
أين ذهبت أموال النفط السوداني؟ رحلة المليارات من الخرطوم إلى كوالالمبور
شهد حكم نظام الإنقاذ، الذي ارتبط بالحركة الإسلامية بقيادة عمر البشير، على مدى ثلاثين عاما (1989-2019) اتهامات واسعة بالفساد المالي، وكان ذلك من بين العوامل التي فاقمت الأزمة الاقتصادية وغذّت الاحتجاجات الشعبية التي انتهت بإسقاطه في أبريل 2019.
وتمثلت أبرز أوجه فساد الإسلاميين خلال فترة حكمهم في السودان في ظاهرة نهب أموال النفط، قبل أن يتم تهريبها للخارج، حيث تتحدث تقارير عن أرقام فلكية تتراوح بين 64 مليار دولار، إلى 180 مليار دولار.
وفي هذا السياق، كشف الاقتصادي محمد عصمت يحيى في مقطع فيديو مصور عن قيام وزير النفط خلال حكم البشير بتحويل نحو 64 مليار دولار من عائدات النفط السوداني لصالح الحركة الإسلامية.
وأشار عصمت إلى الاستثمارات السودانية الضخمة في ماليزيا، والتي حددها مقال سابق للبروفيسور هاشم محجوب.
وكان محجوب قد كتب مقالا نقل فيه أرقاما صادمة عن حجم الاستثمارات السودانية في ماليزيا، حيث خلص لذلك عقب تجربة علمية، عندما كلف 40 من طلابه في الجامعة الماليزية بإنجاز بحوثهم للعام الدراسي 2006 ـ 2007 عن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ماليزيا.
ووجدت الأبحاث، وقتها، أن نحو 16% من الاستثمارات الأجنبية في ماليزيا هي سودانية بحتة، وقدر حجمها في ذلك الوقت بنحو 42 مليار دولار.
وعلى الرغم من صعوبة الجزم بأن جميع تلك الأموال تابعة لتنظيم الحركة الإسلامية في السودان، فإن تزامنها مع ارتفاع إنتاج السودان من النفط، بلغ إنتاج البلاد منه إلى 530 ألف برميل يوميا في نوفمبر 2007، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق، وأيضا الاتهامات المستمرة لنظام الإنقاذ بالفساد، يجعل تلك المزاعم أقرب للحقيقة، على الأرجح.
وتزيد تلك الفرضيات تماسكا بربطها بالعلاقات القوية لنظام البشير بماليزيا، وعمل شركة «بتروناس» الحكومية، التي امتلكت حصة في كونسورتيوم شركة النيل الكبرى للعمليات البترولية إلى جانب شركات صينية وسودانية.
ويوثق تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» الصادر عام 2003 أن شركة بتروناس الماليزية امتلكت 30% من مشروع كونسورتيوم النيل الكبرى، كما أشار إلى توسع الاستثمارات الماليزية في السودان، وإلى وجود 10 شركات ماليزية مستثمرة في البلاد بحلول فبراير 1999، مقارنة بثلاث شركات في العام السابق.
ومن جهته، استدل محمد عصمت يحيى على صحة امتلاك الإسلاميين لتلك الاستثمارات، بالمطالبة الصريحة للقيادة السابقة في نظام البشير والنائبة البرلمانية عائشة الغبشاوي في 2018 وتحت قبة البرلمان السوداني بضرورة إرجاع الأموال التي تم تهريبها إلى ماليزيا من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية التي كان يمر بها نظامهم وقتها.
180 مليار دولار تثير جدلا
ووجدت دارسة أكاديمية وتحليلية حديثة، أنجزها المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات الدكتور عبدالمنعم مختار، أرقام صادمة جديدة لحجم ما نهبه الإسلاميين خلال حكم الإنقاذ (1989 ـ 2019).
واستندت الدراسة إلى تحقيقات لجنة تفكيك نظام 30 يونيو واسترداد الأموال العامة، والتي استردت بحسب البيانات التي أوردتها أكثر من مليار دولار نقداً لوزارة المالية، و400 مليون دولار لوزارة الأوقاف، و1.2 مليار دولار من رجل الأعمال عبد الباسط حمزة، بإجمالي أصول نقدية ومصادرة تقارب 2.6 مليار دولار.
في المقابل، يقدر إجمالي الأموال التي هربها عناصر النظام السابق للخارج بنحو 64 مليار دولار، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي أصول حزب المؤتمر الوطني داخل السودان بلغ نحو 1.5 تريليون جنيه.
ووفقا للدراسة نفسها، فإن نظام الإسلاميين قام بسرقة ممنهجة لأموال الأوقاف قدرت بـ479 مليون دولار من عائدات 81 عقاراً وقفيا في الخرطوم، بينما تشير تحقيقات أخرى إلى أن إجمالي أموال الأوقاف المنهوبة قد يصل إلى 11.6 مليار دولار، فيما قدرت الدراسة القيمة الإجمالية لما تم نهبه خلال 30 عاما بلغ 180 مليار دولار.
جدير بالذكر أن عبدالباسط حمزة، يعد أحد أبرز واجهات الإسلاميين في الميدان الاقتصادي، وحلقة الربط بين “إخوان السودان” وحركة حماس.
وفي أكتوبر 2023 فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات عليه، واصفة إياه بأنه ممول سوداني لحماس، وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنه أدار شركات ضمن المحفظة الاستثمارية للحركة، وشارك في تحويل نحو 20 مليون دولار إليها. كما أدرجت شركات مرتبطة به، من بينها “زوايا للتنمية والاستثمار” و”لاريكوم للاستثمار”، على قائمة العقوبات.
وبدورها، شهدت الخرطوم خلال سنوات حكم البشير استضافة قيادات بارزة في حماس، من بينهم خالد مشعل وإسماعيل هنية ومحمود الزهار وموسى أبو مرزوق، كما احتضنت لقاءات ومؤتمرات شارك فيها قادة الحركة الفلسطينية، في إطار علاقة اتسمت بالتقارب السياسي والتنظيمي.
العقوبات الأمريكية وملاحقة الأموال
لم تتأثر الإمبراطورية المالية الضخمة التي كونتها الحركة الإسلامية إبان فترة حكهم للسودان من أموال النفط بإسقاط حكمهم، خصوصا في ظل تهريبهم لغالبيتها إلى خارج السودان، وماليزيا على وجه الخصوص.
واتاحت لهم هذه الإمبراطورية، بحسب تقارير، الصرف على الحرب الحالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث يتحالفون مع الجيش، ويسيطرون فعليا على الدولة منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021.
بالمقابل، تظل العقوبات الأميركية التي استهدفت أخيرا، أحد أبرز الكوابيس التي تهدد تلك الإمبراطورية المالية المسروقة من أموال الشعب السوداني.
وفي التاسع من مارس 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً تصنيفاً خاصاً، كما صنفت لاحقاً في ذات الشهر الجماعة منظمة إرهابية أجنبية اعتباراً من 16 مارس 2026.
وحسب حيثيات القرار الصادر عن الخارجية الأمريكية، فقد تم التأكيد على أن “جماعة الإخوان المسلمين السودانية” تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان، ونشر “أيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة”. وقد نفذ مقاتلوها، الذين يتلقى العديد منهم التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني، عمليات إعدام جماعية بحق المدنيين. وكان قد سبق ذلك تصنيف “لواء البراء بن مالك” التابع للجماعة بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر 2025؛ لدوره في الحرب الوحشية المستعرة في السودان.


