سياسة

خارج المتاهة

كُلٌّ إلى تخصُّصه وواجباته

محمد عتيق

تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة، غير سياسية! ما معنى حكومة تكنوقراط غير سياسية؟ ما معنى غير سياسية وهي قادمةٌ لممارسة السياسة، لتنفيذ خطط وبرامج سياسية، إلى الموقع السياسي الأول في البلاد؟ نفهم أن المقصود بالتكنوقراط أن يكون الشخص متخصصاً – إن لم يكن عالماً – في مجالٍ ما، كأن نأتي بالمتخصص في العلوم الزراعية إلى وزارة الزراعة والاقتصادي إلى وزارة الاقتصاد والتربوي إلى وزارة التربية والقانوني إلى وزارة العدل وهكذا، وهذا “التكنوقراطي” وإن لم يكن سياسياً في اهتماماته سيكون سياسياً بالواجب والدور عندما يتم اختياره عضواً في حكومة تكنوقراط. فهل من الأفضل أن يكون ذلك التكنوقراط سياسياً في الأساس (بالاهتمام أو الانتماء) أم أن يقفز على “سرج” السياسة مستجِدَّاً فيها بعد اختياره عضواً/وزيراً في حكومة تكنوقراط؟

ومن جانبٍ آخر، ما معنى مستقل؟ هل هنالك إنسانٌ مستقلٌّ في شئون وطنه إلّا أن يكون محافظاً يرغب في استمرار الأوضاع كما هي لوجود مصالح له مع النظام القائم؟ حتى هذا لا يكون مستقلاً وإنما هو وبالنتيجة منحاز للوضع السائد رأسمالياً كان أو اشتراكياً أو طائفياً، الخ، الخ. لا مستقل مطلقاً عندما يتعلق الأمر بالوطن وأحواله في الحاضر والمستقبل. لا معنى في الحقيقة عندما ننادي بحكومة كفاءات غير سياسية أو تكنوقراط مستقلين كما يردد الضيوف المنتظمون على الفضائيات العربية ممن يطلقون على أنفسهم لقب الخبير في الشئون الاستراتيجية، الأمنية الخ ..الخ ..

في الحالة الراهنة تحديداً؛ هي دعوة غير بريئة، عندما ننادي بتشكيل حكومة يجب أن نفهم أنها سياسية لأن الحكومة نفسها (مجلس الوزراء) وظيفة سياسية. يمكننا – حسب الظروف – المطالبة بحكومة تكنوقراط، متخصصين دون أن ننفي عنهم أنهم سياسيون ويمكن أن تكون لهم، أو لبعضهم، انتماءات حزبية؛ أن نعثر على عشرين أو ثلاثين (حسب عدد الحقائب الوزارية) شخصاً مؤهلاً ومفيداً للوطن، حتى لو كانوا حزبيين من حزبٍ واحد في الفترة الانتقالية، خيرٌ لنا ولوطننا الالتفاف حولهم ومؤازرتهم لتكون البرامج وتفاصيلها هي مظانّ التنافس في الانتخابات العامة بعد إنجاز التحول الديمقراطي. خلاصة القول إذاً: أن مطلبنا هو الحكومة المؤمنة بأهداف ثورة ديسمبر (حرية سلام وعدالة) وتأسيس الوضع الديمقراطي المدني الكامل، الحكومة وأفرادها القادرون على ذلك هم مطلبنا الآن إذ لا وجود لمستقلين غير سياسيين في عالم الحكومات حيث ممارسة السياسة في أجلى صورها، تحقيق الأهداف والشعارات وامتطاء خيول الشرعية الثورية بحقِّها .. وإذا كانت حالة من التوازن، أو قُل توازن الضعف بين الحركة السياسية والقوات النظامية، قد فرض على الثورة أن تقيم شراكةً بينهما بعد مفاوضاتٍ نتجت عنها وثيقة دستورية وإعلان سياسي، إلّا أن الطرف العسكري-وبالتجربة- قد أثبت سوء نيَّة وتربُّصاً بالغاً بالثورة والوطن، فبعد كل التجاوزات والاعتداءات المعروفة التي ارتكبها، أقدم المكون العسكري على انقلابه الساذج والقبيح في ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١، الذي فضح نفسه فيه عندما:

أعلن في بيانه الأول إلغاء جملةٍ من مواد الوثيقة الدستورية أبرزها تلك التي تنظم اختصاصات مجلسي السيادة والوزراء، توصيف المجلس السيادي وأنه (مجتمعاً) القائد الأعلى للقوات المسلحة والدعم السريع والنظامية الأخرى، وتلك الخاصة بتكوين واختصاصات مجلس الوزراء، وإلغاء المادة التي تلغي المجلس العسكري الانتقالي (لجنة البشير الأمنية التي كانت قد نصَّبت نفسها حاكماً للبلاد حتى ٣٠ يونيو ٢٠١٩)، ثم المادة التي تنظم مسألة تبادل رئاسة المجلس السيادي بين المدنيين والعسكريين (كانت ستؤول للمدنيين في نوفمبر ٢٠٢١ الجاري).

وفي معرض إنكاره أنه قام بانقلابٍ عسكري، أدلى البرهان بتصريح صحفي يقول فيه أنه لا أحد يقوم بانقلاب ضد حكمه وسلطته!! معترفاً – ضمنياً وفي اضطرابٍ واضح – أنه كان حاكماً أيضاً (وبوضع اليد) قبل انقلابه!

هكذا يؤكد البرهان أن الشراكة مع المكون العسكري خطر ماحق على المكون المدني، وأن مواجهته – هو وحليفه الجنجويد – بمزيدٍ من الدماء والأرواح إلى أن يلحق بسيده رأس النظام الساقط أوفر وأكرم للثورة وللوطن. ولسوء حظ العسكريين أن ممثليهم ليسوا من شرفائهم، مفروضون تلاحقهم سِيَرٌ وتواريخ سيئة، فضلاً عن أنه قد آن أوان الانصراف؛ كُلٌّ إلى تخصصه وواجباته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق