آراء

كوكاسيات

أعترف أمامكم

عبد العزيز كوكاس

«لدينا ما يكفي من الدين الذي يجعلنا نكره، ولكن ليس لدينا من الدين ما يكفي ليجعلنا نحب بعضنا البعض»

جوناثان سويفت

أعترف أمامكم.. أنا علماني، إذا كانت العلمانية، تعني حفظ حق الناس في الحياة، وحماية الدولة المدنية لكرامة مواطنيها مهما كان لونهم، جنسهم أو موقعهم الاجتماعي أو معتقداتهم.. أنا علماني، أعترف أمامكم بدون أقنعة، لأني أومن بأن مشاكل الفقراء ليست في السماء، ويأس المحرومين ليس قدراً ربانيا أبديا، والفساد ليس تفاوتاً في الأرزاق.. وأن مشاكل الإنسانية في تدبير الرزق والمعاش، والتدافع في الأرض تعود إلى الماسكين بزمام السلطة وليس إلى إرادة ربانية، أو أي سلطة لا متناهية لا راد لقدرها..

أعترف أمامكم أني علماني حد النخاع، إذا كانت العلمانية تعني الشفافية والنزاهة، والاحتكام للقانون دون حاجة لاستخدام تفاضلية العرق أو اللون، الانتماء الاجتماعي أو التمايز النوعي…

أعباد الله أنا علماني، إذا كانت العلمانية تقصد تخليق السياسات العمومية ومشاركة المواطنين في تدبير شؤونهم بأنفسهم، وإن لم يستطيعوا فلهم الحق في الاختيار الحر والنزيه لمن ينوب عنهم، ويظلون يمتلكون سلطة مراقبة من اختاروهم، لأنهم سادة قرارهم لا عبيد أنظمتهم التي تقرر كل شيء باسمهم بدعوى عدم نضجهم أو جهالتهم العظمى…

نعم أنا علماني، إذا كانت العلمانية تعني اعتماد المردودية والكفاءة والاستحقاق في إسناد المناصب والمسؤوليات بدل الزبونية والمحسوبية والانتماء العائلي أو الحزبي أو العقدي.. وما دامت العلمانية تعني أن الأخوة في الله لا تعني الاتكال وترسيخ الجهل ومحاسبة الناس على اختياراتهم الفكرية والإيديولوجية والجمالية والعقدية…

لكن في نفس الوقت احذروا.. فأنا إسلامي أيضا، إذا كان الانتماء للإسلام يعني ألا معبود على وجه هذا الكون يستحق السجود والركوع، والحمد والشكر باسمه، سوى هذا الامتداد الكوني الذي لا علم ولا قدرة بشرية تحده…

أنا إسلامي بشغاف القلب، إذا كان الإسلام يعني المجادلة بالتي هي أحسن، وأننا اخترنا كخير أمة أخرجت للناس، لا لنرمي بالآخرين إلى الجحيم، لأن لنا وحدنا ما اتسع من الأرض وأفق السماء، باعتبارنا أمة محمد (ص) خير الآنام الذي أُنزل عليه القرآن الذي لن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بل لنعي أن في الاختلاف رحمة، وأنه منذ بُلبل اللسان وتمايزت الأجناس خُلقنا للتعارف والتوادد وأن أكرمنا عند الله أتقانا..

أيها الناس، أعلن أمامكم، أني إسلامي قلبا وقالباً، إذا كان الإسلام يعني عدم استعباد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وأن الفقر يكاد يكون كفراً، وهو محرك مآسي لأوجاع البشرية خاصة وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأن التفاوت في الأرزاق ترسيخ وتشجيع لمبدأ التنافس والتزاحم في الأرض، وأن رب السماوات رحيم بالعباد، ولا يُرسخ الطواغيت والاستبداد والجهل، ولا يزكي اقتصاد الريع، والظلم هو أول من نصح بتجاوزه، ولأن الإسلام، وإن كان يجُبُّ ما قبله، أوصى نبي الأمة الكريم (ص) أن يكون رؤوفاً بالعباد، لأنه بُعث كخير الآنام لا ليكون على الناس بمسيطر، إذ لو شاء لآمن كل من خلق دون وجع الرأس.. وحفظ حق الناس في الاعتقاد الحر، وما خلقه من عذاب في حده الأقصى، من رجم وإعدام وقصاص موكول لجهة ذات الاختصاص بالاحتكام في كل عصر إلى ما تحقق من تقدم في مختلف مجالات العلوم.. لأن الإنسان بعد أن هداه الله النجدين، قادر على سن ما يصلح لعصره من قوانين ونظم وأحكام ما دامت غير مناقضة للفطرة التي خلقه عليها رب الأكوان..

أنا إسلامي، ليس لأني شخت وأخاف جهنم، أو لأني وقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً أبتغي نفاقاً الحصول على مقعد في الجنة.. بلى، أنا إسلامي، لأني خُلقت على الفطرة.. ارتديت الإسلام دينا حنيفا، لأني أحس دوماً بالنقصان وفي الحاجة إلى كمال إلاهي، هو من رسخ الاختلاف فينا طبعا، وهدانا النجدين، وعلمنا أن الحق لا يقايض وأن الظلم من الكبائر التي يجب أن تقاوم بالوسائل المدنية والتدافع السلمي هنا والآن.

أنا إسلامي، إذا كان الإسلام لا يعادي الديمقراطية، وينصح الناس بالاجتهاد لما يصلح به عصرهم، ويؤمن بأن الكلام عامة هو حمال أوجه فبالأحرى كلام الله، بشرط عدم التركيز على المتشابه من الآيات لمن في قلبه زيغ، وأن باب التأويل مفتوح على عواهنه، وأن ليس كل من هب ودب ينزع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحد السيف.

أيها العلماني في، أيها الإسلامي في.. تعاليا إلى مائدة التفاوض بلا أسلحة نفي، ولا أحكام مسبقة أورثها الجهل والمصالح وعماء الأنانيات، تعالا إلى كلمة سواء، لما فيه صلاح البلاد ونماء العباد.. سنمشي سوية نحو المؤتلف فينا لنصون المختلف، لنكون ما نحن عليه: متعددين، مختلفين.. متباينين، لكن نحن ما عليه، لا ما يريده أولوا الأمر فينا، أن نكونه بعيداً عن هويتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق