سياسة

النقل المستدام والآمن

"المغرب ملتزم بتنزيل خارطة الطريق حول التنقل المستدام"

محمد بنعبو

إذا كان قطاع الطاقة تنبعث منه حوالي ثلاثين في المائة من الغازات الدفيئة عبر دول المعمور وهو الذي يستخدم الوقود الاحفوري من بترول وغاز وفحم حجري لإنتاج الطاقة الكهربائية وبالتالي يعتبره الخبراء  القطاع الأول عالميا المسؤول عن تلويث الهواء، فإن قطاع النقل يبقى مسؤولا كذلك عن خمس كمية الغازات الدفيئة التي يرمى بها في الغلاف الجوي، في حين يمثل قطاع النقل التجاري لوحده نصف الملوثات التي يلقي بها قطاع النقل لوحده، وللتخفيف من هذه الكلفة الكربونية العالية الخطورة وبالرغم من كون المغرب ليس من الدول الأكثر تلويثا مقارنة مع الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والصين والهند، وبالرغم من كل ذلك كان قد  سبق للمغرب أن قدم مسودة خارطة الطريق حول التنقل المستدام بالمغرب خلال مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية ببون في دورتها الثالثة والعشرون، ويندرج مشروع خارطة الطريق في إطار التزام المغرب، خلال ترؤسه لمؤتمر مراكش للمناخ من أجل تشجيع بلدان أخرى على أن تحذو حذوه في ما يتعلق بالتكيف، على المستويين الإقليمي والوطني، وذلك استنادا للخريطة الشمولية لتطوير النقل التي طورتها المنصة الدولية “مسلسل باريس للتنقل والمناخ” مشروع يأتي استجابة لارتفاع التنقلات المتزايدة باستمرار، وتحسين نجاعة حركة الأشخاص والبضائع والخفض من تأثيرها على البيئة، كما يتوخى المشروع الممول من طرف الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، بشراكة مع شركة الاستثمارات الطاقية، وضع أداة لخلق رؤية مشتركة للتنقل المستدام وتيسير الولوج إلى التمويلات، وذلك على أساس استراتيجيات نقل مستدامة ومتسقة لدى المانحين الدوليين والمستثمرين من القطاع الخاص، وتمت بلورة هذا المشروع الذي يتضمن ثمانية محاور للتدخل، بتكامل مع الاستراتيجيات والمخططات التي تم وضعها، ولاسيما تلك المتعلقة بقطاع اللوجستيك وإعداد المدن والطاقة والتنمية المستدامة، مع الحرص على أن تكون طموحة على صعيد التكيف والتخفيف واستباق تطور حاجيات النقل في عالم متصل ومتحرك وإدخال تكنولوجيات حديثة وطرق الحكامة، وتجدر الإشارة الى أن المغرب لديه استراتيجية لتطوير الطاقات المتجددة في أفق 2030 والتي يمكن أن يستفيد منها في مجال النقل وبالتالي تقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية، بالإضافة إلى أن مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة كانت قد أطلقت مشاريع عديدة بهدف تعزيز التنقل المستدام منها برنامج الهواء والمناخ لمؤسسة محمد السادس لحماية البيئة الذي يهدف إلى تحسيس جميع الفاعلين بهذه الإشكالية وحثهم على تقليص إصداراتهم من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بهدف تخفيف تأثيراتها على المناخ مع العلم أن المؤسسة سبق أن وضعت مخططات المناخ الترابية التي تهم ثلاث جهات بالمغرب وهي الرباط ومراكش  والدار البيضاء والتي تروم مواكبة الجهات لإعداد خارطة طريقها الطاقية بالإضافة إلى مشروع النقل الكهربائي الذي أطلقته مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة في إطار شراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة والذي يروم إدراج بشكل فعال النقل الكهربائي على مستوى مدينة مراكش من أجل مواجهة إشكالية التلوث الناجمة عن استعمال الدراجات النارية بمدينة مراكش.

النقل المستدام وتنزيل أهداف التنمية المستدامة

يعتبر تحقيق النقل المستدام التزام أخلاقي على كل الحكومات الوفاء به لفائدة مزاطنيها، وأكثر السبل التي يمكن من خلالها بناء السلام والرخاء المستدامين، إن النقل المستدام يقوم بدور مهم في النهوض بجهود تحقيق التنمية المستدامة فالتجارة الدولية تعتمد على الطرق والسكك الحديد والخطوط الجوية والمعابر المائية، كما يعد قطاع النقل مصدرا ضخما للوظائف ومحركا للنمو الاقتصادي،  بل إن هناك بعدا إنسانيا وبشريا أيضا، يتعدى البعد الاقتصادي للنقل، اليوم وعبر ربوع العالم يجب أن يشعر الجميع بالقلق بشأن من لا تتوفر لهم سبل النقل التي يستحقونها، حيث لا زالت المجتمعات القروية لا تتوفر على نقل مستدام، كما أن الملايين من ذوي الإعاقة لا يستطيعون استخدام وسائل النقل العام بسبب عدم توفرها لهم، في الوقت الذي يواجه فيه كبار السن صعوبات في التنقل من مكان إلى آخر، فاليوم توفر وسائل النقل لا يعني بالضرورة أنها آمنة، وخاصة بالنسبة للنساء والفتيات وفي الأخير يجب أن نركز على التحديات الكثيرة التي تواجهها الاستدامة في مجال النقل من أهمها تعزيز أنظمة أفضل للنقل في المدن، وجعل كل أنظمة النقل آمنة ومعالجة الآثار البيئة السلبية فاليوم يعتبر قطاع النقل مسؤول عن نحو ربع انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وأيضا أكثر من 1.25 مليون شخص يموتون سنويا في حوادث المرور على الطرق، للأسف يحدث 90٪ من حالات الوفيات تلك في البلدان النامية، هذا في الوقت الدي يساعد فيه النقل المستدام على تهيئة البنيات التحتية التي تمكننا من بناء مستقبل مستدام، فهو يوفر الوصول إلى التجارة وفرص العمل والأسواق والتعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات التي تعمل على تحسين حياة الناس وبالتالي تنزيل أهداف التنمية المستدامة بشتى أنواعها.

نقل مستدام مع توفير شروط الأمن والأمان

اليوم يتم تشجيع عامة الناس في أوروبا على شراء سيارة كهربائية، لأن “80٪ من البطاريات قابلة لإعادة التدوير، ولكن في حالة وجود بطارية 300 إلى 600 كيلوغرام تحتوي على كمية جيدة من الفولاذ والبلاستيك، فليس الليثيوم رخيص جدا للشراء: “لدى شركات التعدين سياسة الإفراط في الإنتاج التي تقلل من تكلفة المواد الخام” كما تشرح ألما دوفور  عن منظمة أصدقاء الأرض فرنسا حيث يمكن للدولة أن تفرض إعادة تدوير الليثيوم، لكن تبقى السيارات الكهربائية بعيدة كل البعد عن أن تكون بديلا سحريا للحد من الكارثة البيئية حيث  ينتج عن تصنيعها حوالي ضعف كمية غازات الدفيئة مثل مكافئاتها الحرارية وتولد المزيد من التلوث السام بسبب الكمية الكبيرة من المعادن التي تحتوي عليها ونظرا لأن بطارياتهم لا تدوم سوى حوالي عشر سنوات سواء كنت تستخدمها أم لا، فمن الصعب امتصاص كل هذا التلوث حيث يجب أن تحتوي المركبات على بطاريات صغيرة، وبالتالي تستخدم فقط للسفر المحلي ولا يمكن استخدامها بشكل مكثف وإلا تفقد البطارية قوتها حتى قبل استخدامها لتقليل التلوث، وفي الأخير يمكن القول أن النقل المستدام في المغرب سيظل يشكل طموحا كبيرا لكون العرض في مجال النقل العمومي المتوفر اليوم يبقى غير كاف لتغطية حاجيات المواطنات والمواطنين حيث أصبح من الضروري إدماج معيار الاستدامة في إعداد خارطة الطريق المستقبلية بالمغرب في أفق الحد من التأثيرات السلبية لقطاع النقل الجوي منه والبري والبحري على المناخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق