بدويات

أزمة الديمقراطية: البحث عن القاسم المشترك بين البشر؟ (١-٢)

فرنسا أنموذجا لأزمة التفاوت الاجتماعي والانقسام الثقافي

محمد بدوي مصطفى
محمد بدوي مصطفى كاتب وإعلامي سوداني مقيم بألمانيا

محمد بدوي مصطفى

أعادت الأحداث التي شهدتها فرنسا، وما رافقها من احتجاجات وأعمال تخريب ومواجهات مع الشرطة، طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول قدرة المجتمعات الديمقراطية على الحفاظ على تماسكها في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية وتراجع الثقة بالمؤسسات.  وليس من الدقة اعتبار ما يجري دليلاً على أزمة أوروبية واحدة، تتشابه أسبابها ومظاهرها في جميع البلدان؛ فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه وتناقضاته الخاصة. غير أن التجربة الفرنسية تفتح نافذة للتأمل في تحديات تتجاوز حدود أوروبا، وتطرح أسئلة نجد أصداءها، بصور مختلفة، في مجتمعات أخرى حول العالم، حيث تتقاطع مشكلات التفاوت الاقتصادي، والشعور بالتهميش، وأزمة الثقة في المؤسسات.

ما الذي يدفع بعض الشباب إلى النزول إلى الشوارع؟ ومتى يتحول الاحتجاج على أوضاع اجتماعية متردية إلى عنف يستهدف الممتلكات العامة والخاصة؟ وماذا يحدث للثقة بالدولة ومؤسساتها حين يشعر بعض المواطنين بأن فرصهم في التعليم والعمل وتحسين أوضاعهم باتت أضيق من فرص الآخرين؟

في حواره مع الإعلامي الألماني ماركوس لانز، تناول الفيلسوف ريشارد دافيد بريشت هذه الأسئلة من منظور اجتماعي، متجاوزاً مشاهد العنف إلى الظروف التي قد تغذي الغضب وتراكم الإحباط. وتكمن أهمية هذا النقاش في أنه لا يكتفي بإدانة مظاهر الفوضى، ولا يتخذ منها مبرراً، بل يحاول النظر إلى ما وراءها: إلى علاقة التفاوت الاجتماعي بالاستقرار الديمقراطي، وإلى قدرة المجتمعات على صون تماسكها حين تتسع المسافة بين الوعود السياسية والواقع الذي يعيشه الناس.

اتساع الفجوة الاجتماعية

استخدم بريشت تعبير «إعادة الإقطاع» لوصف اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع مكانة الطبقة الوسطى، وتقلّص فرص الحراك الاجتماعي.  وهو لا يقصد بذلك عودة الإقطاع بصورته التاريخية التي عرفتها فرنسا قبل الثورة، بل يشير إلى تنامي شعور لدى قطاعات من المجتمع بأن الثروة والامتيازات الموروثة باتت تلعب دوراً متزايداً في تحديد فرص النجاح، في حين لم يعد العمل الجاد أو التعليم كافيين، بالضرورة، لضمان الارتقاء الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة، كما كان كثيرون يأملون.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصل إلى السلطة حاملاً وعوداً بإصلاح المجتمع الفرنسي، وتحديث مؤسساته، وتجاوز الانقسامات بين مكوناته.  غير أن قطاعات واسعة من الفرنسيين ظلت تنتقد سياساته الاقتصادية والاجتماعية، معتبرة أنها لم تنجح بالقدر الكافي في معالجة مشكلات القدرة الشرائية، وتكافؤ الفرص، واتساع الفوارق الاجتماعية. وبذلك بقيت المسافة قائمة بين الوعود الإصلاحية وما يلمسه المواطنون في حياتهم اليومية.

ومع ذلك، تظل الفكرة التي طرحها بريشت جديرة بالتأمل: حين يشعر الإنسان بأن موقعه الاجتماعي يحدد مستقبله أكثر مما تحدده قدراته واجتهاده، تتراجع ثقته بإمكانية التغيير. والخطر هنا لا يقتصر على الفقر، بل يمتد إلى الإحساس بانسداد الأفق.

لكن التفاوت الاجتماعي، على أهميته، لا يكفي وحده لتفسير كل ما يحدث في الشوارع. فهناك فارق بين الاحتجاج على السياسات العامة وبين الاعتداء على حقوق الآخرين، وهو فارق شدد عليه لانز في نقاشه مع بريشت.

الاحتجاج والعنف:  مسؤوليّة من؟

لا خلاف يا سادتي على أن المطالبة بتحسين التعليم ومواجهة التهميش حق مشروع، وأن الاحتجاج السلمي يمثل في نظري إحدى الوسائل الأساسية للتعبير في المجتمعات الديمقراطية. لكن نهب المتاجر وإحراق الممتلكات والاعتداء على الأشخاص لا تصبح أفعالاً مشروعة لمجرد وقوعها في سياق احتجاج اجتماعي. وفي المقابل، لا تكفي إدانة العنف وحدها لفهم الظروف التي قد تساعد على انتشاره.  فالمطلوب هو التمييز بين المسؤولية الفردية عن الأفعال، ومسؤولية المؤسسات عن معالجة المشكلات التي تقع ضمن اختصاصها.

وقد يتحول الغضب، حين يفقد مطالبه الواضحة وأفقه السياسي، إلى رفض لا يقدم تصوراً للتغيير، فيصبح التدمير غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق مطلب محدد. وعندئذ لا يعود الاحتجاج قادراً على تقديم بديل، بل يضيف إلى الأزمات القائمة شعوراً جديداً بالخوف وانعدام الثقة.

وتزداد الصورة تعقيداً حين تتداخل الظروف الاقتصادية مع أسئلة الانتماء والاعتراف الاجتماعي.  وهنا تبرز الضواحي الفرنسية، لا بوصفها بؤراً للعنف فحسب، بل باعتبارها فضاءات اجتماعية وثقافية متعددة، تختزن قصصاً من المعاناة والنجاح معاً.  ويكفي أن نتأمل المنتخب الفرنسي لكرة القدم، الذي ضم عبر أجياله لاعبين من أصول أفريقية وعربية وغيرها، ليقدم صورة لفرنسا متعددة الجذور، قادرة على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة وانتماء مشترك. كما خرج من أحياء الضواحي فنانون ومغنو راب وممثلون ومبدعون تركوا بصمتهم في الثقافة الفرنسية، تماماً كما برز أبناء الأحياء الشعبية في الولايات المتحدة في مجالات كرة السلة والموسيقى والسينما.

هذه النماذج لا تلغي مشكلات التمييز أو تفاوت الفرص، ولا تعني أن طريق النجاح مفتوح أمام الجميع بالقدر نفسه، لكنها تكشف عن طاقات لا يجوز اختزالها في الصور النمطية المرتبطة بالعنف أو الإقصاء.  فالضواحي ليست كتلة واحدة، وشبابها ليسوا جماعة متجانسة؛ بينهم من يواجه صعوبات حقيقية، ومن يجد طريقه إلى التعليم والعمل والفن والرياضة، ومن يطمح إلى أن يُنظر إليه باعتباره مواطناً كاملاً، لا مجرد امتداد لخلفية أسرته أو الحي الذي نشأ فيه.

ولعل التحدي الحقيقي يكمن هنا:  كيف تستطيع الدولة والمجتمع تحويل هذا التنوع إلى شعور مشترك بالمواطنة، بحيث لا يظل الانتماء إلى فرنسا موضع سؤال أو اختبار دائم لبعض أبنائها؟

الضواحي الفرنسية وقضية الانتماء

تضم الضواحي الفرنسية، المعروفة باسم «البانليو» (Banlieues)، مناطق وأحياء تختلف اختلافاً كبيراً في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية. وتعيش في بعضها أسر ذات أصول مهاجرة، ولا سيما من شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب شرائح أخرى من المجتمع الفرنسي.

ولا يجوز اختزال هذه الأحياء في مشاهد الشغب أو التهميش؛ فهي تضم طلاباً وعمالاً وأطباء وأساتذة وأصحاب أعمال، كما يعيش فيها شباب وُلدوا في فرنسا ويحملون جنسيتها. وقد يواجه بعض هؤلاء صعوبات تتعلق بالتمييز أو فرص العمل أو السكن، بينما تختلف تجارب آخرين تبعاً لظروفهم الأسرية والتعليمية والمهنية.

ومن هنا، فإن فهم ما يجري يتطلب النظر إلى العوامل المحلية المحددة، مثل البطالة وجودة التعليم والعزلة الحضرية والعلاقة بين السكان ومؤسسات الدولة، بدلاً من افتراض أن الأصل الثقافي أو الديني يفسر سلوك الأفراد.

وفي هذا السياق، تستحضر المناقشات أحياناً أطروحة صموئيل هنتنغتون عن «صدام الحضارات». غير أن تطبيقها بصورة مباشرة على الحالة الفرنسية قد يحجب جوانب أساسية من المشكلة. فليس كل خلاف ثقافي صراعاً حضارياً، وليس كل احتجاج في حي متعدد الثقافات تعبيراً عن مواجهة بين الإسلام والغرب.

ومع ذلك، تظل أسئلة المواطنة والقيم المشتركة واحترام القانون مشروعة. فالتنوع الثقافي لا يلغي ضرورة وجود قواعد تنظم الحياة العامة، كما أن احترام تلك القواعد لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتمييز ضد جماعات بعينها.

والتحدي هو بناء مواطنة يشعر فيها الفرد بأن حقوقه مصونة، وأن انتماءه إلى المجتمع لا يتوقف على أصله أو دينه، مع التزامه بالقوانين التي تحمي حقوق الجميع.

الهجرة: اختلاف الدوافع والظروف

تحتل الهجرة موقعاً بارزاً في النقاش السياسي الفرنسي، كما تشغل حيزاً واسعاً من النقاشات الدائرة في بلدان أوروبية أخرى.  غير أن السياسات والظروف تختلف من بلد إلى آخر، ولا يمكن التعامل مع التجربة الفرنسية باعتبارها نموذجاً يفسر جميع تجارب الهجرة في القارة، فضلاً عن تجارب العالم خارجها.

فالهجرة ليست ظاهرة واحدة، ولا يحمل جميع المهاجرين الدوافع والظروف نفسها. هناك من يأتي بحثاً عن العمل أو الدراسة، ومن يلتحق بأسرته، ومن يضطر إلى مغادرة وطنه طلباً للحماية من الحرب أو الاضطهاد.  ولكل فئة ظروفها وحقوقها واحتياجاتها، ولذلك فإن جمع هذه التجارب المختلفة في سلة واحدة لا يساعد على فهم الواقع، ولا على صياغة سياسات عادلة وفعالة.

وفي السودان، دفعت الحرب ملايين الأشخاص إلى النزوح واللجوء، فأصبح البحث عن الأمان ضرورة لا خياراً.  وفي بلدان إفريقية أخرى، قد تدفع البطالة وضعف فرص التعليم والعمل بعض الشباب إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل.  ومع ذلك، لا يمكن اختزال دوافع الهجرة في العامل الاقتصادي وحده، أو تعميم تجربة بلد على سائر بلدان القارة. فهناك أيضاً النزاعات، وضعف المؤسسات، والفساد، وانسداد الأفق السياسي والاجتماعي، إلى جانب عوامل دولية واقتصادية تؤثر في مسارات التنمية وتدفع الناس إلى الرحيل.

ولعل التجربة الألمانية عام2015  تقدم مثالاً بارزاً على تعقيدات هذا الملف.  فقد شهدت البلاد تدفقاً كبيراً لطالبي اللجوء، ولا سيما من سوريا ومناطق أخرى شهدت الحروب والنزاعات.  وأظهرت تلك المرحلة صورتين متباينتين في المجتمع الألماني:  موجة واسعة من التضامن والمبادرات التطوعية لمساعدة الوافدين، وفي المقابل نقاشاً سياسياً واجتماعياً حاداً حول قدرة المؤسسات على الاستيعاب، ومتطلبات الاندماج، وحدود المسؤولية الإنسانية للدولة.  ولم تكن التجربة مجرد اختبار لسياسة اللجوء، بل كشفت أيضاً عن أهمية التخطيط والاستثمار في التعليم والسكن والخدمات، وعن صعوبة تحقيق التوازن بين التضامن الاجتماعي وقدرة المؤسسات على الاستجابة.

ومن هنا، لا بد من النظر إلى مسؤوليات الحكومات في بلدان المنشأ، كما إلى مسؤوليات الدول المستقبلة. فمن حق هذه الدول تنظيم الدخول والإقامة وفق قوانينها والتزاماتها، لكن عليها في الوقت نفسه التعامل مع طلبات اللجوء بعدالة، واحترام الحقوق الأساسية، ومراعاة احتياجات الوافدين وقدرتها الفعلية على توفير الخدمات.

وقد تظهر في بعض المدن ضغوط على السكن أو المدارس أو المرافق العامة، غير أن تفسيرها يتطلب النظر إلى عوامل متعددة، من بينها السياسات السكنية، والاستثمار في البنية التحتية، وتوزيع السكان، ومدى استعداد المؤسسات لمواجهة الزيادة في الطلب. وليس من الدقة ردّ هذه المشكلات إلى الهجرة وحدها، مثلما ليس من المفيد إنكار الصعوبات التي قد تواجه السكان والمهاجرين على السواء.

إن النقاش الرصين حول الهجرة لا يقوم على التعميم أو التخويف، ولا على تجاهل الواقع، بل على بيانات دقيقة وسياسات قابلة للتقييم، وعلى إدراك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدارة حركة البشر فحسب، وإنما في بناء مجتمعات تستطيع أن تجمع بين احترام القانون، والعدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق