آراء

غوايات

الذاكرة والخيال

عماد البليك

دائما هناك نزاع قوي بين الذاكرة والخيال في اقتناص الفرصة لخلق أجواء النص الأدبي، أو السرد عموماً، وربما الشعر، برغم أن القصيدة هي حالة عاطفية في مقامها الأول قد لا تصلح عليها محصلات قائمة على الوعي، فالرواية والسرديات والفنون التماثلية للواقع دائماً ذات بعد يكون فيه الذهن حاضراً برغم كل محاولات القول بأن اللاوعي سبّاق في كل ذلك.

في السرد، يكون للذاكرة أن تلعب دوراً مهماً في صياغة النصوص، وهي تشتغل على تقاطعات معقدة يصعب تفكيكها وفق منهج موحد، بحيث يمكن استخلاص نتيجة مختلفة مع كل كاتب بعينه وربما كل نص من نصوص ذلك الكاتب. لكن الذاكرة التي يسجلها النص، هي أيضا ليست الذاكرة التي تأخذ حيزها من الدماغ البشري إنها مسألة أكثر تعقيداً هي الأخرى.

في مقابل ذلك يكون السؤال عن طبيعة الخيال، وأين يتقاطع مع الذاكرة ويخرج منها، أو ينفصل عنها؟ ومن ناحية مبدئية فهما متداخلان، لكن من إطار نظري يمكن للرائي أن يفصل بينهما، فالذاكرة دائما نقلية مهما حاولت أن تقفز على التاريخ والالتصاق بالزمن، في حين أن الخيال شيء غير محدود، لا يمكن الإمساك به إنه يجاري الغيب المطلق وخاصية الغموض الغريب الذي يكتنف الكون، كما كل ثناياه، التي تتجلى في الإبداع كواحدة من سمات فهم هذا المجال الرحب والكبير.

إن الذاكرة هي حلم اليقظة الذي يحاول الإنسان برمجته أو التحكم فيه في سياق النص، في حين أن الخيال هو ما وراء اليقظة نفسها هو عالم ما بعد الحلم وحقيقته المتخفية في الرغبات والأمنيات والاستشراف. والمعنى الخيال الخارق والجارف الذي لا يعرف كيف يستجيب لأسر أي ذاكرة تعطله، فمتى ما كان الخيال معصوباً وضعيفاً استكان لقهر الذاكرة فتوقف مضحملاً ولم يتقدم خطوة في تطويع المعنى.

بين ذاك وهذا فإن البحث عن النص الجديد، عن سيرة السرد الذي يروي ما وراء الحكاية وما بين سطور المعنى، يكون قائماً على إدراك كنه الخيال العميق، الوارف. الذي يعمل على تفكيك الذاكرة وجعلها هباء منثوراً، بحيث تصبح اللاذاكرة هي الخيال الجديد، أي المحو الدائم لكل التفاصيل التي يحاول الكاتب أن يقبض عليها أن يفسرها، فالكتابة الملهمة لا تقبض على أي شيء، سوى اللحظة بكل حضورها، وهنا يتعطل العالم كله، تتوقف الذاكرة، ولا يعمل سوى الخيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق