آراءتراث

عندما انكسر “الحلم الفرنسي” عند منحنى النيل…

كيف رسمت حادثة فشودة وأطماع "دارفور" خارطة السودان الاستعماري وعلاقاته المعاصرة؟

بقلم: مختار بلال عبد السلام

 

غردون باشا
غردون باشا

في خضم التكالب الأوروبي المحموم لتقاسم القارة السمراء أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن الأراضي الأفريقية مجرد مساحات جغرافية، بل كانت لوحة شطرنج كبرى تصطدم عليها أحلام الإمبراطوريات العظمى. وفي قلب هذا الصراع، وتحديداً في يوليو 1898، كانت قرية طينية صغيرة على ضفاف النيل يُدعى “فشودة” (كدوك الحالية)، على موعد مع حدث تاريخي كاد أن يشعل حرباً عالمية مدمرة بين أقوى قوتين استعماريتين آنذاك: بريطانيا وفرنسا. غير أن فشودة لم تكن إلا القمة الظاهرة من جبل جليد الأطماع الفرنسية، والتي امتدت جذورها العميقة غرباً لتشمل محاولات مستميتة لابتلاع إقليم دارفور وضمّه إلى الفضاء الاستعماري الفرنسي.

 وقد عاشت القارة الأفريقية في تلك الحقبة صراعاً استراتيجياً عُرف بـ “المشروعات المتقاطعة”؛ فبينما ركّزت بريطانيا كل ثقلها لربط مستعمراتها بخط رأسي ممتد من “القاهرة إلى كيب تاون”، كانت فرنسا تسابق الزمن لبناء إمبراطورية أفقية تمتد من “داكار على المحيط الأطلسي إلى جيبوتي على البحر الأحمر.

ولتحقيق هذا الربط الأفقي، لم يكن النيل الأعلى هو المستهدف الوحيد؛ بل كان إقليم دارفور يمثل حجر الزاوية في الاستراتيجية الفرنسية. رأت باريس في “سلطنة دارفور” امتداداً جغرافياً طبيعياً لمستعمراتها الناشئة في تشاد ووسط أفريقيا. ومن هذا المنطلق، قادت فرنسا تحركات مكثفة ومحاولات دبلوماسية وعسكرية لضم هذا الإقليم أو إخضاعه لنفوذها، مستغلةً حالة عدم الاستقرار والحروب المستمرة التي دخلت فيها دارفور مع المهدية. سعت باريس لرسم حدود تدمج فضاء دارفور مع تشاد لتشكيل كتلة إمبراطورية متصلة تهيمن على قلب القارة. إلا أن الإصرار البريطاني على إبقاء دارفور ضمن “الملحقات الحتمية” لحوض النيل شكل حائط صدٍ منيع أحبط تلك التطلعات.

التقى الطموحان المتناقضان في حوض النيل الأعلى. وانطلقت البعثة الفرنسية بقيادة الكابتن جان باتيست مارشان من الغرب، لتقطع آلاف الأميال عبر الغابات والمستنقعات، وتنجح بالفعل في رفع العلم الفرنسي فوق قلعة فشودة في يوليو 1898.

SLATIN(1896)_p079_ZUBEIR_PASHA_(cropped)
SLATIN(1896)_p079_ZUBEIR_PASHA_(cropped)

لم يدم التحدي الفرنسي طويلاً؛ فبعد أسابيع قليلة من سقوط الدولة المهدية في معركة كرري، تحرك الجنرال البريطاني اللورد كتشنر على رأس قوة عسكرية ضخمة تفوق القوة الفرنسية بنسبة عشرة إلى واحد. وفي سبتمبر 1898، التقى القائدان في فشودة. ورغم الدبلوماسية الميدانية الظاهرية، إلا أن العاصفة الحقيقية كانت تضرب برلمانات وصحافة لندن وباريس، حيث وصلت التعبئة العسكرية والتهديدات بالحرب ذروتها.

أمام هذا الوضع، اضطرت الحكومة الفرنسية في النهاية لاتخاذ القرار المرير بإصدار الأوامر لمارشان بالانسحاب. ولم يكن هذا الانسحاب مجرد إخلاء لموقع عسكري، بل كان إعلاناً رسمياً بوفاة “الحلم الفرنسي” في السيطرة على وادي النيل وبوابته الغربية في دارفور.

غردون باشا حاكم السودان
غردون باشا حاكم السودان

وتجسدت النتائج السياسية في الاتفاقية الأنجلو-فرنسية لعام 1899. بموجب هذا الاتفاق الودي، تخلت فرنسا بشكل كامل ونهائي عن أي مطامع في مياه النيل وعموم السودان، ورُسمت حدود فاصلة منعت فرنسة دارفور وعزلته خلف خطوط النفوذ البريطاني، مقابل إطلاق يد باريس في تشاد ومناطق غرب أفريقيا. فتح هذا التراجع الباب لبريطانيا لتنفرد بالسودان وتفرض “اتفاقية الحكم الثنائي” التي صاغت حدود البلاد لقرن قادم.

من الملاحظ أنه على المدى القصير، قادت أزمة فشودة البلدين إلى تسوية الخلافات وتوقيع “الاتفاق الودي” عام 1904 لمواجهة الخطر الألماني الصاعد في أوروبا. ولكن على المدى البعيد، تركت هذه الحادثة جرحاً غائراً في الوعي الجيوسياسي الفرنسي، وأفرزت تداعيات امتدت حتى العصر الحالي، متسببة في حالة من الفتور الملموس والمستمر في العلاقات الثنائية الحالية بين باريس والخرطوم.

استعمار انجلترا في السودان
استعمار انجلترا في السودان

إن قراءة مسار العلاقات الحالية تكشف بوضوح أن باريس لم تتخلص تماماً من “عقدة فشودة” والامتداد القديم نحو دارفور؛ حيث يُنظر للسياسة الفرنسية الحالية تجاه السودان بكثير من الريبة من جانب الحكومات السودانية المتعاقبة. ويتجلى هذا الفتور في عدة مؤشرات حية.

على أرض الواقع ما زالت الخرطوم ترى في الدعم والتدخل الفرنسي المستمر في تشاد والجوار الغربي مهدداً لعمقها الأمني، وتحديداً في دارفور. فالذاكرة السياسية السودانية تربط باستمرار بين الدعم الفرنسي التاريخي (والحالي) لبعض القوى والحركات في دارفور وبين الأطماع الاستعمارية القديمة لضم الإقليم.

وهذا ربما يُفسر احتضان باريس في السابق لعدد من قيادات المعارضة والحركات الدارفورية المسلحة على أراضيها بأنه امتداد للمنافسة الجيوسياسية التقليدية مع النفوذ الأنجلو-أمريكي التاريخي في السودان. هذا السلوك الدبلوماسي عمّق الفجوة، وجعل العلاقات الثنائية المعاصرة محكومة ببرود واضح وفتور دبلوماسي، وتفتقر إلى الشراكات الاستراتيجية الحقيقية.

 في حرب السودان الأخيرة التي تثيرها قوات الدعم السريع على الجيش السوداني تثير التقارير والاتهامات المعاصرة حول تسرب منظومات تقنية أو عسكرية فرنسية الصنع إلى الساحة السودانية عبر أطراف إقليمية حالة من الحذر والتوتر في الدوائر السياسية، مما يؤكد أن السودان ما زال يمثل ساحة صراع وتصفية حسابات نفوذ فرنسية غير مباشر.

يبقى تاريخ فشودة شاهداً على أن حدود الدول ومصائر الشعوب في أفريقيا كثيراً ما رُسمت بمداد التسويات الدبلوماسية الأجنبية، وأن ترسبات تلك الحقبة الاستعمارية ما زالت تلقي بظلالها القاتمة على دبلوماسية اليوم، محولةً “أحلام القرن التاسع عشر” إلى فجوة ثقة يصعب ردمها في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق