ثقافة وفن

قراءة في كتاب «الحضارم في شرق إفريقيا» للأستاذ رزق عبد الله الجابري

د. مسعود عمشوش

من المؤكد أن هجرة الحضارم إلى سواحل شرق إفريقيا قد حظيت باهتمام أقل من هجرتهم إلى جنوب شرق آسيا، ومع ذلك يمكننا اليوم العثور على عدد من الدراسات المهمة عن تلك الهجرة، منها دراسة باصرة )الهجرة اليمنية إلى شرق إفريقيا حتى منتصف القرن العشرين)، ودراسة د. رزق عبد الله الجابري ودراسة فرانسواز لوجنيك كوبانس (تغيّر أنماط الهجرة الحضرمية والاندماج الاجتماعي في شرق إفريقيا)، التي قدمت لمؤتمر الشتات الحضرمي الذي نظم في لندن سنة ١٩٩٥.وهناك دراسات أخرى كثيرة باللغات الأجنبية

ورأينا أن نقدم في الصفحات الآتية قراءة موجزة لكتاب الدكتور رزق عبدالله الجابري، أستاذ الجغرافيا البشرية ومدير مركز الدراسات الإنسانية الاجتماعية بجامعة حضرموت: (الحضارم في شرق إفريقيا).

يتكون الكتاب من تمهيد وملحق صور وأربعة فصول، كرس المؤلف الأول منها لتقديم عرض تاريخي لمراحل الهجرة الحضرمية إلى شرق إفريقيا. وتناول في الفصل الثاني العوامل التي دفعت الحضارم للسفر صوب القارة الإفريقية، وفي الفصل الثالث استعرض الباحث د. رزق الجابري أهم الطرق والموانئ التي سلكها الحضارم للوصول سواحل شرق افريقيا وأهم الجزر والمدن التي اختاروا الاستقرار فيها، وتضمن هذا الفصل كذلك على احصائيات دقيقة لتوزيعهم على تلك الجزر والمدن الساحلية. أما في الفصل الرابع، الذي سنركز عليه هنا، فقد درس الجابري آثار الهجرة الحضرمية في شرق إفريقيا في المجتمعات التي استقروا فيها.

يؤكد د. رزق الجابري أن “الهجرة تُعد أحد عوامل التغييرات الديموغرافية التي تؤثر في حجم السكان وخصائصهم، والحضارم في شرق إفريقيا أثروا في هذين المكونين -الحجم والخصائص- وقد اختلفت درجة التأثير من فترة لأخرى؛ ففي الوقت الحاضر [2011] فإن تأثير المهاجرين الحضارم في الهيكل الديموغرافي محدودا جدا، وذلك لضآلة وزنهم النسبي، حيث لا يتجاوز 1% من النسبة العامة للسكان، وينسحب ذلك أيضا على الخصائص، أما في الماضي فقد كان للمهاجرين الحضارم تأثير مهم في الهيكل الديموغرافي ويتضح ذلك من خلال تتبع تطور حجم السكان خلال الفترة الواقعة بين  عام 1921 وعام 1968 الذي تبينه الاحصائيات”. ويعرض د. رزق الجابري لتأثيرات المهاجرين الحضارم ثم المواليد الين ولدوا في سواحل شرق إفريقيا، بوصفه قوة عاملة أسهمت في بناء البلاد التي استقروا فيها، ويذكر أن الحضارم قاموا ببناء المرافق الحكومية وأسهموا في التنمية البشرية من خلال انشاء المدارس والنشاط التجاري، ويورد ما ذكره المستشار البريطاني انجرامس، الذي قال إن “المهاجرون الحضارم أحيوا موانئ شرق افريقيا وقاموا بعملية تدريب للسكان المحليين وغرسوا فيهم قيم الاستقامة، وحولوا تلك الموانئ من نقاط تصدير للبشر الى نقاط تصدير للمنتجات والسلع”.

ثم يقارن د. الجابري بين التأثير الإثني الكبير للحضارم في سواحل شرق إفريقيا والتأثير الإثني للمهاجرين الهنود والأوروبيين الذين ظل محدودا لأنهم لم يندمجوا في المجتمعات المحلية ويعودون إلى بلادهم للزواج أو جلب زوجاتهم معهم. ويؤكد د.رزق “أما الأقلية العربية ومنها الحضرمية فقد أحدثت تأثيرا كبيرا في التركيب الإثني لدول شرق إفريقيا، وقد وصفها البعض بأنها أعادت رسم تلك الخريطة إيجابيا لأنها احترمت التكوين الاجتماعي للسكان، فلم يمكن هناك تمييز في اللون وحل الامتزاج الجنسي بين المهاجرين والسكان المحليين ونتج عن ذلك ظهور أجناس وأعراض جديدة تعدلت فيها بعض الصفات الزنجية من لون البشرة وكشل الأنف والشعر والمظهر العام للجنس” ص 127. ويورد د. رزق رأي جبريل فيران الذي رأى أن شعب الانتيمون يعد ثمرة اختلاط المهاجرين العرب ومنهم الحضارم وقبيلة الإنكار الافريقية”، وقد ظهرت في تلك الأجناس صفات معدلة من الزنجية بالإضافة إلى حملهم لبعض الصفات والعادات العربية”. ص128

