
الشاعرة بشرى طالبي تتحدث عن ديوانها «نزيف الاستفهام»
حاولت أن أجعل من القصيدة محاكمة للغياب وانتصار للحياة
في ديوانها «نزيف الاستفهام»، تكتب الشاعرة بشرى طالبي عن الألم بوصفه تجربة وجدانية تستنطق ما يتركه في أعماق الإنسان من أسئلة حول الحب والغياب والذاكرة والكرامة والحرية. إنها كتابة تتحرك بين هشاشة الكائن وقوته، بين انكسارات الذات وتمردها، وبين الحنين إلى ما انقضى والرغبة في إعادة ابتكار الحياة.
من «وثيقة استقلالي» إلى «امرأة من رماد»، ومن «وشوشة الغياب» إلى «غربة وطن» و«سوق العبيد»، يتسع الأفق الشعري ليجعل من التجربة الفردية مدخلاً إلى مساءلة الوجود الإنساني في أبعاده العاطفية والأخلاقية والاجتماعية. في هذا الحوار، نحاول الاقتراب من الأسئلة العميقة التي تحرك عالم الشاعر بشرى طالبي، ومن تلك المنطقة الدقيقة التي تحول فيها الوجع إلى لغة، والذاكرة إلى مقاومة، والقصيدة إلى إمكانية أخرى للحياة.
حاورها حسن الوزان
< اخترتِ لديوانك عنوان «نزيف الاستفهام»، وهو عنوان ينطوي على مفارقة لافتة؛ فالاستفهام فعل عقلي يروم المعرفة، بينما النزيف تجربة جسدية مرتبطة بالألم والفقد. هل يعني ذلك أن السؤال في تجربتك الشعرية أصبح جرحاً وجودياً؟ هل تكتبين بحثاً عن أجوبة ما؟
>أعتقد أن بعض الأسئلة تولد من استحالة الصمت. حين تصادفنا أجوبة تمنحنا طمأنينة زائفة، يضعنا السؤال أمام حقيقتنا العارية. حين اخترت عنوان «نزيف الاستفهام»، كنت أستحضر تلك المنطقة التي يلتقي فيها التفكير بالألم. فليس كل سؤال تمريناً ذهنياً، ثمة جراح لا تكف عن إنتاج الأسئلة، لأنها تمس جوهر وجودنا: لماذا يغادر الذين نحبهم؟ لماذا تخذلنا الوعود؟ كيف يمكن للإنسان أن يحتفظ بنقائه في عالم تتسع فيه مساحات الخيبة؟ وكيف يصبح الصمت أحياناً شكلاً من أشكال التواطؤ مع الألم؟
بالنسبة إليّ، القصيدة هي محاولة لإنقاذ السؤال من الاعتياد والنسيان. إنني أخشى الأجوبة الجاهزة لأنها تغلق ما ينبغي أن يظل مفتوحاً في وعينا. ولعل النزيف دليل حياة. فما دام الإنسان يتألم ويسأل، فإنه لم يفقد بعد قدرته على الدهشة والاعتراض والحلم. فالشعر بهذا المعنى إقامة شجاعة داخل القلق. وربما كانت مهمة الشاعر أن يحمي الأسئلة الإنسانية الكبرى من أن تتحول إلى حقائق باردة لا روح فيها.
< يبدو الغياب في ديوانك أشبه بشخصية مركزية، ففي قصائد «وشوشة الغياب» و«خريف الذكريات» و«انطفاء» و«حكاية لم تولد»، يصبح الغائب أكثر حضوراً من الحاضر، وتتحول الذاكرة إلى فضاء تتعايش فيه المحبة مع الفقد. هل الكتابة عن الغياب محاولة لاستعادة ما ضاع، أم أنها تعبير عن عجز الإنسان عن التصالح مع فكرة النهاية؟
> يعتبر الغياب من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً، لأنه لا يعني دائماً انقطاع الصلة بمن غاب. فقد يغادرنا الأشخاص، لكنهم يتركون في داخلنا حياة كاملة يصعب إغلاق أبوابها. ثمة غائبون يعيدون تشكيل طريقتنا في النظر إلى العالم. نكتشف بعد رحيلهم أن الأمكنة لم تعد هي نفسها، وأن الكلمات فقدت شيئاً من معناها، وأن تفاصيل صغيرة كرسالة قديمة أو رائحة عابرة أو مقعد فارغ تستطيع أن توقظ فينا زمناً كاملاً. لهذا أتعامل مع الذاكرة باعتبارها حضوراً آخر للأشياء. إنها ذلك المكان الذي يرفض فيه القلب الاعتراف الكامل بما يقرره الزمن.
لكنني لا أريد أيضاً تمجيد الألم أو تحويل الوفاء إلى إقامة أبدية في الحزن. فالوفاء الحقيقي هي أن نواصل الحياة ونحن نحمل ما منحونا إياه من حب ومعنى. أحياناً نكتب لأننا نعجز عن النسيان، وأحياناً أخرى نكتب حتى نصبح قادرين على التذكر دون أن ننكسر. ومن هنا تنبع المفارقة، فالقصيدة التي تولد من الفقد قد تصبح وسيلة للمصالحة مع الحياة. إنها لا تعيد الغائب، لكنها تعيد إلينا شيئاً من أنفسنا التي أخذها معه.
ربما لهذا أرى أن الكتابة عن الغياب هي كتابة عن تلك القدرة الإنسانية الغامضة على إبقاء المحبة حية حتى حين تنتهي شروط حضورها.
< تحتل المرأة في ديوانك موقعاً يتجاوز صورة العاشقة التي تنتظر أو تتألم. ففي «وثيقة استقلالي» و«حب وكبرياء» و«همس لامرأة أخرى» و«امرأة من رماد» و«أنا كل الحكاية»، نلمس انتقالاً من الجرح العاطفي إلى تأكيد الذات واستعادة السيادة على المصير. هل يمكن القول إن الكتابة عندك تتحول إلى فعل تحرر من أشكال التبعية العاطفية والرمزية؟
> أؤمن أن المرأة لا ينبغي أن تُختزل في علاقتها بالآخر، مهما كانت هذه العلاقة عميقة أو مصيرية. إنها كائن مكتمل بذاكرته وأحلامه وأسئلته وتناقضاته، والحب ينبغي أن يضيف إلى هذا الاكتمال، لا أن يصادره.
لقد تعلمنا أحياناً، من خلال ثقافتنا العاطفية والاجتماعية، أن نقيس صدق المحبة بمقدار ما نقدمه من تنازلات، حتى كادت التضحية بالنفس تصبح فضيلة مطلقة. أعتقد أن الحب الذي يشترط على الإنسان التخلي عن كرامته يتحول تدريجياً إلى شكل من أشكال الإلغاء.
حين أكتب عن امرأة تنهض من رمادها، فإنني أريد الاعتراف بحقها في الضعف والبكاء والخيبة، ولكن أيضاً بحقها في ألا تتحول هذه التجارب إلى قدر نهائي. فالقوة قد تولد من الاعتراف بالهشاشة وتجاوزها. أما الاستقلال الذي أتحدث عنه، فليس إعلان حرب على الحب أو على الرجل، وإنما رفض لأن تصبح العلاقة الإنسانية مجالاً لامتلاك الآخر أو مصادرة حريته. أريد للمرأة أن تحب بكامل قلبها، ولكن دون أن تفقد صوتها. أن تمنح دون أن تمّحي، وأن تسامح دون أن تتخلى عن احترامها لنفسها.
ولعل الكتابة تمنحني إمكانية التعبير عن هذه المسافة الدقيقة بين العاطفة والكرامة. إنها المسافة التي تستطيع فيها المرأة أن تقول للآخر: أحبك، ولكنني لست ظلك؛ وأحتاج إليك، لكن وجودي لا يبدأ بك ولا ينتهي عندك. إن أعظم انتصار للمرأة هو أن تظل قادرة على الحب دون أن تتخلى عن حريتها.
< اللافت في «نزيف الاستفهام» أن القصيدة تنتقل من الوجدان الفردي إلى مساءلة الواقع الاجتماعي والإنساني. ففي نصوص مثل «سوق العبيد» و«غربة وطن» و«مدن الليل» و«بلاغ خجل»، يتخذ صوتك الشعري نبرة احتجاجية، وتبرز مفردات الحرية والقهر والكرامة والمحاكمة والشهادة. كيف تفسرين هذا الانتقال من جراح الذات إلى جراح المجتمع؟
> لا أستطيع أن أفصل تماماً بين الإنسان الذي يتألم في حياته الخاصة والإنسان الذي يتألم داخل مجتمعه. فالجرح الإنساني، مهما بدا فردياً، يتصل في النهاية بأسئلة أكبر تتعلق بالاعتراف والحرية والكرامة والحق في الوجود.
قد تبدأ القصيدة من خيبة عاطفية، لكنها تكتشف، وهي تتقدم في الكتابة، أن الخيبة ليست تجربة تخص المحبين وحدهم. فهناك أوطان تخذل أبناءها، ومجتمعات تخذل ضعفاءها، ومؤسسات تنسى أحياناً أن الإنسان هو الغاية التي وُجدت من أجلها. من هنا أعتقد أن الشعر أكبر من ملاذ جمالي نختبئ فيه من قسوة العالم. صحيح أن للشعر منطقه الفني الخاص، وأنه لا يمكن اختزاله في خطاب احتجاجي مباشر، لكنه يفقد شيئاً من روحه حين يصبح غير مبالٍ بمصير الإنسان.
أنا لا أطلب من القصيدة أن تقوم مقام السياسة أو القانون أو مؤسسات العدالة. إنما أؤمن بأنها تستطيع أن تعيد إلى الألم الإنساني وجهه وصوته، وأن تقاوم اعتيادنا على مشاهد القهر والإقصاء والإهانة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان هو أن يتعود الظلم حتى لا يعود يثير فيه سؤالاً. ولذلك فإن الكلمة، في تصوري، تحمل مسؤولية أخلاقية. مهمتها إبقاء الضمير يقظاً. وحين تستعير القصيدة لغة المحاكمة والشهادة، فإنها تضع القارئ أمام مسؤوليته في الرؤية والتفكير.
ربما لا يستطيع الشعر تغيير الواقع بمفرده، لكنه يستطيع أن يغير الطريقة التي ننظر بها إليه. وهذا ليس أمراً قليلاً، فكل تحول إنساني كبير يبدأ، في جانب منه، من رفض اعتبار ما يحدث أمراً طبيعياً أو قدراً لا يناقش.
< رغم ما يهيمن على الديوان من صور الرماد والانطفاء والخريف والغياب، فإن نصوصاً مثل «امرأة من رماد» و«أنا كل الحكاية» توحي بأن الكتابة تحاول إعادة بناء الذات من داخل انكساراتها. ومن الناحية الفنية، تبدو لغتك قريبة من البوح المباشر، لكنها تنفتح على الاستعارة والمرافعة والسرد والمناجاة. هل استطاعت القصيدة أن توقف نزيف الاستفهام؟
> أظن أن الكتابة تبدأ غالباً من البوح، لكنها لا تصبح شعراً إلا حين تتجاوز حدود الاعتراف الشخصي إلى بناء تجربة يستطيع الآخر أن يجد فيها شيئاً من ذاته. فليس كل ما نعيشه صالحاً لأن يتحول مباشرة إلى قصيدة. فبين التجربة الحياتية والعمل الشعري توجد مسافة تصنعها اللغة والخيال والإيقاع والقدرة على تحويل الخاص إلى معنى إنساني مشترك. لهذا أبحث عن لغة تكون قريبة من القلب دون أن تتخلى عن كثافتها الجمالية. أحب أن تصل القصيدة إلى القارئ، ولكنني أريد أيضاً أن تترك له مساحة للتأويل، وأن تمنحه فرصة المشاركة في إنتاج المعنى. أما صور الرماد والخريف والغياب، فهي لا تعني بالنسبة إليّ الاستسلام للنهاية. فالرماد، في المخيلة الشعرية، يحيل إلى الاحتراق ويحيل أيضا إلى احتمال ولادة أخرى. والخريف قد يكون استعداداً خفياً لدورة جديدة من الحياة.
إنني لا أكتب لأعلن انتصاري على الألم؛ فالألم ليس خصماً نستطيع القضاء عليه، أكتب لكي لا تكون له الكلمة الأخيرة في تحديد هويتي ومصيري. وحين تقول الذات الشعرية إنها الحكاية كلها، فإنني أقرأ ذلك باعتباره استعادة للحق في رواية التجربة من الداخل، بعد أن كانت الذات مهددة بأن تصبح مجرد تفصيل في حكايات الآخرين. أما عن توقف نزيف الاستفهام، فلا أظن أن الكتابة تمنحنا هذه النهاية المطمئنة. كل قصيدة تضيء منطقة من عتمتنا، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن عتمة أخرى لم نكن نراها. وكل جواب نصل إليه يفتح الباب أمام أسئلة جديدة.
ربما تغيرت علاقتي بالأسئلة بفضل الكتابة. لم أعد أراها دائماً مصدراً للألم، وإنما أصبحت أرى فيها دليلاً على أن الحياة ما زالت تستحق التأمل والمراجعة والدهشة. إنني لا أطمح إلى أن أصل يوماً إلى لحظة لا أملك فيها ما أسأل عنه. أخشى أن تكون تلك اللحظة هي النهاية الحقيقية للشعر. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله القصيدة هو أن تحول النزيف إلى وعي، والخيبة إلى معرفة، والانكسار إلى قدرة على البدء من جديد. فإذا كان الاستفهام ينزف في بداية التجربة، فإنني أتمنى أن يصبح في نهايتها نبضاً، لأن الإنسان لا يستمر في الحياة بما يمتلكه من أجوبة فحسب، بل أيضاً بما يحتفظ به من أسئلة وأحلام.




