
التعايش السلمي مع كورونا والنظام العالمي المستجد
البخاري حبيب الله دبلوماسي سوداني
كورونا أتت لتتعايش معنا لا لتقتلنا” كلمات نطق بها أحد الأطباء عندما أحكمت أزمة كورونا قبضتها على خناق العالم وما أن تناقلت وسائل الإعلام تصريحات مشابهة تحمل ذات المضمون حتى ثارت براكين الغضب وأصبحت عواصم الدول الغربية تغلى كالمراجل خشية انهيار الليبرالية الحديثة التي تسيدت العالم بعد الحرب العالمية الثانية كآخر نسخة من الحضارات المفروضة بالقوة على عالمنا ولتدارك الكارثة الناجمة عن الجائحة هب بعض قادة الدول الغربية ليلتقطوا زمام المبادرة لإعادة صياغة النظام العالمي المستجد تحاشياً لخسارة إرثهم الاستبدادي.
في الأسبوع الأول من أبريل شهر الكذبات تدفقت الحقائق المؤلمة وبات الناس بين مصدق ومكذب لاستمرار العزل والتباعد الاجتماعي وفي تصريحات صادمة يوم ١٢ ابريل أعلنت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بانه يتوجب علينا التفكير في كيفية التعايش مع كورونا لمدة أطول من المتوقع قد تصل الي سنتين وقبل أن يفيق العالم من هول تصريحات المرأة الحديدية حتي لحقت بها المرأة الفولاذية الالمانية الأخرى أو رسولا فان دير لاين رئيسة مفوضية الاتحاد الأوربي (رئيس ثالث أكبر قوى عظمى ) وقد عززت ما ذهبت اليه إنجيلا ميركل داعيةً اوروبا لتهيئة نفسها للتعايش مع كورنا حتي نهاية هذا العام على أقل تقدير وذات الأمر طالب به وزير الصحة الإيطالي روبيرتو “بالبحث عن ظروف تجعلنا نتعايش مع كورونا ” وهو ذات المنحى الذي اتخذته السيدة ماريا فان كيرشوف، عالمة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية قائلةً اننا “ما زلنا نتعلم الكثير عن الفيروس ولا يوجد سبب للاعتقاد بأنه سيتصرف بشكل مختلف في بيئات مناخية مختلفة ويجب أن نرى ما يحدث مع تقدم هذا الأمر”.
ومنذ نهاية مارس الماضي أصبح يترسخ بشكل متزايد لدى علماء الأوبئة وزعماء العالم بانه لا يمكن إيقاف تفشي كوفيد ١٩ دون اختراع لقاح فعّال الأمر الذي قد يتطلب سنة ونصف على أحسن تقدير حسب جامعة هوبكنز وخبراء معهد روبرت كوخ الألماني.
وقد أضحى أمر رفع شارة الإستسلام يلوح في الأفق وقد نري العالم يبطئ من حملة ملاحقة الفيروس المستجد والتسليم بعجز البشرية عن وإيقاف الخسائر في الأروح والأموال والعلاقات وأن الجميع بات على قناعة بحتمية رسم خارطة للتعايش السلمي مع فيروس كورونا المستجد.
بات العالم يمسي في قلق ويصبح في خوف من المجهول وفي محاولات مستمرة لاكتشاف غموض هذا العدو القاتل وفك شفرته الجينية ولهذا تنادت جميع الملل والنحل من كل حدب وصوب واستدعت البشرية إرثها الحضاري والثقافي وخبراتها الطبية وتجاربها العلمية واختراعات نطاسيها من لدن الطبيب الفرعوني امنحتب عبوراً بالقرون الوسطي حيث عظماء طب العرب والفرنجة أمثال جابر بن حيان وبن سينا وصولاً الي عهدنا الحاضر حيث جهود عالم الأوبئة الإثيوبي ومدير عام منظمة الصحة العالمية دكتور تيدروس ادهانوم غيبرسيوس كل هؤلاء ومعهم العلماء والزعماء والخبراء والعامة قد وقفوا جميعاً وهم يتنكبون الطريق لايجاد لقاح لإيقاف هذه الجائحة التي اتخذت المدخل الاجتماعي كأصعب واخطر ما يمكن ان يصب البشرية، وبعد لايٍ وجهد واستدبار واستقبال لكل التجارب والإمكانيات الممتدة عبر العصور واستنفاد رصيد البشرية المعرفي والثقافي يبدو أن العالم قد وصل لقناعة بعجزها لدحر كوفيد ١٩ وأصبحنا مضطرين للتعايش السلمي مع هذه الكائنات نصف الحية على الأقل في الوقت الحاضر.
فكرة التعايش مع كورونا كانت قبل أسابيع قليلة تعد ضرباً من الجنون او مخطط تآمري تتقاذفه القوي العظمي والدول متوسطة الحجم فيما بينها، ولكنها اليوم أصبحت الحل الاضطراري (حل العاجز) بعد انكشاف عورات الأنظمة التي كانت تسمى عظمي وإستبانة هوانها وضعف مقدراتها في أولي التحديات الكونية المستجدة.
صرفت البشرية جهوداً وأموالاً عبر قرون في البحث العلمي والتطور التكنلوجي والصناعات المختلفة وبذلت بسخاء أهوج أكثر من نصف عمرها والجزء الأكبر من مدخرات شعوبها وفي نهاية المطاف اكتشفوا أن أغلب جهودهم كانت تسير في الاتجاه الخاطئ ولو وظفت بصورة عادلة وصحيحة لربما عمّرت الأرض لمرتين وحققت رفاهية لمرة ونصف لكافة شعوب الأرض لكن الطمع أعمي الجميع عن رؤية الحقيقة.
التعايش مع فيروس كورونا تبدو عبارة صغيرة لكنها اختصار قوي الدلالة لمعنى التغيير الجذري للحياة على كوكب الأرض فالتحول من فكرة القضاء على الفيروس الي السعي للسيطرة والاحتواء عليه ثم وصولاً الي فكرة التعايش معه هي أصدق تعبير عن لحظة العجز البشري او بصورة أدق تضعه امام حقيقة مقدراته وإمكانياته.
فالتعايش مع فيروس كورونا هو الاعتراف بفشل المواجهة بين العلم والكون ما يقتضي إعادة ترتيب الكوكب من جديد وتقديم تنازلات ضخمة في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتضحية بعدد كبير من البشر من ضعيفي المناعة في اختبار أخلاقي كبير لم يسبق له مثيل.
ستعيد هذه التحولات الجوهرية تعريف عبارة البقاء للأقوى حسب المعايير المستجدة التي ستقوم على أساس طبائع الأشياء علي مستوى الأفراد والدول فالشخص القوي هو صاحب المناعة الأقوى والدولة الأقوى هي تلك التي تمتلك موارد طبيعية زراعية وحيوانية تحقق لها القدرة على الوفاء بالالتزامات شعبها ، الأمر الذي سيفتح أمام الدول الفقيرة فرصاً جديدة لإثبات وجودها ولعب دور ما في النظام الدولي المستجد في إطار علاقات تقوم على قاعدة توازن القوي وقد يشهد العالم التكامل بين الشعوب وانتهاء عهد الهيمنة التي استمرت لعقود من الزمان
التعايش السلمي مع كورونا في أبسط تفسيراته يعني التباعد بين البشر وهو أقسي تحدي يهدد الترابط الاجتماعي كسمة تميز البشر عن باقي المخلوقات وتبعاً لنظرية التعايش مع كورونا سيحتاج العالم أن يفيق من صدمته بأسرع ما يمكن حتي يستطيع ترتيب علي أسس جديدة قد تعجل بميلاد النظام العالمي المستجد وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرتس عن قلقه الشديد من مستقبل المنظمة في ظل التغييرات الجذرية الماثلة جراء تفشي فيروس كورونا ومن جهة ثانية وفي تطور لافت هدد الولايات المتحدة الأمريكية بسحب دعمها عن منظمة الصحة العالمية لاتهامها بالتواطؤ مع الصين مصدر الفيروس وهي إشارة ذات دلالة في تحول دور المنظمات الدولية الذي اصبح مرهوناً لخدمتها لمصالح بعض القوي العظمي والأجندة العالمية التي وصلت حد التدخل في تعيين قيادات تلك المنظمات في إطار محصصات وتوازنات سياسة الدافع الأكبر في ميزانياتها
وعلى الصعيد الإقليمي تشهد الاتحادات والمنظمات الإقليمية تحديات وجودية بسبب طوارئ كورونا المستجد والتي اهتزت معها رموز اتفاقيات التعاون وعلاقات التنقل بين الحدود والتجارة البينية والتكامل الصناعي وتم تعليق أغلب أنشطتها وانكفأت الدول علي حدودها القطرية وتنصلت بعض المنظمات الإقليمية عن واجبات التضامن بين دولها وفشلت في تقديم اي نوع من الدعم والمؤازرة المرجوة في مثل هذه الحالات واستغلت قوي إقليمية أخري هذه الأوضاع وخلقت روابط وعلاقات ما كان لها ان تقوم بغير هذه الطريقة الأمر الذي سيعيد تشكيل خارطة العلاقات الدولية إعادة تنظيم المجتمع الدولي وارساء النظام الدولي المستجد.


