
حول الرواية الشعبية
ذ. كريم وشاشا
كانت أهم محاور العدد الأخير من مجلة لير (*Lire*) نونبر 2021 هي الرواية الشعبية وقد استحضر العدد اثنين من أقطابها:
• المحور الأول هو عبارة عن حوار كبير وحصري مع الكاتب الإنجليزي Ken Follett الذي يذكرني بمزيج من نجيب محفوظ وجرجي زيدان خاصة في رواياته التاريخية القروسطوية المدوية مثل « Les Piliers de la Terre « وثلاثية القرن التي تناولت بأجزائها الضحمة فترة تاريخية ممتدة من 1911 إلى 1990 بكل أحداثها وحروبها وثوراتها واضطراباتها، مديرا بحبكة روائية عالية مصائر شخصيات كثيرة وعائلات متباينة تتقاطع في صراع لتصنع أقدارها مع نكهة خاصة من التشويق والغموض بحكم أن الكاتب له العديد من الروايات البوليسية، وبأسلوب بسيط ممتنع يأخذني بيدي أنا الشعبي برفق نحو القمم العالية حيث النسور والهواء النقي بعيدا عن الصغائر…
• أما المحور الثاني فقد تناول الروائية الموهوبة الأمريكية: Patricia Highsmith التي تغمس ريشتها في الوعي واليومي لأبطالها القتلة..
• تعتبر المذكرات التي تركتها الكاتبة بعد غيابها سنة 1995 كنزا أدبيا ثمينا؛ حوالي 8 ألف صفحة مكتوبة بخط يدها وبخمسة لغات مختلفة تتقنها الكاتبة (طبعا الإنجليزية، الألمانية، الفرنسية والإيطالية والاسبانية) تعبر وتتوافق مع الأمكنة التي سافرت إليها أو تلك التي أقامت فيها.
• هذه الكتابات عثر عليها بين دفاترها كل من المسؤولة عن نشر كتبها والمسؤول عن تنفيذ وصيتها وقاما بتفريغها وتنقيحها وتكثيفها وإعادة بنائها كرونولوجيا ثم ترجمتها.
• تسرد في هذه المذكرات الحميمية علاقتها بشخصياتها وحبكاتها الروائية وعن حياتها الاجتماعية والعاطفية؛ منذ شبابها بنيويورك حتى آخر أيامها بسويسرا مرورا بالأماكن التي أقامت فيها مثل انجلترا وفرنسا، بروح متأججة متعطشة للحب وللفكر. متقصية وباحثة دائما عن حسية وشهوانية الجسد وروح الأنثى مطبوعة بمدينتها تكساس مسقط رأسها والاحساس بالذنب الأمريكي المضاعف (العنصرية والشعور الخفي بالهيمنة على العالم… )
• كما تناول الملف تميز وفرادة رواياتها عن الرواية البوليسية والرواية السوداء ببصمة خاصة فهي تعتبر أحد القمم البارزة والأساسية في رواية الجريمة الأمريكية فهي نموذج خاص لا تنتمي إلا لنفسها في جنس عريض متنوع للرواية البوليسية.
• ففي الوقت التي تصدر فيها كتبها كانت الرواية السوداء (le polar) في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا قد انفصلت منذ فترة ما بين الحربين العالميتين عن الرواية البوليسية التقليدية التي تعتبر أجاثا كريستي (Agatha Christie) نموذجا لها لتنعطف نحو الرواية السوداء التي تهتم باستقصاء واستكشاف بشكل كبير الأعماق المضطربة والمتقلبة والتحولات المجتمعية بعيدا عن الأجواء المريحة للصالونات الإنجليزية وبعيدا عن نمطية حل غموض وعقدة الجريمة من طرف مفتش أو رجل مباحث يتمتع بمؤهلات وجدارة مهنية غير محدودة وخارقة..
• بينما الرواية السوداء تسلط الضوء الكاشف عن الأرصفة والأزقة المظلمة والحانات الرخيصة عبر شخصيات عادية جدا وأحيانا معيبة مفتقرة لكل سمات البطولة (البطل المضاد) تواجه الانحطاط وغياب العدالة وتدهور واضطراب النظام والتشوش في الهويات الفردية..
في حوار قمت بترجمته حوار حول تاريخ الرواية البوليسية: سفر بالأسود مع بينوا تاديي — Benoît Tadié الباحث المتخصص في الرواية السوداء الذي صرح فيه بأن الرواية البوليسية الأمريكية، ابتداء من سنوات 1920، أبدعت ثقافة جديدة ديمقراطية، حيث الشعب حاضر وممثل فيها، وقد انفتحت على أمكنة ووجهات نظر هامشية.. والتي يسد الأدب الرسمي كل الطرق في وجهها.. لقد أعطته صوتا في الديمقراطية الأدبية: تاريخ الرواية السوداء هو أيضا تاريخ دخول الشعب لعالم الكتابة من خلال انحيازه وانتصاره لهذا الجنس الأدبي.. كما أنها، مرتبطة أشد الارتباط بالحركات السياسية التي حركت الكتاب والقراء ليلتفوا حول قضايا مختلفة (معاداة الفاشية في سنوات 1930 و1940، ومنذ 1950، النضال للاعتراف بالأقليات..) إنها ليست فقط انعكاسا مرآويا لهذه النضالات، لكنها المسرح التي عليه ظهرت ومن خلاله عبرت. الرواية البوليسية تقرأها البروليتارية الأمريكية، واقتباسا من لنكولن، يمكن لنا أن نقول بأنها أدب الشعب، بواسطة الشعب ومن أجل الشعب..
• لقد قامت Patricia Highsmith بانتهاك صارخ وصادم للميثاق الأساسي للرواية البوليسية التقليدية، عندما تقدم وتكشف لنا منذ الصفحات الأولى عن القاتل، بنية العقدة البوليسية نفسها تم قلبها تماما، ولم يعد انتباه القارئ مشدودا على الحل وتنتابه الحيرة والغموض حول حل العقدة ومن هو القاتل بل انتباهه انقلب فجأة إلى عواقب الجريمة وتبعاتها على المسؤول عنها..
• فرواياتها تستعير الأجواء والتيمات من الرواية السوداء مبرزة عالم متهتك خيث الفرد معزول ومنفصل عن المجتمع يقوم هو نفسه بصياغة قوانينه الأخلاقية الخاصة؛ فبداخل المتاهة الداخلية لوعيه المنحرفة والإجرامية ترمي بنا الكاتبة ونسبح داخلها.. فهي تضع القاتل في قلب الحكاية وتطمس الحدود بين الخير والشر وبين الفضيلة والرذيلة؛ والأكثر من ذلك تبين لنا بأن الجريمة يمكن أن تحدث حتى في الظروف الأكثر ابتذالا.. في كل هذا تلح الكاتبة وتصر على حرية الفرد وعلى أولويتها للموقف والسلوك الإنساني؛ إنها هنا قريبة جدا من وجودية سارتر وألبير كامي..
• ويخلص الفيلسوف السلوفيني سلافوج زيزيك (Slavoj Žižek) عالم الروائية بهذه الجملة: لقد أخذت الجريمة الخيالية وهو النوع الأكثر سردية وشرّبته بجمود الواقع وغياب الحل والتحول البطيء وكلها خصائص الحياة الواقعية.




