ثقافة وفن

همسة وصل

الحياد و الموضوعية ... إشكال الصحافة الأعمق!!

ياسمين فلاحي

يقوم الميدان الصحفي و الإعلامي باعتباره ميدانا غير منغلق على نفسه بل مرتبطا بالكثير من المجالات على مجموعة من المبادئ و القيم التي تحكمه و تؤطره في زاوية يتشعبها من الصرامة و الدقة و الجهد ما لا يخفى عن المزاولين و المقربين منهم من جهات و ميادين، إلا  أن هذا الضغط الذي يعرفه نظام القواعد هذه يعطي مساحة لا بأس بها من اللبس و الحيرة في ما يخص بعض المفاهيم التي مع مرور الزمن و توفر المعلومة و تطور العولمة و التقارب الثقافي و العلمي بين مختلف أقطار العالم تتكاثر و تدخل لأسباب قد تكون مبررة و في احيان كثيرة يتبناها الصحفي دون بحث أو تنقيب، و من بين المفاهيم التي تخلق الضجة و يكثر عليها الصخب: الحياد و الموضوعية و إشكال اختيار أيهما وجب به العمل و أيهما هو متطفل على قدسية الصحافة و الخبر إن صح التعبير.

لكي تتوضح أمامنا الفكرتين و يسهل علينا التفريق بينهما يجب أولا أن نفهم كلتاهما على حدى و نعرف نقط الاختلاف و الاشتراك بين المفهومين مما سيخول لنا أن نختار بالمنطق و العقل المبدأ الذي يحتذى به في العمل الصحفي عامة.

فأما الحياد فهو في مجمل آراء الصحفيين و المعنيين تجرد من أي موقف أو طرف أو جهة أثناء نقل المعلومة، الخبر أو الحدث أي عدم الانزياح لأي زاوية تعكس رأي الإعلامي و وجهة نظره كشخص أو أحيانا وجهة نظر تلك المؤسسة الإعلامية التي تتبناه.

و في ما يخص الموضوعية فهي فصل بين الحقيقة و الرأي و مبدأ يطغى عليه كل ما له علاقة بالدقة و صحة المصدر و المصداقية التي هي نتاج لالتزام الصحفي بالموضوعية ذاتها كما أنها إحدى أهم المبادئ الأخلاقية و المهنية التي بدونها يختفي نجم الإعلامي و تنتهي سمعته المهنية و تنقص قيمته فيغدو مثالا للكذب و انعدام الأمانة في عين العامة.

ها نحن قد استطعنا أن نخلق فارقا يسمح لنا من خلاله أن نعلم بجوهر كلتا المبدأين، لكن السؤال المطروح أيهما أساسي في العمل الصحفي و أيهما ليس كذلك.

  في كتابه ‹›التحقيق الصحفي و التلفزيوني›› و الذي تطرق فيه لهذا النوع الصحفي المميز مبديا أهميته و فعاليته و أصوله و آلياته، يقول ‹›ميشيل حبيب خياط››: ‹›إن الحياد في الصحافة مضيعة للوقت، و خسارة للتكاليف، إلى جانب انه خيانة للناس الذين يرون في الجريدة أو الوسيلة الإعلامية مناصرا لهم، و لهذا فإن المحقق (الصحفي) يجب ألا يكون محايدا، بل عليه أن ينتصر للحقيقة، و أن ينذر نفسه للإعلاء من شأنها و إيضاحها››، من خلال فكرة الصحفي ‹›ميشيل›› يتضح لنا أن الحياد لا يمكن أن يكون سابقا على قيم الحرية و العدالة و الأخوة و الانتماء و الأهم قيمة الحقيقة التي تفرض على الصحفي أن ينصرها في شخص طرف معين أو موقف محدد، كما أن هذا الأخير يتوجب عليه أن يفكر جيدا في ماهيته كصحفي إذ أن هذا العمل يجعله بلا شك فاعلا و مؤثرا و متأثرا بالقضايا التي يغطيها فلا يقوى على أن يكون باردا لا يفتي عليه عقله رأيا و لا يميل قلبه لشعور محدد على خلفية ذلك الحدث خاصة إذا كان حدثا ذا إجماع اجتماعي يسمح له بأن يخرج عن الحياد.

و تعمقا أكثر في الصحافة، هذه الاخيرة هي علم من العلوم الاجتماعية و بالتالي فإن الحياد المطلق فكرة تناقض مبادئ الميدان و تقف حاجزا أمام الإبقاء على أصول الصحافة كمجتمع و بيئة مشتركة، لكن هذا لا يمنع التسلح بالحياد في أحيان كثيرة و بالتالي فإن الحل يكمن في تطبيق قاعدته بشكل متغير و متجدد و ذلك حسب الظروف و المعايير المتخذة و نوعية الأخبار أو المعلومة أو الأحداث المغطاة و بحسب النظام الذي تقوم عليه المؤسسة الاعلامية و لهذا فإن الحياد ليس بقانون منزل إنما هو سلاح يجب أن نعلم جيدا متى نستخدمه و متى لا نفعل.

و في ما يخص الموضوعية فإنها تبقى ذات قدسية لا شك فيها و العمل بها انتصار للحق و القانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق