ثقافة وفن

دراسات

جدلية الحرية والعلم في بناء الوجود الإنساني

محمد بنيونس

لقد دفعنا الوباء الذي أصاب العالم وقيّد الإنسان، وحدّ من حريته بمختلف أشكالها، وأعطى فرصة للسلطة بأن تجهز على مختلف مكتسبات الإنسان، بدعوى حالة الطوارئ، والتي بسببها سجن المواطن في بيته، وأصبح يترقب مذعورا أنباء انشار الوباء وقدرته على التنقل والفتك، فانضاف إلى سجن المنزل، سجن آخر، إذ أصبح الإنسان سجين مخاوفه وهواجسه، ينتظر ويترقب، آخذا الحيطة حتى من نفسه لكي لا تُنقَل له العدوى. من هنا قد نقول إن مثل هذه الأوبئة فرصة للحد من الحرية، وتدمير العلاقات الإنسانية، والزيادة في عزلة الإنسان واغترابه. وما يثبت ذلك هذا الذعر والخوف، بحيث شاهدنا مجموعة من التصرفات تعبّر عن ضعف هذا الموجود وقلة حيلته، سواء في طريقة تسوقه وادخاره، أو طريقة التعامل مع المرضى، والكيفية التي يتم بها التخلص من الإنسان، في حالة عدم قدرته على مقاومة الوباء، سواء قتل الرحم، أو الطرق المختلفة للانتحار. أمام هذا العجز الإنساني، لجأ هذا الأخير إلى ملاذ جديد، والذي يتمثل في العلم، بعد أن كان ملاذه الخرافة أو الأسطورة أو الدين. لم يعد الدين ذلك الملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان لإنقاذ نفسه، وإنما أصبح العلم والمتمثل في العقل العلمي. لا يعني هذا القول إن العلم أصبح يعوض الدين، وإنما أصبح اللجوء إليه أمرا حتميا سواء في حالة الوباء أو في غيره، إذ لا يمكن مواجهة ما يجري، إذا لم يتسلح الإنسان بسلاح العلم، إذا أرادت الشعوب ومختلف أشكال الوجود الإنساني أن يتطور ويتقدم. أمام هذه الوضعية، وبسببها كان الدافع للقيام بهذه المحاولة للفهم والتفكير، لما يجري حولنا.

تعتمد هذه المقاربة على فهم العلاقة الممكنة بين العلم والحرية، والكيفية التي يساهم فيها الطرفان في بناء العالم الإنساني. وتقوم هذه العلاقة على معرفة حدود وحرية العلم، أو ما لا يمكن التفكير فيه علميا، أم أن العلم تجاوز هذه الحدود، وأصبحت له القدرة على خلق اعتقادات لدى الإنسان، أي الاعتقاد العلمي. يعني هذا أن الجواب العلمي أصبح بديلا للجواب الديني والفلسفي، لبناء عالم جديد، يقوم على أساس العقل العلمي، وليس على التصديق والإيمان، أو الشك والبحث عن الحقيقة. لقد أحيط الوجود الإنساني بمختلف أشكال العلوم التي تحاول إيجاد تفسيرات تقوم على دلائل علمية تجريبية لها هامش كبير من الصدق، سواء تعلق الأمر بمختلف العلوم الإنسانية، أو العلوم الحقة والدقيقة. وبالتالي، انقلب الوضع حول السيادة، بحيث لم تعد السيادة لما هو كليّ، وعام، وشامل، وإنما أصبحت السيادة للجزء، للبعض، للعلوم بعدما كانت محدودة بحدود الفلسفة أو ما هو عام ومتحكم فيها. إذن، تدخل العلم في الإنسان، هل يصب في خدمته وتوسيع هامش الحرية لديه، أم يعمل ضد وجوده وحريته؟ وهل إعطاء الحرية للعلم يجب أن تكون بشروط أم برفع القيود؟ وهل ينبغي أن يتقيد العلم بغيره أو بحدود من خارج العلم؟ بمعنى آخر، لماذا ينبغي أن يتدخل الدين والأخلاق والفلسفة في توجيه العلم ووضع الحدود له؟ ألا ينبغي أن تكون هذه الحدود من طبيعة العلم وإدراكه لحدوده أو محدوديته؟

صراع السيادة بين الإنسان والعلم

قيادة العلم للإنسان، أعطاه السيادة على غيره خصوصا الطبيعة، لكن، بهذه السيادة ساد العلم على الإنسان، وبدأ يتحكم فيه، ويحدّ من حريته، فبعدما كان وسيلة للسيادة، انقلب الوضع وتحول الإنسان إلى وسيلة في يد العلم، ولعل مختلف التجارب السرية، والاختبارات التي لا يعلن عنها، وتحويل الإنسان إلى موضوع للتجريب والاختبار، سواء بالتطوع، في خدمة العلم، أو بالسر، في مختبرات لا ندري عنها ولا عن وجودها. والأخطر من ذلك كله، هذا الذي يسمى بالذكاء الاصطناعي.

لقد تجاوز العلم الإنسان، منذ تحويله إلى موضوع، أو شيء، أو مجال من مجالات الفهم، والتقصي والبحث، بعدما كان هو الباحث والسيد، ويؤكد هذا الأمر، عدم ثبات الأهداف والغايات، أو انقلاب الهدف على ذاته. فالغاية من العلم كانت تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان وتحريره، فإذا بالأمر ينقلب إلى رغبة في السيطرة على الطبيعة، واستعباد الإنسان. وبالتالي، “إن الاكتشاف في العلم يقترب من نهايته ليفتح عصرا جديدا، هو عصر السيطرة على الطبيعة” [1]. وهذا ما قد يؤدي إلى دخول العلم في صراع ومواجهة مع ذاته، إذ لم يعد يقف أمامه أيّ شيء، ولا يحدّه لا الأخلاق، أو ما يمكن تسميته، أخلاقية العلم، ولا الاقتصاد، إذ أصبح المستفيد الأكبر من لا محدودية وحدود العلم، ولا الدين (…) أصبح العلم في خدمة ذاته ونتائجه. لذلك نجد هذه المحاولات لفهم أوسع للإنسان بغرض التحكم فيه، وتقليص هامش الحرية لديه، بمعنى آخر، محاولة إخضاع الإنسان لمنطق العلم.