ويقارن د. رزق ذلك التأثير الإثني الإيجابي للحضارم في سواحل شرق إفريقيا مع التأثير السلبي الذي أحدثته بعض الأقليات في العالم، وكتب “نجد أن الأقلية الحضرمية أحدثت تغييرا إيجابيا مع عدم إحداث إبادة عرقية هناك”… كما أنهم أسهموا في تجنيب المناطق التي استقروا فيها الصراعات العرقية التي حدثت في بوروندي ورواندا وشرق زائير. ص 129

وتناول د. الجابري كذلك في هذا الفصل الر ابع: التأثيرات الاجتماعية للمهاجرين الحضارم، وقال إنهم أدخلوا الكثير من العادات والقيم الاجتماعية الحضرمية إلى المناطق التي استقروا فيها، وكذلك أدخلوا الإسلام إليها. وذكر أن نسبة المسلمين في زنزبار 100%. وذكر د. رزق أن طباع الحضارم وخلقهم هما اللذان ساعدا المهاجرين على ذلك، وأورد ما كتبه انجرامس في هذا الشأن، وذلك حينما كتب “إن المهاجرين الحضارم في شرق إفريقيا ذو طباع وأمزجة حادة، ولكنهم يتمتعون بالانضباط والطاعة للقوانين واحترام الآخرين، ويصل العمل عندهم إلى مرتبة القداسة. وهم مثابرون على صلواتهم ومقتصدون في أكلهم ومشربهم وملبسهم، ويكاد التبذير حالة شاذة فيهم، وهم لا يتأثرون بسلوك وطرق المعيشة التي يعيشها الآخرون حولهم، بل يؤثرون فيهم. لهذا فالمهاجرون الحضارم قدوة طيبة تتمثل فيهم أخلاقيات وسلوك الإسلام الصحيحة في الحب والتسامح والعدل وكلمة الحق والنجدة والوفاء”.

وتحدث كذلك عن التأثيرات اللغوية للمهاجرين الحضارم، ورأى أسهموا في نشر اللغة العربية، لغة الدين الإسلامي، في المناطق التي استقروا فيها، وبفضلهم “أصبحت العربية أحد أهم مكونات اللغة السواحلية التي صارت اللغة الرئيسة في شرق إفريقيا. فقد عمل المهاجرون الحضارم مع بقية المهاجرين العمانيين والهنود والشيرازيين والسكان الأصليون على تكوين هذه اللغة، التي أخذت من كل المجموعات اللغوية بنصيب حتى أصبحت ناضجة. وهي ليست عربية محرفة، لكنها لغة إفريقية معربة، تقع أصولها البعيدة في البانتو، لكنها أخذت عبر الزمن صفات عربية بواسطة المهاجرين ومن بينهم الحضارم”.

ثم تحدث الباحث عن تأثيرا المهاجرين الحضارم، بشيء من التفصيل، في مجالات التعليم التقليدي والحديث، وإنشاء مراكز الخدمة الاجتماعية والصحية والخيرية والثقافية والعمرانية والاقتصادية والتجارية والزراعية والصناعية.

وكرس المؤلف الصفحات الخمس الأخيرة من كتابه للتأثير السياسي للمهاجرين الحضارم في سواحل شرق أفريقيا. وذكر أن ذلك التأثير اختلف كثيرا عن تأثير المهاجرين الشيرازيين الذين أسسوا مملكة (كلوة) الشيرازية هناك في نهاية القرن العاشر الميلادي (نحو 970م)، أو المهاجرين العمانيين الذين أسسوا سلطنات عمانية هناك وعمر بعضها ثلاثة قرون. وليبين لنا أن التأثير السياسي للمهاجرين الحضارم اختلف كثيرا عن تلك التأثيرات، كتب “الهجرات الحضرمية المبكرة لم ينجم عنها ظهور دول من الدول التي أظهرتها الهجرات الشيرازية والعمانية”. ولا يرى د. رزق أن الآثار السياسية للمواليد الحضارم في شرق أفريقيا مهماً اليوم على الرغم من حضورهم في الإدارات السياسية والاقتصادية والمجلس التشريعي. ويذكر أن زيارته الميدانية إلى سواحل شرق إفريقيا قد أقنعته بأن “معظم المهاجرين [أو مواليدهم] ليس لهم نشاط سياسي، وعدد محدود جدا ينتسبون للأحزاب الحاكمة. ومن الأسباب التي يفسر بها د. رزق ذلك أن “هجرة الحضارم من بلادهم كانت لأسباب اقتصادية وليست سياسية وخبرتهم في الغالب في التجارة وليست في السياسة، وربما أن بناهم الثقافي الحضرمي يحثهم على السكون والهدوء في بلاد الغير وكسب العيش فقط عملا بالمثل (ياغريب قع أديب). والثورة الدامية التي حدثت في بداية 1962الستينيات في شرق افريقيا وحدثت فيها مجازر وراح ضحيتها الآلاف من العرب وأرغم الكثير منهم على الفرار”.173″. ص172

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق