ثقافة وفن

دراسة نقدية في اللغة والصورة والرؤية

جماليات البوح والقلق الوجودي في ديوان «الراكد» للشاعرة هند رحمون

نور الدين طاهري
نور الدين طاهري

نورالدين طاهري

مقدمة: حين يتحول الزجل إلى مساءلة للذات والعالم

لا ينحصر الزجل في التعبير عن تفاصيل الحياة اليومية أو استعادة إيقاع الكلام المتداول، بل يمتلك إمكانات جمالية تتيح له تحويل التجربة المعيشة إلى خطاب فني تتقاطع فيه الذاكرة بالوجدان، والحميمي بالاجتماعي، والتلقائي بالتأمل. ومن داخل هذه الإمكانات تتشكل خصوصية التجربة الزجلية، حين تتجاوز اللغة وظيفتها التواصلية المباشرة لتغدو أداة لاستكشاف ما يعتمل في الذات من توتر وقلق ورغبة في التغيير.

ومن هذا الأفق يمكن مقاربة ديوان «الراكد» للشاعرة المغربية هند رحمون، الصادر عن مطبعة الكرامة بالرباط في طبعته الأولى سنة 2026. فمن خلال الديوان، تبدو الكتابة الزجلية في الديوان مشغولة بما يختبئ خلف مظاهر السكون، وبما يتراكم في الذات من أسئلة وانفعالات لا تجد طريقها إلى التعبير إلا عبر البوح واستثمار إمكانات اللغة اليومية.

ولا تتحدد القيمة الدلالية لهذه التجربة في الموضوعات التي تستحضرها فحسب، بل في الطريقة التي تتحول بها تلك الموضوعات إلى بناء زجلي تتفاعل داخله العبارة والإيقاع والصورة. فالوجع لا يظل إحساسا داخليا معزولا، بل يتحول إلى حركة صوتية تتكاثر فيها الصرخات؛ والرغبة في التغيير تتجاوز حدود التمني لتستهدف إعادة كتابة الحكاية وصورة الذات؛ أما الزحام، فيغادر دلالته المكانية ليصبح تعبيرا عن تضخم الكلام وتعقد العلاقات الإنسانية.

ويكتسب عنوان الديوان أهمية خاصة في توجيه القراءة؛ فالركود، بما يوحي به من سكون وانحباس وتعطل، يبدو في مفارقة مع رغبة الذات في الحركة والتجدد. غير أن هذه المفارقة لا تقيم حدا فاصلا بين السكون والحياة، بل تفتح المجال أمام احتمال وجود حركة داخلية لا تكشف عن نفسها إلا عبر اللغة. ومن هنا، يغدو الركود حالة ملتبسة تختزن ما لم يتحقق بعد، وتستبطن ما لم يجد طريقه إلى القول.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الشواهد المدروسة من ديوان «الراكد» تكشف عن تجربة زجلية تجعل من البوح فعلا لمواجهة الانحباس الداخلي، ومن اللغة اليومية وسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بالذات والعالم. وسنعمل على مقاربة هذه التجربة من خلال تحليل آليات بناء المعنى، والوقوف عند وظائف الصورة والتكرار والتضاد، مع مراعاة حدود الاستنتاج التي تفرضها المقاطع المختارة من الديوان الزجلي.

أولا: «الراكد» ومفارقة السكون والرغبة في التحول

تتجلى المفارقة المؤسسة لعنوان الديوان في المقطع الذي تقول فيه الشاعرة:

«عندي الراكد… بغيتو يزيد… ونسميه سعيد… ولا نسميه قصيدة» (ص. 7).

تنبني شعرية هذا المقطع على انزياح دلالي يتشكل داخل لغة قريبة من التداول اليومي. فعبارة «عندي الراكد» تبدو، في ظاهرها، تقريرا لحالة قائمة، غير أن انتقال المتكلمة إلى «بغيتو يزيد» يزعزع دلالة السكون، ويضعها أمام مفارقة تتصل بإمكان تحول ما يبدو ثابتا إلى حالة قابلة للامتداد والتغير.

إن الرغبة في زيادة الراكد لا تقدم معناها بصورة حاسمة؛ إذ لا تحدد العبارة طبيعة ما يراد أن يزداد، وتترك الدلالة مفتوحة على احتمالات متعددة. فقد يتعلق الأمر بتراكم الوجع، أو اتساع التجربة، أو تضخم الرغبة في الكلام، أو نمو ذلك المخزون الداخلي الذي لم يجد بعد صورته المناسبة. وتكمن أهمية هذا الانفتاح في أنه يجعل الركود حالة غير مكتملة الدلالة، ويمنحه قابلية للتحول داخل أفق القراءة.

لكن التحول الأبرز يتجلى في الانتقال من الرغبة إلى التسمية: «ونسميه سعيد… ولا نسميه قصيدة». هنا لا تعود الذات مكتفية بالإقرار بما تعيشه، بل تحاول أن تمنح تجربتها اسما يحدد طبيعتها ويجعلها قابلة للفهم. غير أن التردد بين «سعيد» و«قصيدة» يكشف عن صعوبة الفصل بين الحالة الوجدانية وشكل التعبير عنها.

فسعيد اسم علم من السعادة تحيل إلى حالة مرغوبة، بينما تستدعي القصيدة فعل الكتابة وتحويل التجربة إلى بناء فني. ولا يبدو أن الاختيار بين الاسمين قد حسم نهائيا، وهو ما يمنح التردد نفسه قيمة دلالية؛ فالذات تختبر اللغة بحثا عن الاسم الذي يستطيع استيعاب تجربتها، لكنها تظل واعية، ضمنيا، بأن التجربة أوسع من أن تختزل في تسمية واحدة.

ومن هذه الزاوية، لا يكون الزجل مجرد وسيلة للتعبير عن حالة نفسية سابقة، بل يصبح مجالا تتشكل داخله هذه الحالة وتعيد اكتشاف نفسها. فالذات لا تعرف تماما ما الذي تملكه، ولا ما الذي ينبغي أن تسميه، لكنها تحاول تحويل الغموض إلى صيغة قابلة للتداول.

وهكذا يكتسب عنوان «الراكد» بعدا يتجاوز الإحالة المباشرة إلى السكون؛ إذ يمكن النظر إليه بوصفه علامة على تجربة تختزن حركة مؤجلة، وعلى ذات تحاول أن تستعيد قدرتها على الفعل من داخل وضع يبدو متعطلا. فالركود، في هذا السياق، ليس نهاية الحركة بقدر ما هو الحالة التي تنشأ منها الحاجة إلى التغيير.

ثانيا: البوح وتشخيص الوجع في أفق التعبير الزجلي

إذا كان المقطع السابق يضعنا أمام تجربة تبحث عن اسمها، فإن المقطع التالي ينقلنا إلى مستوى أكثر حركية، حيث تتخذ الرغبة في التعبير صورة سلسلة من الأصوات المتوالدة:

«بغيت ركلاتو تعيط على الوجع… والوجع يعيط على الغوات… حتى نرتاح…» (ص. 7).

يبدأ المقطع بلفظة «بغيت»، التي تكشف عن رغبة في تغيير وضع قائم، قبل أن تنتقل العبارة إلى بناء مشهد صوتي تتعاقب داخله النداءات والصرخات. وبدل أن تتخذ المعاناة شكل اعتراف مباشر أو وصف لحالة نفسية، تتحول إلى حركة لغوية تتداخل فيها الذات والوجع والصوت.

وتتجلى أهمية هذا البناء في تشخيص الوجع، إذ لا يبقى الألم موضوعا للشكوى، بل يتحول إلى طرف فاعل يشارك في إنتاج الصراخ. وبذلك تتراجع المسافة الفاصلة بين الذات ومعاناتها، ويغدو الوجع قوة حاضرة داخل المشهد، لا مجرد إحساس تستحضره المتكلمة من الخارج.

كما يؤدي تكرار فعل «يعيط» وظيفة إيقاعية ودلالية في آن واحد. فالصوت يستدعي صوتا آخر، والنداء يفضي إلى نداء مضاعف، وكأن اللغة تحاكي حركة الألم حين يتراكم ويعجز عن احتواء نفسه. ومن ثم، لا يكون التكرار مجرد إعادة لفظية، بل وسيلة لتجسيد الضغط النفسي داخل بنية العبارة.

ويكشف هذا التصاعد عن مفارقة أساسية: فالذات تسعى إلى الراحة، لكنها تمر عبر سلسلة من الأصوات التي تضاعف حضور الألم قبل أن تتيح لها إمكان مواجهته. إن الصرخة لا تضمن الخلاص، لكنها تنقل الوجع من منطقة الكتمان إلى فضاء التعبير، وتجعله قابلا للمواجهة بعد أن كان محصورا في الداخل.

وتكتسب عبارة «حتى نرتاح» أهمية خاصة لأنها تحدد الغاية التي تتجه إليها حركة البوح. غير أن الراحة تظل أفقا مرجوا لا نتيجة مؤكدة؛ فالنص لا يثبت أن التعبير ينهي المعاناة، وإنما يكشف عن حاجة الذات إلى إخراج ما يثقلها. وهنا تتحدد وظيفة البوح في هذه التجربة: ليس إلغاء الألم، بل كسر الصمت الذي يحيط به، ومنحه شكلا يمكن للذات أن تواجهه من خلاله.

ومن ثم، تستمد اللغة الزجلية في هذا المقطع جزءا من طاقتها التعبيرية من قدرتها على استثمار الفعل اليومي وتحويله إلى حركة صوتية ذات كثافة نفسية. فالتعبير لا يقوم على معجم بعيد عن التجربة، بل على كلمات مألوفة تكتسب دلالات أوسع بفعل التكرار والتشخيص والتصاعد.

ثالثا: إعادة كتابة الحكاية ومقاومة الصورة

الجاهزة للذات

في مقطع آخر، تتجه الرغبة في التغيير إلى مستوى أعمق، حيث لا تكتفي الذات بمحاولة التعبير عن الألم، بل تسعى إلى إعادة بناء الحكاية التي تنتظم داخلها تجربتها:

«بغيت نبدل الحكاية… البطلة والتفاصيل وأقوال المراية…» (ص. 10).

تتجاوز عبارة «نبدل الحكاية» الرغبة في تعديل حدث عابر، لتفتح إمكان إعادة النظر في المسار الذي تشكلت من خلاله التجربة. فالحكاية ليست مجرد سلسلة من الوقائع، وإنما هي أيضا الطريقة التي ترتب بها الذات ذاكرتها، وتمنح أحداث حياتها دلالات محددة، وتحدد من خلالها موقعها داخل العالم.

وعندما تمتد الرغبة في التغيير إلى «البطلة والتفاصيل وأقوال المراية»، فإنها تشمل مستويات متعددة من التجربة. فالبطلة تحيل إلى الشخصية المركزية في الحكاية، والتفاصيل تشير إلى الجزئيات التي تمنح الحياة ملمسها الخاص، أما المرآة فتستدعي سؤال الصورة التي تواجه بها الذات نفسها، وما يرتبط بها من أحكام وتصورات.

إن تغيير البطلة يمكن أن يقرأ بوصفه رغبة في تجاوز الدور الذي استقرت فيه الذات، أو التحرر من صورة لم تعد قادرة على التعبير عن إمكاناتها. أما تغيير التفاصيل، فيوحي بأن التحول المطلوب لا يتعلق بالمظاهر الكبرى وحدها، بل يشمل الجزئيات التي تتكون منها التجربة اليومية. وتأتي «أقوال المراية» لتضيف إلى هذه الرغبة بعدا يتصل بمساءلة الهوية، وبإمكان إعادة النظر في الطريقة التي ترى بها الذات نفسها.

وهكذا لا يكون التغيير المطلوب خارجيا بالكامل، لأنه يمس الصورة الداخلية التي تنتظم بها التجربة، ولا داخليا محضا، لأنه يتصل كذلك بالوقائع والتفاصيل التي تمنح الحياة مسارها.

وتتعمق هذه الرغبة في المقطع التالي:

«بداية جديدة أول مرة تبدا… ونهاية سعيدة إلى مالانهاية…» (ص. 10-11).

تتجاور البداية والنهاية في تركيب يقوم على مفارقة واضحة. فالبداية الجديدة توحي بفتح أفق لم يكن متاحا من قبل، بينما تضيف عبارة «أول مرة تبدا» معنى التجدد الجذري، وكأن الذات لا تريد مجرد استئناف مسار سابق، بل ترغب في تجربة البدء من موقع مختلف.

أما «نهاية سعيدة إلى مالانهاية»، فتجمع بين الإغلاق والاستمرار في صيغة واحدة. فالنهاية، في البناء الحكائي المألوف، تعني الوصول إلى نقطة يتوقف عندها المسار، غير أن ربطها باللانهاية يزعزع هذا المعنى، ويحولها إلى أفق مفتوح على استمرار السعادة وعدم انقطاعها.

ولا تقتصر دلالة هذا المقطع على التطلع إلى نهاية سعيدة، بل تكشف عن رغبة في استعادة الحق في تخيل المستقبل. فالذات التي تسعى إلى تغيير الحكاية لا تملك بالضرورة القدرة على تغيير الواقع، لكنها تستطيع أن تعيد تصور الإمكانات التي يتيحها هذا الواقع، وأن ترفض الاستسلام للصيغة التي استقرت بها حياتها.

ومن هنا، يصبح الخيال الزجلي أداة لمقاومة المصير المغلق، لا لأنه يقدم بديلا جاهزا عن الواقع، بل لأنه يمنح الذات مساحة لتجريب احتمالات أخرى. فالبداية الجديدة ليست وعدا بالتحقق، وإنما تعبير عن إرادة ترفض أن تكون التجربة الماضية هي المحدد الوحيد لما يمكن أن يأتي بعدها.

رابعا: الزحام من المشهد اليومي إلى اختناق المعنى

يأخذ البعد الاجتماعي حضورا واضحا في المقطع الذي تقول فيه الشاعرة:

«فيا الزحام…. الزحام على الجديد… يامات العيد. وييه فيا الزحام… زحام الكلام… شي دافع شي… ما يفّكها غا مول الشي» (ص. 73).

تحتل كلمة «الزحام» مركز المقطع، وتتكرر بطريقة تجعلها عنصرا منظما لإيقاعه ودلالته. فالتكرار لا يكتفي بتأكيد حضور الظاهرة، بل يحاكيها من خلال اللغة نفسها؛ إذ تتراكم المفردة كما تتراكم الأجساد والأصوات داخل فضاء مكتظ.

يبدأ المقطع بالزحام على الجديد، ثم يستحضر أيام العيد، قبل أن ينتقل إلى «زحام الكلام». ويكشف هذا الانتقال عن اتساع الصورة من مجالها المحسوس إلى مجالها الرمزي. فالزحام لا يعود مقتصرا على تدافع الأجساد في مكان محدود، بل يصبح استعارة ممكنة لتراكم الأقوال والمواقف، وللحالة التي يفقد فيها الكلام قدرته على تنظيم الاختلاف أو إنتاج الوضوح.

وتكتسب عبارة «زحام الكلام» أهميتها من هذا التحول؛ إذ تنقل الاكتظاظ من المكان إلى اللغة، وتجعل القول نفسه فضاء مزدحما. فالكثرة لا تعني بالضرورة التواصل، كما أن تعدد الأصوات لا يفضي دائما إلى وضوح المعنى. وقد يتحول الكلام، حين تتضخم أشكاله وتتداخل مقاصده، إلى مصدر إضافي للالتباس.

أما عبارة «شي دافع شي»، فتستحضر حركة متبادلة لا تتضح أطرافها على نحو كامل، لكنها توحي بالتدافع والتشابك. ويظل المشهد مفتوحا على احتمالات اجتماعية متعددة، من دون أن يفرض النص تفسيرا واحدا لما يجري. وتأتي الخاتمة «ما يفّكها غا مول الشي» لتستدعي حدود المعرفة البشرية أمام وضع معقد، حيث لا يبدو أن كثرة الكلام كافية لفك الالتباس.

وتنبع قوة هذا المقطع من تضافر الإيقاع والدلالة؛ فالتكرار يحاكي التكدس، والانتقال من الزحام المادي إلى زحام الكلام يكشف عن امتداد الظاهرة إلى العلاقات الإنسانية، بينما تمنح العبارة الختامية المشهد نبرة تجمع بين الإقرار بصعوبة الفهم واستحضار ما يتجاوز قدرة الفرد على السيطرة.

وبهذا المعنى، يتصل الزحام بمفهوم الركود من زاوية مفارقة؛ فالحركة الكثيفة لا تعني بالضرورة تحقق التقدم، كما أن كثرة الأصوات لا تضمن الوصول إلى المعنى. وقد تكون الحركة، في بعض الحالات، شكلا آخر من أشكال التعطل، حين تستمر الأفعال والأقوال من دون أن تقود إلى انفراج واضح.

خامسا: الغربة والانتظار وتعليق الزمن

يبرز القلق المرتبط بالغياب في المقطع التالي:

«صافي قربتي تجي؟! غادي تجي وما ترجعش؟! تبات وتقيل… وتقيل وتبات…؟ وطلق الغربة طلاق التلات…؟» (ص. 68).

يقوم المقطع على سلسلة من الأسئلة التي تتداخل فيها الرغبة في اللقاء مع الخوف من استمرار الغياب. ولا تقدم المتكلمة حدثا مكتمل المعالم، بل تكشف عن حالة وجدانية تتشكل عبر الاستفهام، حيث يصبح السؤال وسيلة للتعبير عن القلق أكثر مما يكون طلبا لإجابة محددة.

يحمل الاستهلال «صافي قربتي تجي؟!» توترا بين الأمل ونفاد الصبر. فالمتكلمة تتطلع إلى اقتراب لحظة اللقاء، لكنها تصوغ هذا التطلع في سؤال يوحي بأن الانتظار طال إلى الحد الذي جعل الاطمئنان نفسه موضع شك.

ويزداد القلق وضوحا في عبارة «غادي تجي وما ترجعش؟!»، حيث لا يعود المجيء غاية كافية، بل يصبح الاستقرار هو المطلب الأعمق. فالذات لا تبحث عن حضور عابر، وإنما عن حضور ينهي حالة الترقب ويمنح العلاقة قدرًا من الثبات.

أما التبادل بين «تبات وتقيل» و«تقيل وتبات»، فيخلق حركة دائرية تتبادل فيها الأفعال مواقعها. ويمكن قراءة هذا التكرار بوصفه تجسيدا لزمن الانتظار، حين تفقد الأيام قدرتها على إنتاج الجديد وتظل تدور حول الاحتمال نفسه. فالتكرار اللغوي يعكس تكرار الحالة النفسية، ويجعل الزمن يبدو وكأنه عالق بين غياب لم ينته وحضور لم يتحقق بعد.

وتأتي عبارة «وطلق الغربة طلاق التلات» لتمنح الرغبة في الانفراج صيغة حاسمة. فالغربة لا تظهر هنا باعتبارها بعدا مكانيا فحسب، بل بوصفها حالة يراد القطع معها نهائيا. واستدعاء صيغة الطلاق يضفي على العبارة قوة تداولية، إذ يحول الرغبة في الخلاص إلى إعلان عن ضرورة إنهاء وضع استنفد قدرة الذات على الاحتمال.

ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحا، ولا يقدم المقطع ما يؤكد تحقق الانفراج. فالرغبة في إنهاء الغربة لا تعني أن الغربة انتهت، كما أن انتظار المجيء لا يضمن تحقق اللقاء. وتنبع دلالة النص من إبقاء الذات معلقة بين ما ترجوه وما تخشاه، وبين الزمن الذي تتطلع إلى تجاوزه والزمن الذي لا تزال أسيرة له.

ومن هنا، يصبح الانتظار مكونا في بناء المقطع، لا مجرد موضوع يتحدث عنه. فالأسئلة المتتابعة تؤجل الاستقرار، والتكرار يعيد القلق إلى نقطة انطلاقه، وغياب الجواب يحول اللغة إلى فضاء تتجسد فيه صعوبة الاطمئنان إلى المستقبل.

سادسا: البحر واستيعاب تناقضات التجربة الإنسانية

يقول النص في مقطع آخر:

«ضيف الله أالبحر أليام والناس والصبر. فيك حياة… أحلام وأمل وندم وجليد وجمر» (ص. 76).

يستدعي هذا المقطع البحر باعتباره فضاء تتجمع داخله عناصر متعددة من التجربة الإنسانية. فهو لا يحضر بوصفه منظرا طبيعيا محايدا، وإنما يكتسب وظيفة رمزية من خلال ما تنسبه إليه العبارة من حياة وأحلام وأمل وندم.

ويمنح توجيه الخطاب إلى البحر الصورة طابعا حواريا؛ إذ تتحول الطبيعة إلى طرف في علاقة وجدانية تتجاوز حدود الوصف. ويبدو البحر، ضمن هذا البناء، مجالا يستوعب آثار الزمن وتجارب الناس وما يرافقها من صبر وانتظار وتطلع.

غير أن الدلالة لا تستقر عند صورة البحر بوصفه فضاء للأمل، لأن المقطع يضم إلى مفردات الحياة والأحلام مفردات الندم والجليد والجمر. وهذا التجاور يمنع اختزال الصورة في معنى واحد، ويجعل البحر فضاء تتعايش فيه حالات متعارضة.

فالأمل يتجه إلى المستقبل، بينما يرتبط الندم بالماضي وما خلفه من آثار نفسية. أما الجليد والجمر، فينقلان التناقض إلى مستوى حسي؛ إذ يستدعي الأول البرودة والسكون، بينما يوحي الثاني بالحرارة الكامنة والقابلية للاشتعال.

ولا تكمن أهمية هذا التضاد في المقابلة بين عنصرين مختلفين فحسب، بل في اجتماعهما داخل صورة واحدة. فالتجربة الإنسانية لا تظهر هنا بوصفها حالة وجدانية متجانسة، وإنما باعتبارها تركيبا من الانفعالات المتعارضة، حيث يمكن للأمل أن يتجاور مع الندم، وللبرودة أن تتعايش مع الاشتعال.

وتتيح هذه الصورة العودة إلى عنوان الديوان من زاوية أخرى؛ فالركود الذي ظهر في المقطع الافتتاحي يمكن أن يتصل، على سبيل التأويل، بصورة الجليد، لكنه لا يستنفد دلالته، لأن الجمر يحضر إلى جانبه بوصفه علامة على حرارة كامنة. وهكذا يتجاور السكون مع إمكان الاشتعال، وتصبح الحالة التي تبدو مستقرة ظاهريا قابلة لاحتواء تناقضات لا تظهر كلها على السطح.

ومن ثم، لا يؤدي البحر وظيفة الرمز الأحادي الذي يمكن اختزاله في معنى ثابت، بل يفتح أفقا للتأمل في تعدد التجربة الإنسانية، وفي صعوبة الفصل بين ما يمنح الحياة إمكان الاستمرار وما يثقلها من ندم وألم وانتظار.

سابعا: خصوصية الدارجة المغربية

في بناء المعنى الزجلي

تتصل الخصائص الجمالية لهذه الشواهد باللغة التي صيغت بها، إذ تمثل الدارجة المغربية مكونا أساسيا في بناء الخطاب الزجلي، لا مجرد وسيلة لنقل المعنى. فهي تتيح استحضار حرارة الكلام اليومي وإيقاعه، وتمنح العبارة قدرة على الاقتراب من التجربة المعيشة من دون أن تفقد إمكاناتها الرمزية.

وتظهر هذه الخصوصية في استعمال صيغ مثل «بغيت»، و«يعيط»، و«نبدل الحكاية»، وفي توظيف تعابير متداولة ضمن سياقات تكتسب فيها دلالات تتجاوز معناها الأول. فاللغة لا تستمد قيمتها الشعرية من غرابة مفرداتها، بل من العلاقات التي يقيمها النص بين هذه المفردات، ومن الطريقة التي يعيد بها تنظيم الكلام المألوف.

ويتجلى ذلك في تكرار «الزحام»، حيث تتحول كلمة ذات دلالة مكانية مباشرة إلى عنصر ينظم إيقاع المقطع ويستوعب دلالات اجتماعية ورمزية. كما يتجلى في سلسلة الصراخ، التي تحول فعلا يوميا إلى مشهد صوتي تتكاثر داخله الانفعالات، وفي عبارة «أقوال المراية» التي تفتح التعبير المألوف على سؤال صورة الذات.

ولا يعني هذا أن استعمال الدارجة يضمن تحقق الشعرية تلقائيا؛ فالقيمة الجمالية لا تنتج عن اللغة وحدها، وإنما عن طريقة توظيفها داخل بناء النص. وتكشف الشواهد المدروسة عن إمكانات تتصل بالتكرار والتضاد والتشخيص، وبالانتقال من الدلالة المباشرة إلى الدلالة المجازية.

كما أن حضور التعابير القريبة من الكلام اليومي يتيح للنص الاحتفاظ بخصوصيته التداولية، ويجعل الانفعال جزءا من نبرة الخطاب وإيقاعه. غير أن تحديد الخصائص الإيقاعية للديوان في مجموعها يظل رهينا بقراءة نصوصه كاملة، وبالانتباه إلى تنظيم الأسطر وطرائق الأداء الشفهي، حتى لا تتحول الملاحظات المستندة إلى شواهد محدودة إلى أحكام عامة تتجاوز ما يثبته النص.

خاتمة: من ركود التجربة إلى حركة البوح

تكشف المقاطع المدروسة من ديوان «الراكد» للشاعرة هند رحمون عن تجربة زجلية تتأسس على التوتر بين السكون والحركة، وبين الانحباس الداخلي والرغبة في الإفصاح. فالذات التي تحاول تسمية ما يعتمل فيها لا تنجح في إغلاق دلالته، والتي تصرخ في مواجهة الوجع لا تضمن الوصول إلى الراحة، والتي تسعى إلى إعادة كتابة حكايتها لا تملك ضمانا بأن الواقع سيستجيب لرغبتها في التغيير.

وفي هذا التوتر تتشكل إحدى السمات الأساسية لهذه الشواهد؛ إذ لا يقدم الزجل تجربة مكتملة أو معنى نهائيا، بل يتيح للذات أن تختبر علاقتها بما تعيشه من خلال اللغة. فالتكرار يحول الانفعال إلى حركة صوتية، والتشخيص يمنح الوجع قدرة على الفعل، والتضاد يكشف عن ازدواجية التجربة، بينما يجعل الاستفهام الانتظار حالة لغوية معلقة بين الرجاء والخوف.

كما يتضح أن الانتقال من الألم الفردي إلى الزحام الاجتماعي، ومن الرغبة في تغيير الحكاية إلى محاولة إنهاء الغربة، يفتح مجال القراءة على علاقة الذات بالعالم. فالمعاناة لا تبقى حبيسة الداخل، وإنما تتصل بفضاء تتداخل فيه الأصوات والعلاقات والغيابات، وتظل فيه القدرة على التحكم في المصير محدودة.

وتمنح الدارجة المغربية هذه التجربة إمكانات تعبيرية تتصل بحرارة الكلام اليومي ومرونته، لكنها لا تختزل شعريتها في العفوية أو المباشرة. فاللغة تكتسب قيمتها من قدرتها على تحويل التعبير المألوف إلى بناء يحتمل أكثر من دلالة، وعلى جعل الانفعال الشخصي مدخلا إلى أسئلة تتصل بالهوية والزمن والانتظار والمصير.

وعليه، فإن خصوصية الشواهد المدروسة لا تكمن في موضوعاتها وحدها، بل في الكيفية التي تتحول بها هذه الموضوعات إلى حركة زجلية تستثمر التكرار والتضاد والتشخيص، وتستفيد من طاقة الدارجة في بناء صور تتجاوز معناها المباشر.

ولعل المفارقة التي تجمع هذه المقاطع تتمثل في أن الركود لا يعني انعدام الحياة، كما أن الحركة لا تعني بالضرورة تحقق الانفراج. فقد يخفي السكون رغبة متقدة في التغيير، وقد يتحول الكلام إلى صورة أخرى من صور الاختناق، وقد تظل النهاية المنشودة بداية مؤجلة لا تكف الذات عن تخيلها.

من هنا، يمكن النظر إلى «الراكد» بوصفه أفقا للبوح الذي لا يدعي امتلاك الخلاص، لكنه يقاوم الصمت، ويمنح التجربة شكلا قابلا للتأمل والمساءلة. فالزجل، في هذه الشواهد، لا يكتفي بتسجيل ما يحدث في الداخل، بل يعيد تشكيله داخل اللغة، ويحول ما يبدو ساكنا إلى موضوع للحركة والتساؤل، فاتحا المجال أمام الذات لكي تعيد النظر في علاقتها بنفسها وبالعالم.

المرجع

الشاعرة هند رحمون، «الراكد»،ديوان زجلي، مطبعة الكرامة، الرباط، الطبعة الأولى، 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق