السلطان”.
امرأة تتأمل كل ما يحيط بها و تتفاعل معه، لتبلغ أعلى درجات الوعي الذي تتحصن به فيكسبها قدرة على القول، الفعل، الكتابة، والإبداع. اكتسحت أغلب الميادين، أنتجت، فغيرت، فخلقت أنماطا فنية جديدة من الكتابة و التعبير، و تعرضت بالنقد والمساءلة إلى مواضيع لم يسبق لها الخوض في غمارها و لا حتى التفكير فيها.
أما صورة المرأة التقليدية التي تعيش بين جدران مطبخها، تحضر منوعات المأدبة المغربية التقليدية، كحال لالة فضول، تبدأ يومها بتحضير “مليويات الخليع”(ص:9)، في محاولات لإرضاء الزوج السيد العباس ونيل رضاه… والحظي بلقب “المرأة طيبة المعشر”. إلى جانب كون الطبخ والتطريز ملجأها الوحيد، كما هو ملجؤُ أرقام لا تحصى من النساء التقليديات للتعبير عن هواجسهن، هو أيضا صورة لهن، وإن كانت صورة كاذبة؛ كما اعتبرها لسان الساردة وهو يقول: “إن الرسومات المطرزة كاذبة مثل التاريخ، ومثل محاكمة صدام ، لكن الكذب يعكس بعض الجوانب من الحقيقة التي تشاكل أشكال الفن العربي الأصيل، الذي تمتزج فيه نضارة الجمال بدقة الحساب ومنطق التكامل. تتقاطع الخطوط وتتماثل في اطراد بديع وتعاكس مدهش لتخفي عنا حقيقة التاريخ”.
نعيش في النص مع إبداعات نساء كثيرات، تحاول الرواية تحميسهن على تغيير النمطي والمألوف انطلاقا من موقعهن الاجتماعي والثقافي، نجد في النص تسليطا مباشرا على واقع العديد من النساء العربيات بشكل عام، والمغربيات بشكل خاص، وحتى لا أطيل، يكفي القول، إن رواية “دنيا جات” عبارة عن وصايا امرأة لنفسها ومثيلاتها، لم تكن محض وصايا سردية عابرة… إنما هي وصايا ثقافية عابرة للزمان والمكان، محققة للشموخ النسوي ومراجعة لأشكال حضوره.
مشوار طويل لدنيا التي ستجيئ و تجيء معها الحياة.. والجرأة.. والقوة.. والدلالة.. والإبداع.. والإنتاج الغزير.. والإصرار.. أيضا على الضرب بيد من حديد في أعمدة الطابوهات الجامدة لعقود.
من خلال ما تقدم نجد؛ الكاتبة تخلق نصا متعددا بأسلوب سلس، وعميق، يدفع القارئ إلى التمعن في أنساق ثقافية جديدة باتت جزءا من الحياة الثقافية للمرأة المغربية، مما يجعل الرواية تنفتح على تأويلات متباينة، يمكن اعتبارها وثيقة اجتماعية، وتحولا ثقافيا، ومرآة لأنفسنا أيضا، عبر شخوص الرواية، وأحداثها، وحواراتها، وأبعادها، تكسر أفق انتظار القارئ في تناص رمزي مع مآزق المجتمع المعاصر، هنا تبدو بجلاء حنكة المرأة الكاتبة في التعبير عن آلام الإنسان انطلاقا من ذاتها وكينونتها، ولعل هذا ما يجعل من سرد المؤنث، سردا غنيا بالأسئلة وموغلا في التأويل يتخطى حدود الكتابة النسائية ولغاتها إلى كتابة الكتابة النسائية.
إنهن نساء في مجالات مختلفة، أثبتن حنكتهن في كسر قيود الحياة، عكسن رغبتهن القوية في إثبات ذاتهن خارج الجسد، وفي الانعتاق من الوعي الجاهز وقيود المجتمع والمصير. والقول بهذا المعنى، يجعل من الخطاب الروائي النسائي، من خلال تجربة الكاتبة، خطابا، تاريخيا، اجتماعيا، ثقافيا منظما، ومتغيرا، ومختلفا، باختلاف وضعيات التواصل وسياقات التعامل.
*باحثة في الثقافة المغربية




