العلاقات المغربية-الجزائرية … أي جوار مغاربي؟ (3)
عبد الفتاح الزين *
لقد صدر فيقضية الصحراء رأي استشاري لمحكمة دولية وليس حكما كما يصرح بذلك النظام الجزائري (وفقهاء القانون الدولي يفهمون الفرق الشاسع بين التوصيفين)؛ حيث تم فيه التنصيص على أن الصحراء لم تكن أبدا أرضا خلاءً، وأن ساكنة الصحراء كانت لهم روابط بيعة للسلطان والولاء للمغرب عبر مؤسساتهم المعتمدة. وكمثال على ذلك تمكن الإشارة إلى حدث تجديد البيعة من طرف المرحومخطري ولد سيدي سعيد الجماني للمرحوم الملك محمد الخامس على إثر استقلال المغرب سنة 1956؛ حيث ترأس وفدا لممثلي قبائل الصحراء. وكذلك تقديم البيعة يوم 3 نونبر/تشرين الثاني1975 ثلاثة أيام فقط قبل عبور متطوعي المسيرة الخضراء الحدود الوهمية، وكان ذلك أمام المرحوم الملك الحسن الثاني وبحضور جمع غفير من المسؤولين الكبار والدبلوماسيين والصحفيين، تجاوز عددهم 500 شخصية جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، وكان ذلك بصفة السيد خطريرئيس الجماعة الصحراوية والتي كانت تعتبر برلمان الصحراء الذي أنشأته إسبانيا، وانتدبت من بين أعضائه 7 ممثلين عنه إلى الكورتيس الإسبانيCortes Generalesأي برلمان المملكة الإسبانية بغرفتيه، وكان على رأسهم المرحوم خطري؛ حيث كانت إسبانيا تتحايل من أجل ضم الصحراء أو إنشاء دويلة تابعة لها وبتنسيق خفي مع الجزائر – كما اتضح فيا بعد – وهو ما رفضته الجماعة الصحراوية التي تم حلها على إثر هذا الرفض قبيل مرض فرانكو. فتقاليد البيعة وطقوسها لازالت ممارسة في تقاليد المغرب بشكل مؤسسي إلى يومنا هذا كما هو الأمر في أعرق الدول بأشكال مختلفة.
وبما أن قضية الصحراء المغربية ليست قضية نظام سياسي، وإنما هي قضية شعب بأكمله، فإن المغرب يعرف أن صاحب الحق عليه الدفاع عن حقه، لأن الحقوق لا تعطى وإنما تنتزع، كما يعلمنا التاريخ. لهذا انتقلت المملكة المغربية في إطار التحولات الدولية الراهنة إلى إسماع صوتهامعبرة عن عدم قبولها بالدوس على حقوقها المكتسبة بحجية التاريخ ومواثيق القانون الدولي والتعبيرات الشعبية الممأسَسة. كما أنه تبنى استراتيجية لا علاقة لها بمنطق “الخطة المضادة” وفي شفافية تامة لمواجهة كل معارضة لمصالحه في ضرب لقيم التعاون، وبنود الشراكات الموقَّع عليها من طرف الفرقاء، ودون احترام للأعراف الدولية وحسن الجوار.
في هذا السياق، أقول للأخ لطرش،أن توتر علاقات المغرب مع ألمانيا ليس بسبب موقف هذه الأخيرةمن قضية الصحراء المغربية أساسا، ولكن لتحركها بهدف نسف اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المغربية، وذلك سعيا لاستمرار استنزاف المغرب واستغلال وضع التشرذم في المنطقة المغاربية برمتها. وللتذكير، فإن مؤتمر برلين لسنة1885 والذي عقدته الدول الاستعمارية الأوروبية لتقاسم القارة الإفريقيةبشكل رسميهو الذي صادق على منح اليد الطولى لإسبانياعلى أراضي الصحراء وفصلها عن المغرب. إلى جانب هذا، لم تحترم ألمانيا أعراف وتقاليد التعاون الأمني؛ ذلك أنها في ملف أحد الإرهابيين من أصل مغربي، لم ترفض فقط تسليمه وفق الإجراءات المعمول بها؛ حيث ما زال يروج لخطاب الكراهية وسفك الدماء والتكفير ضد المغرب دولة ومواطنين على اليوتوب، بل أكثر من هذا إنها أطلعته على معلومات تعتبر حساسة وفق التصريح الرسمي المغربي.وقد انضافت الأزمة الإسبانية المغربية إلى المشكل المغربي الألماني، والتي اعتبر فيها المغرب استقبال زعيم البوليساريو بهوية مزورة (بن بطوش) في تكالب مريب مع السلطات الجزائرية، ودون استشارة المغرب طعنةً في جوهر التعاون المغربي-الإسباني مع ما تلا ذلك منفسخ مؤقت لترتيبات تنظيم العبور فيما يعتبره المغرب رسميا مدينة محتلة. وحتى نضع القارئ في الصورة، فإن مدينتي سبتة ومليلية غير مشمولتين بقوانين الهجرة المتعلقة بتراب الاتحاد الأوروبي، ولا تخضعان لإجراءات مراقبة الحدود الأوروبية الرسمية لأنهما لا تعتبران ترابا أوروبيا بل إن قرار البرلمان الأوروبي عقب أحداث مدينة سبتة لا تترتب عليه أية آثار قانونية لأنه تعبير عن تضامن سياسي أكثر منه موقف قانوني. كما أنه لقي معارضة ولم يحظ بالإجماع؛ حيث رأت فيه بعض القوى الأوروبية تدخلا في صراع غير أوروبي، وأن تداعياته على العلاقات المغربية-الأوروبية غير محسوبة العواقب، وتفتح الأبواب أمام تعقيدات قد تضر بمصالح الاتحاد الأوروبي ككل في المستقبل. كما أنه علينا ألاّ ننسى أن المدينتان كانتا موضوع عدد من المفاوضات بين المغرب وإسبانيا في إطار لعبة شد الحبل؛ حيث سبق للمغرب أن قدم فيها اقتراحات تقوم على التراضي والتوافق صونا لحسن علاقات الجوار وللتاريخ المشترك. ولعل مؤسسة الثقافات الثلاثFundaciónTresCulturas التي تقوم بعمل جبار في الحوار الثقافي المغربي-الإسباني إلى جانب لجنة ابن رشد التي تنتظر صحوة الضمير السياسي الإسباني والتي اقترحها المرحوم الحسن الثاني إلى جانب أنشطة أخرى متفرقة لكن متواترة تعمل على إنضاج ظروف التوافق الممهد للوصول على سلام الشجعان.وفي هذا السياق، تعتبر أزمة دخول سبتة إشارة إلى أن المغرب ليس دركيا تحت الخدمة، وأن التعاون القائم بين البلدين كل لا يتجزأ. وتجدر الإشارة إلى أن الذين عبروا الحدود أغلبهم مغاربة، وهي رسالة إلى أن هؤلاء يتنقلون ضمن التراب المغربي. ويمكن اعتبارها تحذيرا لإسبانيا التي يبدو أنها فهمت الرسالة. واليوم، يعود الدفء للعلاقات المغربية الإسبانية، وسيتم الإعلان عن أسسها الجديدة عما قريب، غير أن العودة المذِلَّة لابن بطوش قبل إتمام فترة علاجه هروبا من العدالة الإسبانية والتي لازال ملفه مفتوحا أمامها، والذي لطخ رذاذه سمعة عدد من المسؤولين الإسبان عن هذه الأزمة التي لا زالت تداعياتها لم تتوقف رغم مغادرة أرانشاغونزاليسلايا منصبها كوزيرة للخارجية الإسبانية لسوء تدبيرها لملف ابن بطوش، ناهيك عن متابعة مسؤولين إسبان قضائيا لا زالت المساطر جارية ضدهم.بينما الأزمة الألمانية-المغربية لازالت موضوع تفاوض سري … وقد تنفرج سحابتها في القادم من الأيام.
وتنصيص الأستاذ لطرش على أنه “لم تستثن هذه المقاربة الجديدة للدبلوماسية المغربية الجارة الجزائر” صحيح بالنظر لما تمت إثارته أعلاه لكن دون خرق لقواعد السلوك الديبلوماسي من طرف المغرب. فتصريحات السفير المغربي في الأمم المتحدة، السيد عمر هلال، في اجتماع دول عدم الانحياز، يومي 13 و14 يوليو/ تموز، لم تكن دعوة صريحة وموقفا معلنامن “استقلال شعب القبائل” في الجزائر مثلما تقوم به الجزائر الرسمية في تحد سافر لأعراف العلاقات الأخوية والجوار حتى، وإنما تنبيه لشرود وزير خارجية الجزائر، السيد رمطانلعمامرة، عن جدول الأعمال إلى جانب تمادي الجزائر في انتهاكها لقدسية وحدة التراب المغربي أينما حلت وارتحلت، والشيء بشيء يذكر.كما أن تصريحات وزير خارجية إسرائيل في الدار البيضاء في 12 أغسطس/ آب الموجهة ضد الجزائر ليست ملزمة للمغرب، والقول بأن المغرب محرض عليها هو محض تخمين لأن ضربات الجزائر للمغرب تحت الحزام كثيرة ومتنوعة فلائحتها أطول من تصريح وزير الخارجية الجزائري الذي تلاه عند إعلانه عن قطع العلاقات الديبلوماسية مع المغرب وفي استغلال لأبسط المناسبات الداخلية والأجنبية التي قد تستضيفها الجزائر. وفي هذا السياق، لا ننسى التأييد والدعم الإيراني لخطوة قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب الجزائر مع المغرب، ناهيك عن التأطير العسكري الإيراني عن طريق أذرعها للبوليساريو بموافقة من الجزائر، بالإضافة إلى إدخال التشيع إلى منطقة سُنية ليس فقط كمذهب عقدي ضمن الإسلام، ولكن على الخصوص كتبعية إديوثقافيةلولاية الفقيه والتي أصبح لها لبوس سياسي. وأمامنا على سبيل المثال معاناة الأقلية الإباضية بغرداية (الجزائر) التي غطى فيها البعد العقدي والعرقي على المشاكل السوسيوسياسية لساكنة المنطقة. وقد تم توظيف هذا البعد من طرف القوى الحاكمة في تأليب للجزائريين على بعضهم البعض ضمن سياسة فرق تسد (حالة المغدور به جمال بن اسماعيل في أحداث الأربعاء ناث إيراثن).وقد صرّح غالبية المعارضين والمنفيين أن السلطة الحاكمة اختارتها كسياسة لتظل ماسكة بزمام السلطة. “فمن يلعب بالنار لا بد أن يصاب بلهيبها” كما يقول المثل. زد على ذلك، في السياسية لا عدو دائم ولا صديق دائم بالنسبة للدول، لكن ما يحركها منطق المصالح، غير أن المصالح الضيقة والتي لا تترك أمام صاحبها خيارات تساعد على استدامة العلاقات أو تجديدها مضرة للكل بما فيها الجوار. وهذا ما تمادت فيه الجزائر الرسمية. فقد تعمد النظام الجزائري ضرب المصالح المغربية دون تروٍّ مستعملا في ذلك حتى المواطنين مغاربة وجزائريين سواء كأدوات أو كأهداف للضغط على الدولة المغربية إلاّ أنه لم يسجَّل على المغرب أي معاملة بالمثل مع ذلك، بل إن المغرب نأى بنفسه دولة وحكومة وإعلاما حتى عن التعامل مع الحراك وتطوراته والحديث عنه حمايةً للحراك نفسه من اتهامه بأن النظام المغربي يدعمه أو أنه صنيعة “المخزن المغربي” كما حدث في الربيع الأمازيغي أو الربيع الأسود (1980). كما أنه لم يتم التعامل مع المعارضة سواء في المنفى أو في الداخل في احترام تام للشأن الداخلي الجزائري. ورغم ذلك أعلن النظام في تصريحات تفتقد إلى أي حس مسؤول عن اتهام المغرب بالتخابر مع كل من منظمتي رشاد التي يتواجد غالبية أعضائها بالمملكة المتحدة، والحركة من أجل الحكم الذاتي للقبائل التي يوجد هي أيضا جل أعضائها بل وقيادتها بفرنسا.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن المغرب اختار منذ استقلاله مبدأ التفاوض على حقوقه واللجوء إلى المساطر القانونية وإعمال المسارات الدبلوماسية والتدرج في توطيد وحدته الترابية لأنه لم يكن مستعمَرا من طرف قوة واحدة، كما أن استعماره يختلف عن استعمار عدد من الأقطار. لقد خضع المغرب بعد مفاوضات الجزيرة الخضراء للحماية الفرنسية مع الاعتراف بأن السلطان المغربي ممثلا شرعيا للدولة المغربية. وهكذا بسطت فرنسا نفوذها على جزء كبير من التراب المغربي، أما المنطقة الشمالية المتاخمة لمدينتي سبتة ومليلية فكانت منطقة نفوذ إسباني، بينما منطقة البوغاز مع طنجة فكانت منطقة دولية. وهذين المنطقتين الأخيرتين كانتا تحت إدارة خليفة السلطان الذي يختاره ويعينه السلطان. أما الساقية الحمراء ووادي الذهب مع ثغري طرفاية وطانطان فكانت كلها تحت الاحتلال الإسباني. وكانت فرنسا ممثلا لهذا المغرب في العلاقات الدولية. وفي إطار هذا التدرج الذي استنه المغرب لنفسه، شرع منذ 1956 في توطيد وحدته الترابية عبر الوسائل السلمية ومفاوضات ضمن أطر منظمة الأمم المتحدة. ورغم وعي النظام الحاكم في الجزائر بهذا التاريخ، فإنه لم يتوانى في تحريض لأبواقه (ما تسميه المعارضة الجزائرية “صحافة بودورو” أي الصحافة المأجورة) على الحديث عن مشاريع خطوط بحرية وتنظيم رحلات سياحية بين الجزائر والثغرين المحتلين (سبتة ومليلية) نكاية في المغرب، وتأجيجا للأزمة الإسبانية-المغربية. وهنا أشير أنه لا دخان بدون نار.
وعن فضيحة التجسس التي ساقها الأستاذ عبد القادر لطرشحول استخدام برنامج بيغاسوسPegasus الإسرائيلي منذ 2017، وبالنظر لتاريخ كتابة مقالته، فإنه لم تتم الإشارة إلى أن المغرب لم ينف التهمة عن نفسهفقط بل إنه رفع دعاوى على مروجي هذه الأكاذيب أمام المحاكم الألمانية والفرنسية مطالبا الهيئات التي كانت وراء هذه التلفيقات أن تدلي بما يفيد تورطه في هذا الأمر، ومستعملا في ذلك حقه في المتابعات القانونية لكل من سوّلت له نفسه تلويث سمعة المغرب، كما صرح بذلك عدد من المسؤولين المغاربة. ومن المفارقات، ها هي الصحافة الألمانية تصرح بتاريخ 7 شتنبر/أيلول 2012 أن الشرطة الفيدرالية الألمانية اشترت البرنامج إياه، وهي التي لم تكن ضمن قائمة الدول التي قيل إنها حصلت على هذه الخدمة. إن ما هو مؤكد يحتاج إلى إثبات، هذا ما يعلمنا إياه البحث العلمي والمنطق السليم، وما تحثنا عليه قيم واجب الذاكرة ومقتضياتها دون لوك للأحداث والوقائع أو اللجوء لعبارات فضفاضة ومبهمة لا تقدم معلومات للقارئ بما يساعده على بناء رأي يكون فيه الاقتناع داخليا ونابعا من الفهم.
وأنبه الأخ لطرش أن إسرائيل ليست عضوا كامل العضوية في الاتحاد الأفريقي بل هي عضو ملاحظ تم اعتماد عضويتها في 22 يوليوز/تموز 2021 من طرف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وهذا من صلاحياته واختصاصاته. كما أن إسرائيل سبق وأن كانت عضوا ملاحظا أيام منظمة الوحدة الإفريقية التي انسحب منها المغرب على إثر إقحام ما يسمى “الجمهورية الديموقراطية العربية الصحراوية” في ضرب لكل القوانين والأعراف التي قامت من أجلها هذه المنظمة التي أصبحت تحمل اسم الاتحاد الإفريقي منذ سنة2002 والتي كان للجزائر يد باعتراف دبلوماسيين مغاربيين وغيرهم، وتربطها علاقات مع 46 دولة في إفريقيا. فالمغرب لم يعبر عن موقفه من هذا الموضوع مثل غالبية الأعضاء والذين انبرت من بينهم دول عربية على رأسها الجزائر، وهي :مصر وليبيا وتونس وموريتانيا وجزر القمر وجيبوتي؛ محتجة في رسالة موجهة لرئيس المفوضية موسى فكي محمد. إنه تبرير للجوء الجزائر لقطع علاقاتها مع المغرب إلى جانب شيطنته في محاولة لقطع الطريق أمام الطرد المنتظر لهذا الكيان المزروع في الاتحاد الإفريقي.




