مجتمع

القرآن ثابت والفهم متغيّر: في حاجة للانتقال من «فقه التراث» إلى «فقه حيّ متحرك ومُنتِج»

عبد الحميد اليوسفي*

المشكلة ليست في الإسلام وإنما في آليات فهمه:

لا يجادل اثنان في أن الإسلام، في أساسه الأول، رسالةٌ مُشْرَعةُ الأبواب والآفاق على الإنسان والتاريخ، وأن القرآن نص مؤسِّس، بينما الفقه والتفسير وعلم الكلام وعلم الرجال والحديث والسنة والسيرة… ما هي إلا إبداعات بشرية أنتجتها عقول أناس عاشوا في ظروف تاريخية محددة، وأن ظروفهم تلك، وما نتج عنها من بنات فكرهم وفهمهم تقتضي منا إعادة القراءة والغربلة، لأن تركتهم وإن كانت فبها مفاهيم وأحكام يمكن الاستفادة منها رغم البون الشاسع بين زماننا وزمانهم، وعصرنا وعصرهم، فإن فيها أيضا الكثير مما ينبغي الإعراضُ عنه وتركُه.

إننا نعيش، اليوم، تحت زنّات الذباب الإلكتروني، الزاخر بوسائل الإرجاف، والتكفير، وتفريق الصف… وهذه كلها أمراض القرن الحادي والعشرين، لولا أنّ دواءنا ما زال معظمنا يطلبه من صيدليات القرنين الثامن والتاسع. فهل من المنطق أن نواجه صواريخ ودبابات اليوم بسيوف وهراوات الأمس؟! 

إنني بهذه الملاحظة أثير الانتباه، فقط، إلى أن الخلط بين النص المقدس، وبين الفهم البشري للنص المقدس ذاته، أدى بملايين المسلمين إلى تحويل اجتهادات إنسانية تاريخية إلى «أحكام مقدسة وثابتة وأبدية»، وبالتالي إلى «تشريعات دينية»، رغم طبيعتها البشرية، التي يُفترَض أن تجعلها «بالوجوب» قابلة للمراجعة والمُساءلة.

بيد أن الذي أود أن ألح عليه بالموازاة مع ذلك، هو أن التجديد الحقيقي الذي أدعو أليه من خلال هذه المناقشات اليسيرة، لا يعني أبداً تغيير القرآن، وإنما تغيير طريقة قراءتنا للقرآن؛ ولا يعني تغيير الدين، أو هدمه حسبما يدّعيه بعض السلفيين المتشددين، وإنما يكرس، فحسب، لمراجعة فهمنا للدين ذاته.

من هنا يأتي طرحنا للسؤال المركزي والحارق: «هل من المنطق أن نواجه مشكلات القرن الحادي والعشرين بوسائل وأدوات معرفية صيغت أساساً لمجتمعات القرنين الثامن والتاسع»، كما يذهب إلى ذلك القائلون ب»القياس» كمصدر رابع للتشريع الديني؟ وهل يوجد أساساً غير القرآن مصدراً لذلك التشريع؟

من «مقاصد الشريعة» إلى «المقاصدية القرآنية»:

إن علينا بدايةً أن نميز بين نمطين مقاصديَيْن اثنين:

المقاصدية التراثية، التي استنبطها علماء أصول الفقه، وفي مقدمتهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتكونة من مجموع النصوص والاجتهادات الفقهية، التي تطورت بعد ذلك داخل المدارس المذهبية.

والمقاصدية القرآنية، القائمة على البحث المباشر في «الغايات» وفي «المبادئ والقيم الكبرى» التي أبرزَها القرآن وأماط اللثام عنها وجعلها أساساً لعلاقته بالإنسان والمجتمع وبالعالم كافة، ولم يعرها ما تستحقه من الأولوية إلا متنوّرو هذا العصر، الموسومون ب»القرآنيين»، هذه السمة التي ارادها صانعوها أن تكون قدحاً وشتيمة.

أذكر مِن هذه القيم:

العدل ؛ الرحمة؛ الحرية؛ صون الكرامة الإنسانية؛ التيسير ورفع الحرج؛ منع الظلم؛ الوفاء بالعهود؛ حفظ النفس؛ حفظ العقل وتفعيله؛ الإصلاح، الذي ينفع الآخر؛ التعارف، بالمفهوم الذي يجعله تبادلاً للعلوم والمعارف والخبرات والتجارب والمنافع؛ المسؤولية؛ عدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها؛ الشهادة بالحق ولو على النفس وعلى ذوي القربى، بمعنى اتقاء شهادة الزور واجتناب كتمان الشهادة؛ تحقيق هدف الإعمار في الأرض وحمل أمانة الاستخلاف فيها.

وإنّ أيَّ «فقه» ينتج ذباباً إلكترونياً، بمسمَّيات زماننا، يمارس التكفير والتفريق فهو بالتالي ضد المقصد القرآني في «حفظ النفس» و»منع الإفساد»، وضد كل المقاصد الأخرى المذكورة أعلاه، حتى ولو بَصَمَ عليه ألفُ فقيه.

إن هذا في مجمله يطرح علينا سؤالاً فقهياً لا يجوز المرور عليه مرور الكرام بأي وجه من الأوجه: «ما هو نمط وطبيعة الحُكم الذي من شأنه أن يحقق لنا هذه المقاصد القرآنية، وفي واقعنا المعاصر»؟

وبطبيعة المنطق والبداهة، فإن هذا السؤال يحل محل ذلك السؤال العتيق الذي ما عاد العقل ولا المنطق يُطيقان اجتراره، حول «الحُكم الذي قال به الفقيه عَمْرٌو، أو العالم أو الحافظ زَيْدٌ، الذي عاش قبل ألف ومائتي سنة من أيام الناس هذه»؟

تعدد المذاهب.. ثراء تاريخي أم عائق يحول دون وحدة المرجعية الدينية:

ليس من الضروري القول إن تعدد المذاهب أضر دائماً بموروثنا الفكري؛ فقد أدى هذا التعدد تاريخياً إلى إثراء الفكر الإسلامي، وإنتاج اجتهادات موسومة بالتعدد والتنوّع، ما في ذلك أدنى شك. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول المذهب من مجرد «اجتهاد تاريخي» إلى «هُوِيّة دينية منغلقة»، تجعل أدنى محاولة للخروج من صندوقها الموصد مدعاةً للتخوين، والزندقة، والتكفير، وأحياناً تجعلها ذريعةً لاجتراح فتاوٍ دمويةٍ ما أنزل الله بها من سلطان.

لقد برر الفقهاء الأوّلون تعدد المذاهب بكونه «اختلافا يحمل في باطنه رحمة»، ولكن تقديس المذاهب ذاتها، والتعصب للمذهب وإمامه أو شيخه أو مؤسسه، واتخاذ ذلك حجة للإغراق في تقليد الآباء، أدى إلى تضييق دائرة الاجتهاد، بل إلى إيصاد أبوابه، وجعله صلاحية منحصرة في أهل العمائم، وحوّله إلى تخصص وظيفي لدى شيوخ وفقهاء دون غيرهم، رغم اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، إذِ الواقعُ أنّ «كل حزب منهم بما لديهم فرحون».

والذي زاد هذه الظاهرة تفاقُماً وخطورةً، أن اختلاف هؤلاء الفقهاء لم يعد اختلاف فكر وفهم وتنظير، بل تحوّل إلى اختلاف في الدين ذاته، ليتحول الجدال الفقهي إلى صراع اجتماعي طائفي مزمن، عانى المسلمون من تبعاته وعواقبه الوخيمة أيما معاناة، ومازالو كذلك إلى أيامنا هذه.

إن هذا بالذات، يجعلنا في أمس الحاجة إلى تجاوز «فقه المذاهب» والاتجاه نحو إقرار «فقه المسألة وواقعها ومقاصدها» كما هي اليوم، والآن، لا كما كانت عليه في عهود مؤسسي تلك المذاهب وما تولّد عنها من أحكام فقهية أقل ما يقال عنها إنها متجاوزة.

وبطبيعة الحال، فإن تعدد المذاهب لم يكن يوماً أساس المعضلة، بل تمثلت المعضلة في انقلاب المذاهب ذاتِها من «مدارس للاجتهاد» إلى «خنادق لحشد الاتباع»، وكذلك إلى «دهاليز وسرادقات لكنز الأموال والمنافع والمصالح» في غفلة من أيّ حسيبٍ أو رقيب.

إن هذا التذبذب في تناول الشأن الديني، في ظل هذا الشتات والفُُرقة، جعل المسلمين يواجهون مسائل شائكة وحارقة عمّقتها التعدديةُ المذهبيةُ بتشتيتها للجهود، وتفريقها للصفوف، فلم تجد لها حلاًّ إلى غاية يومه، والسبب الأساس في تعذر فك شيفراتها كان ولا يزال متمثلا في التشيُّع ذاته… ليبقى السؤال حاملاً اتهاماً ثقيلاً لن تطيق حمله السماوات والأرض والجبال: ألم يقرأ أهل المذاهب والفِرَق، بدءاً بمؤسسيها إلى آخر سالكيها ومريديها، قول الله عز وجل: «… وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (الروم-31 و32)؟ وهل من العقل، بعدما رأيناه من سوء أحوال مذاهبنا وفرقنا وفروع الفرق وفروع فروعها، أن نستمر في اعتبار الاختلاف رحمة؟ فأين هي هذه الرحمة وسط كل هذا الشتات؟

إنّ هذا السؤال متعدد الرؤوس سيظل قائما ومُشْرَعاً كالسيف فوق أعناقنا، إلى غاية يومٍ نعيد فيه النظر في مسألة «المذهبية»، ليس لأنها ضد الطبيعة الإنسانية، وإنما لأنها سِيءَ استخدامُها فساءت من جراء ذلك عواقبُها…

لله الأمر من قبل ومن بعد !!!

_____

* باحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق