ابتسام الهاشمي
تعيش الشعوب على هاجس فرض استقلالها السياسي والجغرافي، والفرد على هاجس البحث عن استقلاله المادي أو الشخصي، كل واحد منا وأين يجد استقلاليته، وبالتالي كيف ينظر لاستقلال الآخر، قد ترى نفسك مستقلا ببضعة قروش، بينا أراها سبب استعمارك، قد أرى استقلالي في توجهي الفكري، في حين تراه أنت استعمارا فكريا؛ كل فردٍ وتصوره لنفسه ودوره واستقلاليته وكيف يحققها، يرجع هذا التشعب، للحمولات الثقافية التي يعرفها كل جيل، تختلف عن الجيل الذي قبله وبعده، تحدد تصوراته في علاقاته بالعالم، والمجتمع، والأسرة، والفرد، والنفس، وينتج عنها مجموعة من السلوكات الذهنية التي تفرض حضورها في الواقع الفعلي.
لقد استرشد الإنسان منذ الأزل على نسج غطاء ثقافي»Culteral Cover»، يضمن به استقلاله، ويقي به نفسه وعشيرته من غوائل الدهر، وقساوة الظروف، فكانت بداياته باتخاذه للكهوف، والأكواخ، والسراديب، والمنازل، مستقرا استقلاليا ماديا، كانت في مرحلة من مراحل التاريخ تحقق إشباعا استقلاليا لأصحابها، مع هيئتها المادية؛ هي أيضا، تراث ثقافي يستخرج منه الباحث تصورات الإنسان الماضوي للحياة، وللاستقرار وللاستقلال، حيث تتكلم الأحجار لتحكي عن تاريخ من الحكايات الفكرية والوجدانية.
ومع مرور الزمان صار الاستقلال رهين نتائج الحروب السياسية؛ بات استقلالا واستعمارا بمحددات جغرافية، مع تحولات التاريخ وتطورات الإنسان، تغيرت عوامل الغزو وتعددت أشكالها، لكن الغطاء الثقافي ظل موازيا لها، اتخذته كل الشعوب وقاية لنفسها من غزو الآخر، ووسيلة تضمن بها استقلالها على الأمد البعيد ، هذا ما حدث للعرب بعد دخول الإسلام إليها، عرفت معنى الوحدة الدينية وما تترتب عنها من استقلال اجتماعي وثقافي، وعملت من خلال «الفتوحات» على ترسيخها، والحال عينه مع «الحروب الصليبية» التي قادتها الكنيسة المسيحية خلال أربعة قرون، من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر للميلاد، ضد العالم الإسلامي في المشرق، رغم طابعها السياسي، كان لها وقع ثقافي كبير في إيقاظ العقول وتنبيه العزائم وشحذ القرائح، بما قبسه أهل أوروبا من آثار الحضارة العباسية في المشرق، فنظموا مدارسهم، ونبغ من بينهم شعراء وعلماء وفلاسفة، قلما تجد في القارة الأوروبية من يدانيهم قبل تلك الحروب، وكان لها أثر آخر أعظم شأنا، هو جمع كلمة الأوربيين، واستلال سخائهم وتناسى أحقادهم، وتألبهم على الشرق ، لمدافعة أهله، بل مهاجمتهم في ديارهم.
وفي الثورة الفكرية الفرنسية، التي مهد لها المفكرون (مونتيسكيو، فولتير، روسو..)، بتجاوز المجتمع للاستعمار الكنائسي والتطلع لدولة المساواة والحرية الاجتماعية، وفي المغرب، حركة الإصلاح الوطنية التي تلت الحماية الفرنسية « في بدايات 1930، تحت غطاء ثقافي يعبر عن تطلعات الشباب المغاربة ويحصنهم من التقليد الأعمى لما يأتي من أوروبا ويساهم في ملاءمة العقيدة الإسلامية مع أفكار العصر الجديد.
من الملاحظ في هذه الأمثلة، كيف انبثقت من تحت جناح الحروب السياسية والعسكرية، حرب ثقافية أخرى، غايتها إما نشر العقيدة، أو سلب ثقافة الآخر، أو مواجهتها، وذلك ما جرى عبر تنزيه الثقافة المقترحة، مقابل تشويه الآخر والتخويف منه، وهو ما يطلق عليه في سياق الدرس الثقافي ب»الغزو الثقافي»، CULTURAL INVASION حيث تعمل ثقافة الأنا على تشويه ثقافة الآخر الغازي فكريا وثقافيات ووصفه بصفات تجعله خطرا ومهددا للذات، وبالتالي تعمل عبر محاولاتها في إلغائه وإخفاء أثره.
إنّ نجاح المجتمعات قديما في تحقيق استقلالها، كان بمثابة رد فعل حاسم ومصيري لما عانته من حروب ومآس مختلفة ومتنوعة، حتى اقتنعت إلى حد بعيد بأن الإنسان هو نفسه من يملك مفاتيح النجاح والبناء، ويتحكم بآليات الفشل والتهديم. أما اليوم مع ظهور الحروب في صيغ جديدة، غير مباشرة، صارت الثقافات البشرية ، تواجه لحظة من أخطر لحظات الغزو الثقافي، عبر كل أشكال التزاحم والتنافس الثقافي، حتى إن الغطاء الثقافي القديم، لم يعد كافيا لتمثيل الذات ولا حتى لمواجهة الغزو، وحتى المقاومة لم تعد ذات جدوى لأداء دور حضاري وتحقيق موقع فعال إنسانيا؛ فكيف يمكننا الاعتراف باستقلال بلد، وغزو أخرى في ظل هذا الشتات؟؟
ومن ثمة؛ فإن أي تطلع جاد لمستقبل مزهر وعهد مُشرق، لا يمكن أن يتحقَّق إلا عن طريق الإنسان، ذاك المخلوق العجيب، وما يملك من قدرات فائقة، وبلا حدود، للخلْق والإبداع والتطور. يتطلب الوضع إعادة تحرير وبناء الإنسان ، مثلما يعاد تخطيط أيّ مشروع آخر وتنفيذه. على هذا النحو نوزع التصورات ، لتكسوها المفاهيم، ونجعل بعضها تحديدا للغزو، وبعضها الآخر تحديدا للاستقلال، مع أنها قد تتقمص نقيضها في الآن ذاته دون دراية منا، وتلك خديعة المعاني؛ كل خطاب في الهيمنة يقابله خطاب آخر في الرفض، وكل مفهوم يدفع بشكل تلقائي إلى ظهور هوامش من المعاني، وتلك كانت إحدى فواصلي.