بدأ يتحول العلم إلى اعتقاد، أو تقليد يؤسس لعالم جديد، يسود فيه العقل العلمي، والذكاء الاصطناعي، والتحكم عن بعد، ونظام المراقبة، إنه إله جديد، يفتح خفايا الوجود الإنساني، ويغوص في أعماق الذات والكون، لفهم أسرارهما، لغرض ليس هو الذي وجد من أجله العلم. وهذا ما يؤكد مختلف الدعوات التي أصبحت تنادي بأهمية العقل العلمي، ودوره في تقدم الإنسان، وحل مختلف الأزمات.

لقد أثبت الجائحة، أن الإنسان ليس له اختيار، بحيث يتم استعباده بقلب الحقائق إلى أوهام، واستغلال بلادة الحواس، وخاصة حاسة البصر، في علاقتها بفن صناعة الصورة، والتفنن في كيفية التلاعب بعقول الناس، مادام “الإيهام بالواقع الذي يكون كبيرا على شاشة التلفزيون، خادع، لأنه غير مبرر سببيا. فأمام هذه الصورة المباشرة في الزمن، أعيش أنا المشاهد في الجهة الأخرى من الشاشة، أي في الواقع المسجل. هكذا تندثر الصورة كصورة مصنوعة، وينفي الحضور الطبيعي الزائف عن نفسه صفة التشخيص والتمثيل، وثمة تكمن الخدعة” [2]، وهو استخفاف لا حدود له، بمعنى آخر استغلال العقول بالقدرة على إتقان صناعة المعلومة، انطلاقا من مسلمة تقوم على ميل الإنسان إلى التصديق دون فحص أو تمحيص، وخصوصا طبقة من الناس. من هنا نفهم الطريقة التي أصبحت تسود بها التفاهة عالم الإنسان. إنها أسطورة من نوع جديد، الأسطورة القديمة كانت تعتمد على عدم قدرة الإنسان أو عجزه عن تفسير الظواهر الطبيعية، أدى به إلى خلق عالم من الآلهة وممارسة مجموعة من الطقوس، لخلق اعتقاد لديه أن هذا الأمر تتحكم فيه قوى خارقة يجب طاعتها والخضوع لها، ولما لا تقديم القرابين والتضحية، بغرض إرضائها ومهادنتها. أما الأسطورة الثانية، هي تحكم من له القدرة على استغلال الوسائل المتاحة لخلق أوهام أو أساطير جديدة لإقناع الناس بها، بناء على أسلوب جديد من التصديق، يتم فيه صناعة الحقيقة، ومن ثمة “ففعل الإقناع يتم تحليله باعتباره عملية شراء (لفضاءات أو أزمنة معينة)، ويتم التوجه إلى المواطن باعتباره مستهلكا، تم استطلاعه بعمق وتعيين موقعه التراتبي واستهدافه وترقيمه في جداول التسويق لمختلف رؤساء الشركات المهيمنة على السوق” [3]. في هذه الأسطورة الثانية، لم تعد الحقيقة تتجاوز حدود فهم الإنسان، ولم تعد الهدف الذي يسعى إليه الإنسان بجهده وبحثه، وإنما الحقيقة بدأت تصنع، ويتم بناؤها وإعدادها حسب مقاسات الإنسان وطبقات التصديق لديه. تصنيف الإنسان، أصبح يعتمد على كيفية الإقناع والطرق الموصلة إلى استمالته. دخلنا مرحلة جديدة من القدرة على التلاعب بعقول الناس، بتوظيف مختلف الوسائل التقنية، للقيام بذلك.

طبيعة العلم وغايته

يعتمد فهم جدلية العلم والحرية، على فهم القصد من وجود العلم، والقصد منه خدمة الحرية، أو تحرير الفرد والإنسان بصفة عامة من حتمية الطبيعة، والاستعباد، والإحساس بالعجز أو النقص أو العوز عن فهم وتفسير مختلف الظواهر التي تحدث أمام أعين الإنسان. يتمثل الهدف في تحرير الإنسان من عجزه عن الفهم، وكانت الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هو العلم. ومن ثمة يعد العلم طريقا من طرق التحرر العقلي من قيود سوء الفهم أو العجز عن بناء تصور أو إعطاء تفسير واضح لما يجري حول الإنسان، ويهدد وجوده، ويقيد حدود ممارسته، يقول عبدالله العروي في هذا الصدد “لقد اعتبر المفكرون في بداية العهد الحديث أن العلم هو الوسيلة لتحرير الإنسان من قيود الطبيعة” [4].

لقد جبل الإنسان على الطلب والسؤال، أو محاولة فهم ما لا يفهم، أو العلم بما لا يعلم، أي البحث في المجهول عن المعلوم، وهذه الجبلّة، تنوعت في البحث عن الأجوبة، منها ما يميل إلى التصديق بخلق جواب يشكل فيما بعد اعتقاد الجماعة، أو تقليدا يُقلِد أعناقهم، ويشكل فيما بعد الأساس الذي يؤكد صدق الانتماء، والاعتزاز بالاعتقاد، وكل محاولة أخرى للفهم تعرض صاحبها للنبذ والإقصاء أو محاكمته بتحريف العقيدة، والخروج عمّا أجمع عليه الناس من تعودهم على التصديق دون إعمال لطرق التحصيل والطلب. فالأصل في الاعتقاد خوف الإنسان من المجهول، سواء تعلق الأمر بمصيره وما يهدد وجوده وحياته، أو عجزه عن المعرفة والتفسير والفهم لهذا الذي يهدد وجوده. إذن، يبنى الاعتقاد على عدم العلم أو المعرفة، بحيث يشكل العلم أو المعرفة طريقا من طرق تحرر الإنسان وتحريره من ذلك الخوف الذي يؤسس لمختلف تصورات الإنسان حول نفسه والعالم والإله.

كان العلم دائما، طريقا لتحرير الإنسان، من العجز والخوف، ومن التبعية نحو التعالي والتجاوز لما هو قائم، مكنته من السيادة والقيادة، وبعد ذلك بدأت الأمور تتحول للسيطرة والتحكم، وهذا ما أدى إلى الصراع بدل الانتظار، بين الإنسان والطبيعة؛ هذا الصراع مهد الطريق للوسيلة أي العلم إلى أن يتسيد مشهد الصراع، فقام بتحويل كلّ من الإنسان والطبيعة إلى وسيلتين، يتحكم فيهما ويسود عليهما.

أدت طرق توظيف العلم أو استغلاله، لخدمة غايات غير الغاية الأصل التي وجد من أجلها، إلى الانحراف عن مساره، والانقلاب على ذاته وغيره. تحويل العلم إلى وسيلة لخدمة إرادة الإنسان في السيطرة على الطبيعة والإنسان، جعلته يعدّل من وضعه في خدمة الإنسان إلى رغبة في السيطرة على هذا الأخير ودون حدود أو قيود تقيد ممارسته أو تحد من هذه الرغبة الجارفة في قيادة الإنسان إلى المجهول، فبدل أن يكون فاتحا لمغاليق الأمور وما يجهله الإنسان، قد يؤدي هذا العلم  إلى المجهول الذي يجهل كله ولا يعرف له حلا أو مخرجا. قد يؤدي العلم إلى تخريب العالم وتدمير الحياة فيه، بعدما كان له دور في تحرير الإنسان من الخوف من المجهول أو مما لا يعرف أمره.

لكن، الوضع بدأ يتغير، إذ أن “التجربة أظهرت في هذا القرن أن العلم قد يخدم الحرية كما قد يحاصرها ويقضي عليها” [5]، وقع انقلاب أو قلب الوضعية التي كان عليها العلم، من وسيلة للتحرر إلى مجال للتقييد والتضييق من هامش الحرية، وهو الأمر الذي يؤكد عليه عبدالله العروي، إذ يرى أن “العلم الحديث يرتكز على مبدأ الحتمية أي على نقيض الحرية كما يتصورها الرجل العادي. كلما تقدم العلم في ميدان يتعلق بالعمل البشري وبالمبادرة الفردية، تخوف الإنسان من أن تعطي الاكتشافات الجديدة للبعض وسائل التحكم في إرادة البعض الآخر” [6].

يكمن جوهر العلم في مقولة الكم، أي تحويل كل شيء إلى مقدار، قابل للتكميم والحساب، كيفيات الجوهر وأعراضه، أصبحت أهم منه، وهذا ما يؤكد على “تحول العلم الطبيعي إلى علم رياضي، منهجه كمي تجريبي” [7]؛ إذ قَلَب العلم طريقة النظر إلى الوجود والعالم والإنسان، فلم يعد الأمر يتوقف على تحديد الماهية أو الوصول إلى الحد الذاتي، بناء على البرهان الوجودي أو المنطقي، بغرض تعريف الأشياء بما هو ثابت فيها وليس بما هو قابل للزوال والتغير. الثابت في العلم هو التغير وعدم الثبات، أي محاولة ضبط التغير وفهم صيرورته، وهذا التغير لا يطال الجوهر في حد ذاته وإنما يطال أعراضه، وبذلك يكون العلم هو ضبط تغير التغير، أي محاولة التحكم فيما هو أصلا ليس من طبعه الثبات، وهو زائل ولا يمكن بأيّ حال أن يدخل في تحديد ماهية الجوهر. لهذا يمكن أن نسجل بأن تقدم العلم ناتج عن تغير الجوهر الذي يعمل على حسابه وإخضاعه للغة المقدار ومقولة الكم.

ما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو السيادة في عالم المقولات الأرسطية لم تعد للجوهر، أو المقومات الذاتية التي بها يحد الشيء ويعرف، وإنما أصبحت السيادة للمقولات العرضية، بمعنى آخر، انقلاب في الجوهر حدث بواسطة العلم وريادته، أو قيادته للعقل الإنساني؛ أصبحت مقولة الكيف هي الجوهر الفعلي الذي يحرّك العالم ويسود عليه، كل شيء قابل للحساب والكم والمقدار، كل شيء يُقوَّم كميا. لقد ترتب عن قلب الأدوار على مستوى الأهمية والأولوية، بين الجوهر وأعراضه، إلى سيادة العقل باعتباره فاعلا وليس منفعلا، أو أنه بفعل التطور الذي وقع في العقل أدى به إلى السيطرة والقيادة، وما أعطاه هذه الإمكانية هي مقولة الكم، بحيث تحول العقل إلى مقياس يعتمد على الحساب، ولغته لغة حساب الكم؛ لقد أصبح التفكير قائما “على التجريد والقياس الكمي الذي تتم فيه معالجة المعرفة بوصفها تجسيدا لقيمة تبادلية محددة في سوق الشخصية” [8]. ترتب عن هذه السيادة نتائج على مستوى الوجود الإنساني، أو أن معنى الوجود الإنساني أصبح يعطى للأداة أو الوسيلة، وهو انقلاب آخر على الوضع الإنساني، إذ أصبح الإنسان وسيلة لما كان له وسيلة، أي تحول الإنسان إلى وسيلة للوسيلة، وأداة للأداة، “من هنا تعتبر ملاحظة سطحية تلك التي تؤكد على أن الإنسان قد أصبح عبدا للآلة، ذلك أن إبداء مثل هذه الملاحظات شيء وشيء آخر أن نتفكر ونبحث، ليس فقط بدرجة خضوع الإنسان المعاصر للتقنية، بل أيضا بدرجة التكيف مع جوهر التقنية التي تبقى مطلوبة من الإنسان بمدى الإمكانيات الأصيلة التي يتيحها مثل هذا التكيف، وهي إمكانيات ذات أثر على الوجود الإنساني الحر” [9]. وتأثر هذا الوجود بالخصوص على مستوى الحرية، بحيث “لم نعد في خطر أن نصبح عبيدا، بل أن نصبح بشرا آليين” [10]. فأصبح الإنسان مستلبا أو مغتربا، وآفة الإنسان في العالم المعاصر، الذي ساد فيه العقل العلمي بالخصوص، هما الاستلاب والاغتراب [11]، فقبل هذه السيادة “كان الإنسان يشعر أنه يضع يده في زمام الأمر، إن جاز القول، وبأنه متحرر من هيمنة القوى الطبيعية، قد أصبح سيدها في أول مرة في التاريخ. فقد تحرر من أصفاد الخرافة القروسطية، ونجح حتى السنوات المئة بين 1814 و1914 في خلق عصر من أكثر العصور التي عرفها سلاما. وشعر أنه فرد، لا يخضع إلا لقوانين العقل، ولا يتبع إلا أحكامه” [12]. لكن، الأمر انقلب على الإنسان، وبدأ العقل يسود ويتسلط، وبدأ “يتميز النمو بازدياد إحلال العمل الآلي محل العمل اليدوي، وفوق ذلك بإحلال الذكاء الآلي محل الذكاء البشري” [13]. وبالتالي، من نتائج سيادة العلم من خلال الحساب ومقولة الكم، بناء على عملتي التكميم أو القياس الكمي، والتجريد، سقوط الإنسان في حالة من الاغتراب، وهي حالة ناتجة عن غياب الحرية عن الوجود الفردي والاجتماعي. إذن، تكمن أزمة الإنسان الحديث في الاغتراب، وهي كلمة تتردد كثيرا، وهو ما جعل محمود رجب يفتتح كتابه “الاغتراب” بما يلي “ولو وجه علماء اللغة أجهزتهم لرصد ما يكتبه الباحثون والنقاد والفلاسفة في عصرنا الحاضر، فإنني لأراهن على أن كلمة “الاغتراب” سوف تحظى بالأولوية من حيث تردادها” [14].

الذكاء الاصطناعي واغتراب الإنسان

لقد حدث انقلاب جذري في الوضعية الأنطولوجية للإنسان مع سيادة العلم وسطوته، انحاز الإنسان عن موطن الوجود، فلم يعد الفاعل أو الذات المفكرة، ولا الكائن الأخلاقي، أو الحيوان السياسي والاجتماعي، وإنما تحول إلى رقم أو عدد أو أصبح آلة تتحكم به التقنية. سوف يتقلّص في هذا الانقلاب دور مختلف المجالات التي تبحث عن معنى الوجود، وعن ماهية الإنسان، لن يكون هناك مجال للتفكير ولا لطرح الأسئلة بصفة جوهرية. وبناء على ذلك، يمكن تعريف الإنسان بأنه حيوان آلي أو تقني، بعدما سمح لنفسه بأن يكون أقل من مرتبة الأشياء، بدليل أن هذه الآلية أو التقنية هي التي أصبحت تتحكم فيه، وتسيّره كما تريد لا كما يريد هو. وتكمن هذه الآلية في غياب التفكير والتعقل، وتعويضهما باليد، وما دامت اليد هي من تشتغل في الإنسان أكثر من الفكر والعقل، فلا خوف على مستقبل الإنسان الآلي أو التقني. وبالتالي، “ترد كلمة ‘الاغتراب’ في سياق ذلك النقد الذي غالبا ما يوجه إلى طبيعة العمل وسيره في المجتمع الصناعي وفي الأجهزة البيروقراطية للدولة، والذي يبين كيف صار الإنسان في المجتمع التكنولوجي القائم على الإنتاج الآلي وتقسيم العمل” [15].

إن المطلوب من سيادة العلم هو مَحْق التفكير، أو جعل الإنسان لا يفكر، ولا يطرح الأسئلة ويبحث عن الأجوبة، ويكابد مشقة ذلك، وإنما أصبحت الأجوبة متاحة وبشكل نمطي وكلي، يطغى عليها الشمولية، والمجيب في هذه الحالة لا أحد، إنه الذكاء الاصطناعي. لم يعد الإنسان يستطيع رفع رأسه ليفكر فيما حوله أو ما يحيط به، إنه السلب المطلق، أو النفي العدمي. وهكذا، انتقل العلم من مرتبة الوسيلة إلى مرتبة الفاعل، وتحولت الطبيعة إلى صورة، والإنسان إلى تقنية.

لقد كان ما قبل الرقمنة، أي التحول الرقمي، الحديث عن الاغتراب والاستلاب، كنتائج للتحول والتطور الذي أحدثه العلم على الوجود الإنساني؛ أما الآن أصبح الحديث عن أزمة جديدة، تتمثل فيما يسميه ألفين توفلر “بصدمة المستقبل”، ويعتبر “صدمة المستقبل هي العجز المذهل عن التكيف الذي يأتي في ركاب الميلاد المبتسم للمستقبل. ومن ثم فقد تكون هذه الصدمة هي أخطر أمراض الغد” [16].

تعني صدمة المستقبل عدم قدرة الإنسان على التكيف السليم مع التغيرات التي تجري حوله، وكذا عدم إدراك حدوث هذا التغير والذي هو بفعل الزمن وليس الإنسان، أي خارج حدود الإنسان. إن جريان الأحداث يحدث انفصالا بين الإنسان والزمن، سواء في إدراكه أو الإحساس به. ومن ثمة انعكاس سرعة نقل الأحداث والوقائع عبر مختلف الوسائل التقنية على تصور الإنسان للزمان، بحيث امتلأ الزمان بالأحداث ولم يعد لدى الإنسان القدرة على الانتباه لجريانه. وهكذا، تعد “صدمة المستقبل ظاهرة زمنية من نتائج المعدل المطرد لسرعة التغيير في المجتمع، وهي تنشأ من عملية التركيب لثقافة جديدة فوق ثقافة قديمة” [17]. وبالتالي، إذا أصبح “التغيير خارج نطاق التحكم” [18]، أو “لم نستطع أن نتحكم في معدلات التغيير في شؤوننا الخاصة، وفي المجتمع ككل، فإنه مقضي علينا لا محال بالتعرض للانهيار الجماعي، كنتيجة لعجزنا عن التكيف مع عملية التغيير” [19]. إن ما ينتظر الإنسان كنتيجة لذلك، هو الانقلاب الجذري في الوجود الإنساني.

يقترح توفلر لمواجهة المصاعب المتزايدة، الاستعانة بآلية فهم المستقبل، إذ “لا يقتصر هدف هذا الكتاب على مجرد تقديم نظرية، بل إنه أيضا يستهدف عرض منهج. لقد درس الإنسان الماضي ليلقي الضوء على الحاضر، ولكنني قلبت مرآة الزمن مقتنعا بأن صورة واضحة للمستقبل يمكن أيضا أن تمد حاضرنا بعديد من البصائر التي لا غنى عنها. إننا سنواجه مصاعب متزايدة في فهم مشكلاتنا الشخصية والعامة، إذ لم نستعن بالمستقبل كأداة للفهم والادراك” [20].

حتمت أزمة كورونا على مختلف الدول والمجتمعات والأفراد ضرورة الانتقال من التعامل عن طريق ما هو ورقي إلى التعامل عن طريق ما هو رقمي، سواء تعلق الأمر في العمل عن بعد أو ممارسة السياسة عن بعد، اتخاذ القرارات عن بعد، محاكمات عن بعد، حتى الانتخابات أصبحت تتم عن بعد، هذا الانتقال سوف يغير معنى الكثير من المفاهيم، خصوصا مفهوم الحرب، وما يتبعه من مفاهيم السيادة والحدود والتدخل الأجنبي، وحتى مفهوم الاستعمار. سوف تكون الحروب في المستقبل تتم عن طريق صناعة الفيروسات الإلكترونية، ولن يتعلق الأمر بالعتاد الحربي وما تملكه الدول من جنود وطائرات ومدرّعات وقاذفات الصواريخ ونظام الدفاع، وإنما سوف يتعلق الأمر بقدرتها على صناعة أسلحة جديدة ترتبط بالعالم الرقمي. وبالتالي، لا يتطلب الأمر في خرق سيادة دولة ما، القيام بالتدخل الميداني لمجموعة من الجنود، مثلما حدث في الانتخابات الأميركية عن طريق التصويت بواسطة البريد الإلكتروني، أصبح الأمر يتعلق بالحدود الرقمية، أو السيادة الرقمية، وبمجرد اختراق النظام الرقمي، يكون قد حصل التدخل في سيادة دولة ما. لم يعد الأمر يتعلق بالحدود الواقعية بين الدول وإنما بالحدود الرقمية الموضوعة إلكترونيا أو المتفق عليها، أو ما له رمز سري لا يتاح إلا لمن يمتلك هذا الرمز. أصبحت الحدود عبارة عن رموز سرية، ترتبط بمجال الخصوصية بدل الحديث عن السيادة، بمعنى آخر تتعلق السيادة بسياسة الخصوصية. وهكذا، يمكن تعميم السيادة والانتقال بها من سيادة الدول على حدودها إلى سيادة الفرد على خصوصيته من الناحية الرقمية.

مبدأ السببية أو الحتمية

يرتكز العلم على مبدأ عام اكتشفه في الطبيعة، وهو مبدأ يمكن تسميته بأسماء، لكن جوهره لا يتغير بفعل تغير أسمائه، وهو مبدأ الحتمية، أو مبدأ السببية، أو مبدأ العلية، وهو مبدأ تتأسس عليه العلوم الطبيعية بالخصوص، أو ما نسميه بالعقل التجريبي، ويعتمد الفهم على إرجاع ما يجري إلى أمر خفي، يعمل العقل على تقفّيه، وتتبعه، ويجب في هذا المبدأ أن ينتهي عنده كل بحث وتقصّ، أي لا يجب البحث عما هو فوق هذا المبدأ أو من يحركه ويتحكم فيه، وإنما ما يجب الانتهاء إليه في البحث، إنه المبدأ والمنتهى، منه تبدأ الظاهرة، وعنده ينتهي التفسير والفهم. يعد هذا المبدأ بمثابة المركز الذي يحوم عليه كل من العقل والطبيعة و”دون هذا المبدأ العظيم كان مستحيلا أن يولد العلم الحديث” [21]؛ هذا فيما يخص العقل العلمي في صيغته التجريبية، لكن الأمر مختلف في العقل الرياضي المجرد، انحرف عن المسار، وأدخل الاحتمال في لغته الرياضية؛ فأصبحت النتائج في الرياضيات احتمالية، أو مجرد إمكانية من إمكانية الحدوث والوقوع. أعطى الاحتمال في الرياضيات فرصة لإمكانية الحرية داخل مجال العلم، والتحرر من مبدأ العلية الصارم، والانفلات من قبضة الحتمية والضرورة.

تفسير الظاهرة أو السلوك الإنساني وفق هذا المبدأ، يعتمد على الإقران والربط بين شيئين على الأقل: السبب والنتيجة، ولا يمكن حدوث النتيجة دون سبب أدى إلى ذلك، وهذا الإقران لا يخلو عقل منه، حتى العقل الخرافي أو الأسطوري، إذ هو الآخر يعمل على إرجاع حدوث النتيجة إلى شيء ما، وإن كان السبب تختلف طبيعته بين الطبيعة المفارقة للسبب بالنسبة للعقل الخرافي، والطبيعة المحايثة بالنسبة إلى العقل التجريبي. إذن كلا العقلين يعملان بنفس الطريقة مع اختلاف في مضمون التفسير أو المسبّب الرئيسي للظاهرة.

ينفي العلم الحرية، نظرا للمبدأ الذي يعتمد عليه، والذي يتأسس على الحتمية، أو مبدأ السببية، ومقتضى هذا المبدأ استقراء المعطيات من خلال البحث عن العلة الفاعلة المباشرة في حدوث الظاهرة، وبناء عليه يمكن إرجاع نفس الظاهرة لنفس السبب، ويمكن تعميمه، ويصبح صالح لكل فهم وتفسير يقع بنفس الكيفية، بمعنى آخر، يتميز هذا المبدأ بالتكرار والإعادة، وقد ينتقل من مبدأ جزئي يفسر الظاهرة إلى مبدأ عام يشمل كل الظواهر التي تحدث بنفس الطريقة. ويخضع هذا المبدأ للضرورة، بحيث لا مجال للاختيار، أي لا يمكن للظاهرة أن تختار السبب الفاعل في حدوثها، وإنما كلما توفرت أسباب معينة، حدثت الظاهرة مباشرة، وإذا تكررت نفس الأسباب حدثت نفس النتائج بالضرورة، ولا يمكن أن يحدث غيرها بالضرورة. من هنا يمكن القول إن العلم يلغي الحرية، ويجعل نفسه في نقيض تام معها، وتعارض مطلق، بحيث لا يمكن أن يجتمعا، أي إذا وجد أحدهما ارتفع الآخر بالضرورة. وبالتالي، يتميز مبدأ الحتمية بالتكرار والتعميم والثبات، والوحدة، أي أن التفسير الوحيد بالضرورة وليست هناك إمكانية لحدوث غيره بالضرورة، ومن ثمة فهو دائم ويصلح لكل زمان وفي كل مكان وتحت مختلف  الظروف. إذن، “منذ أرسطو والفلاسفة والعلماء يعتقدون أن مبدأ السببية هذا يحمل ضرورة؛ وأنه دون افتراض هذه الضرورة لا يمكن لقوانين العلم التجريبي أن تقوم. فيستحيل، مثلا، تصور قطعة معدن سُخنت دون أن تتمدد. ويستحيل تصور امتناع جسم، ترك حرا في الهواء، عن السقوط. إن مبدأ السببية هو روح قوانين العلم، وإن خاصية الضرورة التي من المفترض أن تربط بين الأسباب والنتائج هي روح هذا المبدأ” [22].

وبناء على مبدأ الحتمية، لا ينم الإنسان عن هذا المبدأ أو يستثنى، إذ يمكن فهم ما يقوم به وتفسيره، بل وحتى التنبؤ بما سيقوم به، مثلما يمكن فهم ظاهرة من ظواهر الطبيعة. ولهذا لا يمكن للإنسان أن يكون محكوما دون شيء، أو بأمر سابق، يصح به وجود الإنسان وتعليله، وكذلك إيجاد تفسيرات لسلوكاته وأفعاله. ومن ثمة لا يمكن للحدوث أن يكون من تلقاء نفسه، أو استحالة إيجاد تفسير محتمل. لذلك ينتمي الإنسان إلى الطبيعة، وأحد عناصرها الجوهرية، وخاضع لنظامها، ولا يمكنه خرق العادة أو النظام الكوني، والذي يمكن فهمه بالعلم وليس بشيء آخر. يتميز هذا النظام بالضرورة، والحتمية، والاطّراد القائم على الاتساق والتتابع، وهذا يعني أن الفهم مرهون بما هو متاح الآن، وقابل للفهم، وليس ما يمكن أن يكون عليه العلم، بحيث قد تأتي نظرية علمية في المستقبل، تنفي مبدأ السببية، أو الحتمية، وهدم مبدأ اطراد الظواهر وتتاليها وتتابعها، وبذلك لا يبقى مع هذه النظرية أي مجال لفهم النتيجة بالبحث عن أسبابها المباشرة أو غير المباشرة.

الشرط الأنطولوجي هل هو التحرر أم الحرية؟

إذا كان الإنسان هدفه التحرر، أو أن فعله يريد دائما أن يتحرر مما يمكن أن يحدّ من حريته، فلن تتحقق الحرية كماهية أو كوجود بالنسبة إلى الإنسان، مادام هذا الأخير في موقع ضعف وليس قوة، حيث يسعى إلى التحرر من شيء أقوى منه، يقيده، يحد من حريته. يكافح الإنسان من أجل الحرية، لكنها لن تكون واقعه الفعلي. قد نقول إن الدعوة إلى الحرية دعوة مثالية، ترتبط بما ينبغي أن يكون، وما هو كائن يخالف هذه الدعوة. إن المدعى الذي يسعى فيه الإنسان، محاط بشتى أنواع القيود والحدود، والأغيار، بحيث إذا تحررت من هذا القيد، سقطت في قيد آخر أقوى منه، وهكذا دواليك. وبالتالي، “ماذا يعني أن نولد أحرارا ولا نعيش أحرارا؟ ما قيمة أيّ حرية سياسية إلا بوصفها وسيلة للحرية الأخلاقية؟ هل الحرية التي نتبجح بها أن نكون عبيدا أو نكون أحرارا؟” [23].

ترتبط الحرية أكثر بمجال الخلق، والإبداع، والابتكار، لأنها بهذا المعنى خروج عن المألوف، بدعة ما سبق إليها أحد، معجزة باعتبارها خرقا للعادة، وما ألفه الناس، ومن ثمة تقوم الحرية على فعل الخلق الذاتي [24]؛ أما غير ذلك فيمكن تسميتها بالعادة أو التكرار، والخضوع، والانقياد، السير مع القطيع، والمطلوب القطيعة مع مثل هذه الممارسات. وبالتالي، تبقى الحرية دون معنى، إذا لم تخلق في الإنسان إمكانية للتطور، والتغير، والتقدم؛ أما إذا كانت الحرية عائق أمام كل تطور ، وهذا محال، فإن الأمر يقتضي الارتداد عليها، بحيث قد تنقلب الحرية على ذاتها وتتحول إلى نقيضها، أي العبودية. تحمل الحرية نقيضها معها، أو أنها من المفاهيم التي تحوي نقيضها معها، فـ”الحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها. ولكن هل تعني الحرية إنكار الضرورة كما يظن البعض؟ كلاّ. فالحرية والضرورة تفترض كل منهما الأخرى. فالضرورة شرط أساسي لممارسة الحرية. والحرية هي احتواء للضرورة وتحرر من نواميسها. فلا بد للحرية كل حرية من مجال تعمل فيه وأسس تقوم عليه” [25]. لكن، لا وجود لحرية بالمعنى المطلق، لن تتحقق الحرية بالتحرر المطلق من قيود الأغيار، كيفما كان هذا الغير الذي يتحكم في هذه الحرية، وينصب الموانع والحواجز أمامها. لذلك قد نقول إن الحرية كفاح مستمر، مواجهة، كفاح من أجل التحرر للدخول في تحرر جديد. الإنسان غير الحر هو الإنسان الذي توقف عن الكفاح، قرر الاستسلام، لم يرد مواصلة الطريق. من هنا يمكن الحديث عن حدود الحرية، فحدود الحرية هي الحرية ذاتها وليست الحتمية. من هنا أصبح المطلوب الآن هو التحرر من الحرية لأنها أصبحت قيدا لنا. وبالتالي، “يمكن فهم الحرية على أنها خضوع لضرورة العقل، مع العمل على التحرر من جبرية العلل والأسباب المادية. الحرية ليست خلقا من العدم أو قدرة إبداعية مطلقة، بل هي اختيار عقلي يقوم على تقدير البواعث وفهم طبيعة المؤثرات (…) والسلوك الحر هو ثمرة الوعي لقوانين الأشياء وتكيف التصرفات مع الضرورات الخارجية. وهكذا قيل “إننا لا نأمر الطبيعة إلا بعد أن نطيعها” [26]. إذن، كيف يمكن فهم التناقض التالي: الحرية هي الخضوع لضرورة العقل، وأنها اختيار عقلي، ومادامت الحرية ليست خلقا من عدم، وأنها خاضعة للضرورة سواء كانت عقلية أو غيرها، فهذا يعني أن الحرية محكومة بشيء ما، ويتحكم فيها، وهو الأمر نفسه الذي يخلق الاعتقاد لدينا بوجود الحرية. قد نقول بهذا الاعتبار إن الحرية تحرر من الحتمية للسقوط في حتمية أخرى، وكأننا ندور في نفس الدائرة.

وهكذا نسجل انحراف العلم عن المسار الذي وجد من أجله، أو انقلاب الهدف على ذاته، فبعد أن كانت الغاية من العلم تسخير الطبيعة لخدمة الإنسان، وتحريره من قوانينها، فإذا بالأمر ينقلب إلى رغبة في السيطرة على الطبيعة واستعباد الإنسان، أو لنقل فهما أوسع للإنسان بهدف التحكم فيه وتقليص هامش الحرية لديه، من خلال إخضاعه لمنطق العلم. وهكذا، نصل في الختام إلى مجموعة من المطالب، في شكل ما ينبغي أن يكون من العلم في علاقته بالحرية. فالمطلوب من العلم تحرير الإنسان من الحتمية الطبيعية، وفهم أوسع للمبادئ التي ترتكز عليها، بمعنى آخر التحرر من التبعية للطبيعة. والمطلوب الآخر، هو التحرر العقلي من الخرافة والأسطورة، وكذلك تحرير السلوك من فكرة التضحية وتقديم القرابين، أي تحرر الإنسان من الوصاية سواء كان مصدرها علويا فوقيا أو أرضيا، أي من نفس طبيعة الإنسان. والمطلوب في الحرية التحرر بوصفها تمردا على القوانين الطبيعية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والدينية.

الهوامش:

[1] ـ حامد، حسام الدين، الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم، مركز تفكر للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى، 2015. ص40.

[2] ـ دوبري، ريجيس، حياة الصورة وموتها، ترجمة فريد الزاهي، دار النشر أفريقيا الشرق، 2000، ص283. ويقدم مؤلف الكتاب مثالا على ذلك ما حصل “في أميركا اللاتينية، ادعت إحدى الطغم العسكرية الحاكمة في الصحافة موت أحد الأجانب في المعركة، بعد أن نفت أنها تحتجزه رهن الاعتقال. بيد أن حظ الطغمة كان سيئا، فقد كان أحد المصورين الهواة قد التقط صورة للشخص الأجنبي في إحدى القرى النائية بعد اعتقاله، وقام بنشرها بعد ذلك بقليل في الصحافة. هكذا أفلت الأجنبي من الإعدام الذي كان مقررا له، بل تمت محاكمته ونفى عن نفسه تهمة حيازة السلاح والانتماء لحرب العصابات.  لكن الحظ السيء نفسه أصابه هو أيضا، فقد كان أحد المحاربين يلتقط الصور أثناء المقاومة السرية، وقد تم العثور على الأشرطة وتحميضها، فكان أن أثبتت إحدى الصور عكس ادعائه. لقد تم الحكم عليه بالعقوبة القصوى”.  نفس المرجع ص 283.

[3] ـ نفس المرجع، ص 272.

[4] – العروي، عبدالله، مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، الطبعة الخامسة، 1993، ص89.

[5] – العروي، عبدالله، مفهوم الحرية، مرجع سابق، ص 89.

[6] ـ  نفس المرجع، ص 89. ويقول أيضا “لذا نشاهد أن المجتمع المعاصر يتخوف أكثر فأكثر من أن يتحول العالم من عضد للحرية إلى عدو لها، والعلم من وسيلة لتحقيقها إلى خطر عليها. وكما كان الباعث على النقاش حول الحرية في القرون الوسطى إرادة التوفيق بين اختيار الإنسان والقدر الإلهي، فمن أهم أسباب تجديد النقاش حول الموضوع اليوم هو محاولة التصالح بين حرية الوجدان وحتمية العلم الطبيعي”. نفس المرجع، ص 89.

[7] ـ نفادي، السيد، الضرورة والاحتمال بين الفلسفة والعلم، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2009.

[8] ـ فروم، إريك، المجتمع السوي، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى، 2009، ص ص 228 – 229.

[9] ـ هايدجر، مارتن، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بدون طبعة ولا تاريخ النشر، ص 24.

[10] ـ  فروم، إريك، المجتمع السوي، مرجع سابق، ص212. ويقول أيضا “إن الآلات تكيَّف مع ضعف الكائن الإنساني، من أجل تحويل الكائن الإنساني الضعيف إلى آلة”. فروم، إريك، مفهوم الإنسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى، 1998، ص 68.

[11] ـ يقول إريك فروم في كتابه “مفهوم الإنسان عند ماركس” عن الاغتراب ما يلي “إن الاغتراب هو، جوهريا، ممارسة للعالم وللذات بشكل سلبي وبتلق، كما لو أن الذات هي في حالة انفصال عن الموضوع”. نفس المرجع، ص 63. ويقول أيضا “إن مفهوم الاغتراب يرتكز على التمايز بين الوجود والجوهر، على حقيقة أن وجود الإنسان مغرَّب عن جوهره، وعلى أنه في الحقيقة ليس هو ما هو كامن فيه، أو إذا أردنا وضعها بشكل آخر، إنه ليس ما يجب أن يكون ما هو باستطاعته أن يكونه”. نفس المرجع، ص ص 65 – 66.

[12] ـ فروم، إريك، المجتمع السوي، ص 208.

[13] ـ نفس المرجع، ص 214.

[14] ـ رجب، محمود، الاغتراب “سيرة مصطلح”، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1988، ص 5.

[15] ـ نفس المرجع، ص 5.

[16] ـ توفلر، ألفين، صدمة المستقبل، ترجمة محمد علي ناصف، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1990.

[17] ـ المرجع السابق، ص11. ويقول ألفين توفلر أيضا “إننا لم نعد ‘نحس’ بالحياة كما كان يحسها الناس في الماضي. هذا هو الفارق الجوهري المميز حقا للإنسان المعاصر عن كل سابقيه؛ لأن هذا التسارع هو القوة الكامنة خلف اللاثبات، خلف الزوال الذي يتغلغل في شعورنا ويصبغه، ويؤثر جذريا في علاقتنا بالآخرين، وبالأشياء، وبعالم الأفكار والقيم”. نفس المرجع، ص 17.

[18] ـ نفس المرجع، ص 19.

[19] ـ نفس المرجع ، ص 2.

[20] ـ توفلر، ألفين، صدمة المستقبل، ص4.

[21] ـ مارتن، هيدجر، مبدأ العلة، مرجع سابق، ص29.

[22] ـ بن ميس، عبدالسلام، السببية في الفيزياء الكلاسيكية والنسبانية دراسة إبستيمولوجية، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1994، ص15. وفي نفس السياق يقول السيد نفادي: “ما من شك في أن القانون العلمي التقليدي الذي صِيغ من قبل هؤلاء العلماء وغيرهم، لم يكن يسمح مطلقا بالاحتمال أو عنصر المصادفة، فقد كانت القوانين العلمية التقليدية قوانين ضرورية مطلقة، تقوم على مبدأ السببية واطراد الحوادث في الطبيعة، فإذا ما تطرق إليها شك، أو شابها احتمال، أو شذ عنها استثناء واحد، عصف بها”. كتاب الضرورة والاحتمال، مرجع سابق، ص 6.

[23] ـ فروم، إيريك، المجتمع السوي، مرجع سابق، ص 335.

[24]ـ فروم، إريك، مفهوم الإنسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى، 1998، ص 54.

[25] ـ بيطار، سالم، اغتراب الإنسان وحريته، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، 2001، ص 105.

[26] ـ نفس المرجع ، ص 105.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق