

فدوى سعد . القاهرة
الغراب الذي أحبني؛ الكتاب الثاني الذي يقع في يدي من مشروع سرديات المهجر للأديب بركة ساكن؛ ما بين (الرجل الخراب) التي كتبت ورقتي النقدية فيها عام 2021 بمنصة نقد الرواية السودانية آنذاك، والآن .\أجد بركة ساكن وضع القارئ بين كلية الدلالات واختلاف مناحي التناول؛ أدغار الرجل الخراب، وغراب إليوت. ولكن غراب بركة ساكن غراب آخر في هجرة أخرى وزمان آخر…
1. عتبة الاستهلال: جغرافيا التمزق
حين ينفتح النص السردي على جغرافيا ممزقة لا تتبين معالمها إلا بوهن الروح وشقائها المتفاقم، حملت الرواية كل هذا عبر خط مكاني بدأ بوعورة (درب النمل) البري، ثم جحيم الانتظار على بوابات (الجنقل) (مخيم كالييه)، وصولاً إلى صقيع النمسا في غراتز. بركة ساكن لم يضعنا أمام تقرير صحفي أو سرد توثيقي لعذابات المهاجرين، بل أمام ملحمة أنطولوجية للروح الإنسانية وهي تتخلى عن أثقالها القسرية لتخوض طهرها الأبدي على عتبات الهجرة واللجوء.
أدار الكاتب الرواية بشبكة من الشخوص تتوزع بين التورط الوجودي والخلاص؛ يقودهم آدم إنجليز (آدم سعد سمان)، المثقف الحالم بقمم أكسفورد الذي تأكل وعيه خطوة بعد خطوة عند تخوم اللجوء، والنور أحمد النور (نوري)، الراوي الشاهد والمكثف لواقعية البراغماتية بأبعادها وإسقاطاتها على العملية والنظري، ثم (ماما إيفا) وهج العاطفة الإنسانية في عتمة البيروقراطية الأوروبية الباردة وحقيقة أسمى معاني الإنسانية في عتمة الظروف، ثم (زهرة فرح) أيقونة للدفء البشري الفطري وسط مخيمات التآكل النفسي والعقلي المدمر للجسد.
2. البنية السردية والتقنيات الفنية: تفكيك الذاكرة ومتاهة المكان
• اشتغال الذاكرة والمونتاج الشعوري: حكمت الرواية تقنية التبادل الشعوري والاسترجاع النفسي العميق (الفلاش باك)، حيث تتهاوى السدود الفاصلة بين الواقع وما تراه الروح الهائمة في الملكوت الخاص بالبطل، وتتلاشى خطية الزمن لحساب زمنية ما يراه آدم إنجليز، ويكشف السرد عن هذا التصدع الوجودي بوضوح مذهل حين يرصد الراوي ملامح صديقه القديم عند مدخل محطة القطار؛ كأن الزمن نفسه قد تجمد على عتبة الفقد:
(ولكن عينيه الطبيتين الواسعتين، هما كل ما تبقى من هوية صديق عمري آدم سعد سمان، الذي أُعرف لاحقاً بآدم إنجليز، ظلت ملامحه مثل بطاقتين أبيضتين لا يمكن تزييفهما أو محو رسومهما.)
• ما بين اليباب والبرزخ: المكان لدى بركة ساكن ليس إطاراً جغرافياً صامتاً، بل هو كائن حي شرس ومفترس جداً؛ فـ (درب النمل) بداية التيه والموت البطيء، بينما يمثل «الجنقل» بؤرة المذلة الإنسانية والأرض الهجينة التي تسقط عنها شرعية الدول لتخضع لقانون الغاب والانتظار اللامتناهي وبصيص الأمل كيلومترات قليلة والمانش:
(والجَنَقَل يتلوى في برود ويزحف على كثبانه الرملية وعلى ظهره خيام اللاجئين واللاجئون، وبعض العُشب والشرطيون، وتفصله أسوار من السلك عن الميناء والأسفلت ويبعده المانش مسافة ثلاثة وثلاثين كيلومترًا عن بريطانيا)
• الجنون استراتيجية للنجاة والترفع: تطرح الرواية مساءلة أنطولوجية عميقة للحد الفاصل بين العقل والجنون. فآدم إنجليز لم يسقط في غياهب الجب البيولوجي عبثاً، بل ممثل جنونه شكلاً من أشكال الترفُّع والهروب من سوءات العالم الواقعي المأزوم؛ إنه تجاوز إرادي لحدود السجن البشري والمكاني:
(وصلنا إلى حقيقة غريبة، وهي أن آدم ليس مجنونًا أو مريضًا نفسيًا، إنما هو شخص خرج من دائرة وهمية نحن لا نراها، ولكننا نعيش فيها مثل سجن لئيم لا نعرف كنهه، إنه شخص قد نجا، أو حسب تعبيره هو: أنا تورطتُ، تورطتُ يا ماما)
• تفكيك الثنائيات ومفهوم «الاحتمال الوسط»: تثور الرواية على السطحية البيروقراطية الغربية التي تختزل مصير الإنسان في ثنائية حادة (النجاح المطلق أو الفشل المدقع)، لتقترح بديلًا نقدياً يتمثل في «الاحتمال الوسط» أو البرزخ الوجودي الذي يقطنه الهامشيون والمنسيون والأنقياء ببصيص الأمل؛ فكان سؤال آدم إنجليز (ص 63):
(في أوروبا فرصتان لكل إنسان، إما أن ينجح أو فشل، لا يوجد احتمال وسط. ابتسم آدم إنجليز، ذلك المفتون بالمحاجة، وسأله:
ـ وهل نجح هذان الشابان أم فشلا؟)
3. التحليل النفسي والوجودي للشخصيات
يتخذ آدم من الغراب رفيقاً روحياً وأيقونة للتمرد والحرية، لكونه الكائن القادر على اختراق الحواجز والتحليق بين العوالم دون اكتراث بقيود الأجساد والمكان؛ وضحها لنا آدم إنجليز (ص 49):
«كل ما خلف النافذة هو من كون موازٍ، أي كون آخر، هذا ما أرغب في الذهاب إليه، إنه يشبه العالم الذي نعيش فيه ولكن ليس هو، إنما موازٍ له. الغربان وحدها هي التي تستطيع أن تستقر في العالمين، وتعبر من عالم لآخر بكل سهولة وقتما شاءت.»
• الحب بوصفه (تضامناً أنطولوجياً): علاقة آدم بزهرة فرح في خيم الجنقل ليست مجرد نزوة عابرة، بل جاءت كمحاولة يائسة ومقدسة من قبل الكاتب لترميم الشروخ النفسية، وإعادة بناء المعنى الإنساني وسط مناخات الموت والبرد (ص 97):
(كنت اضطجع قربها فقط، نتحدث بهمس عن كل شيء، كانت الرفقة بالنسبة لي نوعًا من التضامن الإنساني النبيل، ليس إلا؛ ولكن جاء الشتاء والليل باردٌ هنا في الجنقل، ليست لدينا أغطية كافية كما تعلم، كنا نضع الطفل بيننا لينام.)
• المنطاد رمزية الحرية المطلقة: تعدت (حبكة المنطاد) داخل رواية (الغراب الذي أحبني) لبركة ساكن حدثاً أدى لسير الرواية في اتجاه ثيمتها الأساسية التي يريدها الكاتب لتلتحق بمفهوم «الواقعية السحرية السوداء»، حيث تتقاطع قسوة مخيمات اللجوء والتشرد (الجنقل) مع نزعة صوفية ووجودية نحو الخلاص المطلق. فالمنطاد هنا ليس مجرد وسيلة نقل ميكانيكية فاشلة للعبور نحو بريطانيا، بل هو استعارة مجازية للتمرد على سجن الأجساد والزمان والمكان وطبقات الجو والهواء، ومحاولة يائسة لخرق جدران الأرض الموصدة بأجنحة الوهم والشجاعة. ظهرت مدلولاته الكبرى في رفض البقاء ضمن «الاحتمال الوسط» أو قاع الهامش، ليغدو وسيلة عبور برزخية تفتح باباً نحو «العالم الموازي» حيث تتحرر الروح من شروط الواقع المأساوي، وتحول النهاية المأساوية لتحليق آدم إنجليز وقفزه إلى أسطورة سوداء تحرسها الغربان وتتناقلها ألسنة المهاجرين كرمز للحرية المطلقة التي تفوق الموت والحياة معاً.
ترنيمة أخيرة على شاطئ اليباب
تتجسد ذروة المأساة في الخاتمة التراجيدية؛ حيث يلفظ الباحث عن المعرفة والمطلق أنفاسه الأخيرة على شاطئ نهر «كينباخ»، محاطاً بغربان ترفض أن تترك روحه وحيدة، وتمنع الأغراب والشرطة من تدنيس طقس رحيله الأخير (ص 40):
(في صبيحة اليوم التاسع، بلَّغَ بعضُ الفلاحين الشرطة، بأنهم وجدوا جثة رجل أسود… ووجدوا جثة مُلقاة على شاطئ النهير الصخري الذي يُسمى كينباخ شرق مدينة غراتز، كان يلتف وينعق حولها ما لا يقل عن عشرة غربان منعت الفلاحين من الاقتراب من جثة الرجل الإفريقي.)
وبهذا التحول، تتركنا الرواية أمام صدى صوت تائه يتردد في ذاكرة ماما إيفا، ليختزل المأساة في صورتها الأبديّة:
(خسرت؛ زائِر يَطْرقُ بَابَ غُرْفَتي؛ زائِرٌ – فِي سَاعةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ اللَّيْلِ- يَطْرُقُ بَابَ غُرْفَتِي؛ هُوَ ذَاكَ وَلَا شَيْءَ أَكْثَرُ… مكانُهُ الفراغُ الأبدي، ذلك الغراب النبيل الذي خلع شرنقته وطار.)
في خاتمة المطاف، لا يتركنا بركة ساكن أمام جثة ملقاة على ضفاف «كينباخ» الباردة، ولا أمام حكاية عابرة لمهاجر أنهكه التيه؛ بل يضعنا وجهاً لوجه أمام الأسطورة وهي تُصاغ في أبشع صورها وأجملها معاً. إن (الغراب الذي أحبني) ليس سوى مرآة مقعرة لزمننا المأزوم؛ زمن تتقاطع فيه (الأرض اليباب) مع مخيمات الجنقل، وينزح فيه الإنسان باحثاً عن وطنه المفقود في عيون غربان لا تخطئ طريق البرزخ أبداً.
لقد أثبت بركة ساكن، بسرديته ووعيه الفلسفي النافذ، أن الكتابة عن الهجرة واللجوء ليست رصداً لخراب الجغرافيا، بقدر ما هي استبطان لخراب الروح وهي تقاتل كي لا تتدجن. وحين تتشابك خيوط هذا النص مع نبض (الرجل الخراب)، تكتمل الملحمة؛ فنكتشف أن آدم إنجليز لم يكن سوى تجسيد آخر لذاك الإنسان السوداني الذي يحمل وطنه ندبةً في القلب، ويمضي في رحلة المكابدة والجنون النبيل، عابراً من سجن الواقع إلى رحابة الكون الموازي.
يبقى آدم طائراً طليقاً، وتبقى الغربان حراسة أبدية لسر الوجود البشري المهشّم، تذكّرنا بأن العبور الأخير نحو الحرية، وإن كان مكلفاً وثقيلا.فإنه يظل الخيار الأوحد لمن رفضوا أن يعيشوا كأرقام على عتبات الهجرة واللجوء بأشكالها المتعددة.




