ثقافة وفن

فريدة

معتصم الحارث الضوّي

كانت ظاهرة منعشة.

التقيتُها ذات يوم رائع. كانت الشمس تتسللُ بين الأشجار حانية لتمنح الدفء والضياء.

لمحتُها، فسقطَ قلبي على رصيف الشارع. أسرعتُ التقطُ القطع المتبعثرة، ولكن بعضها اختبئ في زوايا العشق لأول مرة.

منحتني نظرة، فسبحَ عقلي في الآمال. عرّفتني عليها صديقتنا المشتركة. فريدة، اسم على مسمى!

سرنا في تلك الجادة وارفة الظلال، فمالت أغصان الأشجار لعلها تحظى بنفحة من عبيرها، وانتظمت شحاريرٌ على هيئة سهم كيوبيد، ثم صوّبته نحو فؤادي، فأردتهُ صبّا.

تحايلتُ مرارا لألقي عليها نظرات جانبية متلصصة. اختلستُ فرصة انشغال صديقتنا المشتركة «س» لأُشبع عيني من مُحيّاها، وكنتُ لا أدري أنني أسكبُ من حيث لا أعلم المزيدَ من اللهب على الهشيم.

صرتُ اتصلُ بصديقتنا «س» أكثر مما كنتُ أعتاد، وفطنت الشقية إلى مُرامي. كانت تضحكُ ملء شدقيها على معاناتي، ولكنها رضخت مُشفقة في نهاية المطاف، وخططتْ لبعض المقابلات التي رتبتها وكأنما حضوري كان مصادفة بحتة.

استلطفتني، وأصبحتْ ترتسمُ على وجهها علامات الأنس برؤيتي. تبادلنا أرقام الهواتف، وقضينا ساعات مطوّلة عبر الإنترنت أيضا. يا إلهي! لكم تتقاربُ أفكارنا.

أحسستُ بأنها رفيقة روحي، بل امتدادٌ جسديٌ خارج الجسد الذي أحمله ويحملني ليل نهار.

فاتحتُها برغبتي في الاقتران بها، فظهرَ شبحُ ابتسامة حزينة على أطراف شفتيها، ثم أجابتني بصوت مبحوح: مستحيل!

حاولتُ استدراجها لتخبرني السبب، فتمانعتْ طويلا، ثم صارحتني.

قضينا شهورا سعيدة برغم سقوط الأمل. لاحقا، بدأت مرحلة العلاج. تغيّرت ملامح وجهها المشرق، وشرعت ترتدي حجابا عصريا، لعلها تُخفي البقع الجرداء التي بدأت تستشري.

تدريجيا أصبحتْ تصرفاتها مشوبة بشيء من العصبية، وتعلمتْ التدخين بشراهة.

تفهمّتُ صراعها الداخلي، وسكبتُ من حناني على عذابها ما أطفئ بعض لهيبها.

ذات نهار كالح، أتاني صوتها عبر الهاتف:

– كيف صحتك؟

– بخير يا عزيزتي. أخبارك؟

– أنا في المستشفى. يبدو أن الستار سيُسدل بعد قليل.

سقطَ قلبي تحت رجلي. جريتُ خارج المكتب، وانتحبتُ حتى انتفخت عيناي.

فتحتْ عيناها ببطء، ونظرتْ حولها:

– أما زلتَ هنا؟

– بالطبع!

– لماذا لا تذهب إلى الجحيم؟

أجبتُها باسما: ليس الآن.

– أنا أسِفة.

– ولا يهمك.

– حاول أحد الرعاع هنا إقناعي باستخدام باروكة. تصوّر مدى الصفاقة!

– لا تُحمّلي الموضوع أكثر مما يستحق.

– ولكن لماذا؟ هل أصبحتُ بهذه البشاعة؟ لماذا لا أموتُ وأرتاحُ من هذا العذاب؟

– فريدة. أرجوكِ اهدأي.

– اعذرني لهذه الثورة. تعبتُ، والآلام تتزايد برغم جرعات المورفين.

– لا عليك. سأدعُكِ ترتاحين، ولكني سأعودُ مساء اليوم.

أجابتني بصوت خافت: حتى لقاء قريب، ثم أغمضتْ عينيها.

تلقيتُ اتصالا قصيرا. وضعتُ السماعة ببطءٍ مشلول.

هُزمت الشمسُ، ورحلت فريدة مع غيهب الشفق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق