ثقافة وفن

العَرْكة بين الفصحى والعامية

د. محمد أبوالفضل بدران

هذا زمنٌ يتوارى فيه الرجل بظلّ النملة كى يبحث عن حلم مفقود… وهذا زمنٌ تقرأ بالعين اليمنى حرفًا تبصره باليسرى حرفيْن.   كل فترة تدور عركة بين أنصار الفصحى وأنصار العامية، والحقيقة لا يوجد خلاف بينهما؛   فالعاميّة ابنة الفصحى التى خلّفت من البنات عدّة فتيات جميلات يعترفن بأمهن ويتمسّكن بها، أنا لا أستطيع أن أطلب من العامة أن يتحدّثوا الفصحى فقط، هذا لم يكن موجودًا فى أى عصر، ولهجة قريش سادت لأن القرآن الكريم نزل بها.. كل اللغات فيها فصحى وعامية ولا خوف عليها من العامية إلا إذا تركنا القرآن الكريم وهجرنا الفصحى تأليفًا وقراءة. هنا يقع مكمن الخطر. لكن ما أراه الآن من تقارب لغوى فى التلفزات والإذاعات العربية والصحف والمدونات يجعلنى أتفاءل أن هذا التجاور بين الفصحى والعامية لم يؤثر عليها بل يزيد جمالها جمالًا. ولولا هذا الشعر العامى لفقدنا شعر بيرم التونسى وعبدالرحمن الأبنودى وحجاج الباى وعبدالستار سليم وعادل صابر وغيرهم. حتى الشعر النبطى أراه قريبًا من الفصحى؛ فعندما يشدو ميحد حمد بكلمات الشاعر خليفة بن مترف: أحب البَر والمزيونْ… واحبْ البدو والأوطان وأحبّك قبل لا يدرونْ… هلى وأهلك ولا الجيرانْ أين اللفظة العامية التى نراها فى النص ضد الفصحى؟ فهو يقول أحب البر أى الصحراء والمزيون أى الجميل الزين، وأحبك قيل أن يدرى أهلى وأهلك والجيران بهذا الحب. هل قصيدة «يا منة» لعبدالرحمن الأبنودى تقتل الفصحى؟ إنها الفصحى إلا قليلًا.. وكم كتبتُ الشعر الفصيح والعامى ولا أجد حربًا بينهما بل هما متكاملان. السؤال: ما مفاتيح القصيدة الناجحة، وهل هناك قصيدة كاملة؟ لا توجد مفاتيح للقصيدة الناجحة سوى ما عبّر عنه شاعر:  «الشعر هُو شعر لو كان مُقفّى وفصيحْ الشعر لو هزّ قلبى وقلبك شعر بصحيحْ» وبالمناسبة كلمة عَركة صحيحة فصيحة وإذا فتحت المعاجم العربية فستجد «عركة ج عَرَكات وعَرْكات: اسم مرَّة من عرَكَ» ألم أقل لك العاميات بنات الفصحى المحبوبات. أرجوحة ظل يا زمنى هذا زمنٌ يحيا فيه الناس بلا أسماء فاخترْ اسمك/ واحفرْ اسمك فى كفك لا تُسلم كفّك للغير فقد تصبح يومًا وتصافح أحدًا.. لا تبصر كفك فاخترْ اسمك: لا تتركْ قومك يختارونه. فسيفنى جسدُك وسيبقى اسمك فلماذا تفنى «أنت» ويبقى ما اختاروه؟!… هذا زمنٌ يتوارى فيه الرجل بظلّ النملة كى يبحث عن حلم مفقود… وهذا زمنٌ تقرأ بالعين اليمنى حرفًا تبصره باليسرى حرفيْن. تصحو كى تبصرَ وجهك فى المرآة فتلمح وجهيْن فتحسّسْ وجهك كل صباح وتأكد أنك تمشى فوق اثنيْن !!.. وتأكد أنّك – يا وطنى- حيٌّ أو أنّك بيْن الْـ «بيْن»؟!.. وكل الشعراء منذ امرئ القيس حتّاى يبحثون عن قصيدة لمَّا تُكتبْ بعد وقد قلتُ فى إحدى قصائدى: نحن الشعراءْ.. نصطادُ الماءْ نبحثُ عن موجٍ فى الصحراءْ.. نحن الشعراء مجانينٌ يعشقنا العقلاءْ متى يصبح الشاعر شاعر الناس؟ يصبح الشاعر شاعر الناس إذا عبّر عن أفراحهم وأحزانهم، والنّاس تحس بهذا وتعرف الشاعر المزيّف والحقيقى وتفصل جيّدا بينهما. وقد حضرت أمسيات شعريّة لنزار قبانى وعبد الرحمن الأبنودى وفدوى طوقان ومحمد الفيتورى ومظفر النواب وغيرهم ورأيت كيف يمسكون بالجمهور فى قبضة أيديهم وكأنّ المسرح فى كفهم يحركونه كيفما شاؤوا. الشاعر الفرد هو الذى يؤثّر فى جمهور النّاس ويقودهم إلى مبتغاه، وهؤلاء قلّة الآن. وحضرت أمسيات شعرية لشعراء آخرين يرون أنهم غيروا القصيدة العربية وأتوا بما لا يقدر عليه القدماء والمحدثون وكانت قاعات أمسياتهم خاوية، وراح المنظّمون يستجدون الناس كى تحضر لهم! المناصب والشعر ربما كانت المناصب التى تقلّدتُها حبّا فى الأدب والثقافة تبدو مختلفة لكنى أراها متقاربة، فالأدب هو الأخذ من كل علم بطرف لكنى لم أنقطع عن التدريس بالجامعة على الإطلاق. فكونى عميدًا لكلية الآداب أو أستاذًا زائرًا بجامعتى بون وبوخوم بألمانيا أو الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة أو رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة أو نيابة جامعة جنوب الوادى أو التحكيم الدولى لجامعات عربية وغير عربية، كل هذا لم يبعدنى عن الكتاب والتدريس بل غرسونى فى الثقافة والأدب. أعرف أنه لا يستطيع شاعر أو كاتب الوصول إلى اكتمال تجربة الكتابة لديه، لأن الكاتب كالشاعر يبحث عن غزالة القصيدة التى يطاردها طوال عمره ولا يلحق بها، إنّها النص الذى لمّا يكتب بعد، فالنصّ كما أوردت فى كتابى «موت النص» يمر بمراحل ثلاث: النص المفقود، والنص الموجود، والنص المنقود. فالنص الأول ملك المبدع الذى يحاول أن يمسك بتلابيب نصه المتخيّل ويحوّله إلى كلمات وجُمل، لكنْ فى عملية التحويل ينفلت المعنى من بين أصابعه، فالكلمات عاجزة عن الوصول إلى مبتغاه «فيوجد النص الموجود» الذى يشبه النص المفقود لكنّه لم يكنه. ليبدأ المتلقى فى تلقى نصه «المنقود» حسب ثقافته وحضوره فى لحظة التلقى وشتّان بين هذه النصوص الثلاثة، فهى متشابهة لكنها ليست متطابقة ولن تكون. لقد «مات النص» وهنا أعنى النص البشرى. ماذا يضيف النقد للإبداع؟ النقد ليس موجهًا إلى النّخبة؟ إننى أرى أن الإبداع رؤية نقدية وأن النقد رؤية إبداعية. وكل أديب هو ناقد ناطق أو صامت، هو يحلل وينقد نصه ذاتيًا قبل كتابته وفى آنها وبعدها. أنحو إلى الاهتمام بالأسطورة والعجائبى فى الكتابة وأمنح نصوصى نفحات صوفية، كما حكيتُ آنفًا لقد عشتُ فى أجواء صوفية منذ ميلادى وقد سمعت عن الكرامات الصوفية منذ نشأتى الأولى واستهوتنى هذه العجائبية. ولذا حصلت على منحة ألكسندر فون هومبولت على مشروع (أدبيات الكرامة الصوفية، دراسة فى الشكل والمضمون)، صدر فى طبعاته بألمانيا والإمارات العربية ومصر. ونقلت هذه الحكايا التى كنت أسمعها عن الأولياء الذين يمشون على الماء ويطيرون فى الهواء إلى عالم الإبداع فرأيت أنها جنس أدبى مستقل ربما يكون نواة الحكى والسرد القصصى والروائى. فالكرامة التى تحكى عن ولى يعيش فى قرية مجاورة لنا شرق النيل وصاحبه الولى الذى يقطن غرب النيل. وأن الولى الشرقى يشعل حطبًا فى الشتاء ويمسك بيده الجمر فيكوّره كرات ويرميها بيديه إلى الولى الغربى فيتناولها بيديه ويتدفأ بها دون أن تضرهما والمسافة بين دفتى النهر تصل إلى قرابة الكيلومتر. هذا النص بعجائبيته وغرائبيته لا يقبل التشكيك لدى معتنقيه. شفوى متناول بين الناس ولا يجرؤ أحد على تكذيب سارده؛ لكن هذا لم يفصلنى عن العقل فقد درستُ أبا العلاء المعرى فى رسالتى للدكتوراه وانشطر البحث العلمى فى عقلنة المعرى وعرفانية التصوف. طريق العلم والثقافة أُعلى فى كتاباتى صوت العلم والثقافة للنهوض بالمجتمعات، رغم أن مقاييس النجاح والإقلاع اليوم تغيّرت مع تبنّى الجيل الصاعد أساليب جديدة للصعود، بيد أنى ما أزال أرى أن العلم والثقافة هما الطريق الوحيد للتقدّم. كل الحضارات التى سادت بقيت بالعلم والتى زالت عندما اضمحلّ علمها. والثقافة المشتقة من ثقف أى قوّم فروع الأشجار لتغدو رماحًا لا ميل فيها ولا اعوجاج، هنا يصبح العقل قادرًا على التفكير دون تأثير الغير عليه وهذا هو التنوير الذى ننادى به لمجتمعاتنا العربية، التنوير الذى يعنى فى أبسط تعريفاته «إعمال العقل بمعزل عن تأثير الغير». الطريق صعبة سهلة لم تكن حياتى صعبة ولا سهلة أيضًا، وإنما كانت بين هذا وذاك، كان التفاؤل سيّدها، فأنا لا أعرف اليأس لأن اليأس أعدى أعداء الإنسان، والمتخيّل هو الطريق الأول للوصول إلى ما ترتجيه. اجعل سقف طموحك أعلى. وسيوفّقك الله طالما تعمل للوصول إليه ألم يقل جلال الدين الرومى «كلُّ ما أنت ساعٍ إليه هو ساعٍ إليك». أىّ سلطة للمثقف اليوم فى ظل الأوبئة والحروب والانتهاكات التى تعيشها الإنسانية؟ لا سلطة لمثقف ولا غيره، السلطة الحقيقية للإنسان، للعدل، للحق، للجمال، لقد أوجز الرومى حياته فى ثلاث كلمات: «كنتُ غير ناضج فنضجتُ وفنيت». فى النهايات تتجلى البدايات قال الشاعر الصمة القشيري: بَكَت عَينُك اليُسرى فَلَمّا زَجَرتَها عَنِ الجَهلِ بَعدَ الحِلمِ أَسبَلَتا مَعا وَأَذكُرُ أَيّامَ الحِمى ثُمَّ أَنثَني عَلى كَبدى مِن خَشيَةٍ أَن تَصَدَّعا فَلَيسَت عَشيّاتِ الحِمى برواجع عليك لكن خل العينين تدمعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق