
وضوح الرؤية
خالد البرلوم
اتفاق قائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان و عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السابق يشكل تطوراً خطيراً في مسيرة الثورة السودانية ومستقبل بلادنا. لقد ضخ الحياة في عروق انقلاب ميت و قطع الطريق لمستقبل يحقن الدماء حقيقة و يؤسس لسودان جديد تسوده قيم ثورة ديسمبر.هذا السقوط لم يكن الاول في تاريخنا و في يدنا أن يكون الأخير،
عندما سلم السيد عبد الله خليل ديمقراطية السودان الوليدة إلى قيادة الجيش لم يكن من أعداء الوطن. قد يدهشك ان تعلم أن عبد الله خليل هو أحد أعضاء جمعية اللواء الأبيض وأحد الناجين من ردتها، يحفظ له التاريخ أنه كان يستقطع من راتبه معاشا دائما لأسر رفاقه المسجونين والقتلى.
عندما انقلب نميري علي الديمقراطية شاركه بابكر عوض الله، صاحب المواقف المشرفة في الازمة الدستورية التي اعقبت حل الحزب الشيوعي. ترصعت حكومة نميري وعلي مر تاريخها بمشاركة احزاب سياسية وشخصيات وطنية.
سقطت الجبهة الاسلامية فعليا في العام ١٩٩٥، ازمة اقتصادية طاحنة، تراجع الجيش والدفاع الشعبي في حرب الجنوب، مظاهرات الرفض الواسعة والحصار الدولي و بلوغ العمل المعارض لمؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية في ١٩٩٥. كيف أطالت الجبهة الإسلامية حكمها لأربع وعشرين عاما أخرى؟
بامتصاص دماء خصومها، اتفاقية الخرطوم للسلام، اتفاق الناصر، اعلان الإيجاد، اتفاقية جيبوتي، اتفاق مشاكوس الإطاري، اتفاق نيفاشا للسلام الشامل، اتفاقية القاهرة، اتفاقية ابوجا و ما لا يسع حصره من مؤتمرات جامعة و حوارات وثبة.
انقلاب البرهان في ٢٥ أكتوبر كان قد سقط في السابع عشر من نوفمبر، فشلت خطته و تكشفت الحقائق امام قادته و وجد نفسه مباشرة أمام حصار شعبي محلي و موقف دولي موحد. منذ ذلك اليوم بدأت رحلته نحو التفكك و بدأ القفز من السفينة.
الخطوة الرعناء التي أقدم عليها حمدوك كانت قبلة الحياة لهذا الانقلاب. نحن الآن أمام ديكتاتورية لا ترتكز على الجيش السوداني فقط بل مضافا إليه مليشيات عسكرية منفلتة و تسنده ليس فقط الجبهة الاسلامية بل كل الجماعات الانتهازية كما انه يحظى بقبول إقليمي و دولي معقول.
الحقيقة العارية اننا نواجه اسوأ ديكتاتورية عرفها السودان و ستكون تهديدا مباشرا لوجوده نفسه.
الحقيقة الثانية أننا أمام لحظة تراجع جماهيري، في رأيي هذا متوقع. حركة الجماهير لا تكون في صعود دائم.
الحقيقة الثالثة أن بقية أحزاب السودان القديم وانا أعنى كلها، ستسقط تباعاً، فالفرق بينها فرق مقدار و شروط و ليس فرقا نوعيا.
اهم الحقائق أن الشعب السودانية و كتلته الثورية الحرجة و الواسعة ستقاوم هذا الانقلاب وستبدأ رحلة صعودها الجديد بعد الإفاقة من الصدمة. حتى الذين يتمسكون بإمكانية نجاح حمدوك في رحلته الجديدة ستتكشف لهم الحقائق و سيكتشف حمدوك نفسه و بعد فوات الأوان أن الثورة لا يمكن إنجازها دون ثوار و على أيدي أعدائها.
حركة الجماهير الصاعدة ستطرح قيادتها الجديدة كما خلقت تجمع المهنيين السابق و لجان المقاومة. الثورة تلد قيادتها وهي تسير على الطريق.
تنبيهي الأخير أن الموقف الدولي لم يعطي شيكا علي بياض لهذا الاتفاق و انه ما زال مشككاً. استعادة الموقف الدولي رهين بحركة الجماهير.
علي كل من يعتبر نفسه ثوريا ان يرفع جسده عن الأرض و يصوب عينيه نحو الهدف




